المحاضرة 2: السَلامُ وَالْبَلِيَّةُ - خدمات ليجونير
 

المحاضرة 2: السَلامُ وَالْبَلِيَّةُ

ثَمَّةَ عِبَارَةٌ تَتَمَتَّعُ بِتَارِيخٍ غَنِيٍّ فِي اللُغَةِ الإِنْجْلِيزِيَّةِ، لَكِنَّهَا اخْتَفَتْ مِنْ مُفْرَدَاتِنا. لَقَدِ اخْتَفَتْ مُنْذُ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْعَقْلِيَّةِ الْعِلْمَانِيَّةِ، لَكِنَّهَا شِبْهُ غَائِبَةٍ تَمَامًا الآنَ عَنْ حَدِيثِ الْمَسِيحِيِّ، وَهِيَ عِبَارَةُ "الْعِنَايَةِ الإِلَهِيَّةِ". إِنْ رَجَعْتُمْ 100 أَوْ 150 سَنَةً إِلَى الْوَرَاءِ وَتَنَصَّتُّمْ عَلَى مُحَادَثَاتِ الشَعْبِ الأَمْرِيكِيِّ وَهُمْ يَكْتُبُونَ الرَسَائِلَ أَحَدُهُمْ لِلآخَرِ، لَلاحَظْتُمُ انْتِشَارَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي أَحَادِيثِهِمْ. وَفِي الْوَاقِعِ، هُمْ غَالِبًا مَا اسْتَعْمَلُوا عِبَارَةَ "عِنَايَةٍ إِلَهِيَّةٍ" لِدَرَجَةِ أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ عِبَارَةٍ تَصِفُ عَمَلَ اللهِ، بَلْ أَصْبَحَتْ عِبَارَةً مُسْتَعْمَلَةً لِتَسْمِيَةِ اللهِ. فَكَلِمَةُ "عِنَايَةٍ" فِي اللُغَةِ الإِنْجْلِيزِيَّةِ تَبْدَأُ بِحَرْفٍ كَبِيرٍ، وَتَتِمُّ الإِشَارَةُ إِلَى اللهِ عَلَى أَنَّهُ الْعِنَايَةُ.

فِي الْقَرْنِ الثَامِنَ عَشَرَ، وَلِفَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ قَصِيرَةٍ جِدًّا، إِذَا أَلْقَيْنَا نَظْرَةً عَلَى سِلْسِلَةٍ مُتَّصِلَةٍ كَامِلَةٍ لِلتَارِيخِ الْمُدَوَّنِ، فَمَا يُعَدُّ مُجَرَّدَ نُقْطَةٍ عَلَى تِلْكَ السِلْسِلَةِ الْمُتَّصِلَةِ هُوَ ظُهُورُ وَزَوَالُ الْفَلْسَفَةِ الدِينِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالرُبُوبِيَّةِ. وَتَتَضَمَّنُ الرُبُوبِيَّةُ فِي جَوْهَرِهَا اعْتِبَارَ اللَّهِ ضَرُورِيًّا لِتَفْسِيرِ نَشْأَةِ الْكَوْنِ، إِذًا، كَانَ اللَّهُ السَبَبَ الْأَوَّلَ لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. وَالتَشْبِيهُ الْمَجَازِيُّ الْمُفَضَّلُ لَدَى الرُبُوبِيِّينَ هُوَ صُورَةُ صَانِعِ السَاعَاتِ، حَيْثُ يَلْعَبُ اللَّهُ دَوْرَ مُصَمِّمِ سَاعَاتٍ كَوْنِيٍّ صَمَّمَ هَذِهِ السَاعَةَ، وَشَغَّلَهَا وَجَمَعَهَا وَشَكَّلَهَا وَضَبَطَهَا بِزُنْبُرُكٍ. وَبَعْدَ أَنْ صَمَّمَ هَذِهِ السَاعَةَ عَبَّأَهَا وَأَطْلَقَهَا لِلْعَمَلِ، ثُمَّ اخْتَفَى مِنَ الصُورَةِ وَتَنَحَّى جَانِبًا، وَتَرَكَ الْكَوْنَ يَعْمَلُ بِمُوجَبِ قُوَّتِهِ الدَاخِلِيَّةِ الْخَاصَّةِ. تِلْكَ النَظْرَةُ الرُبُوبِيَّةُ الَتِي أَبْعَدَتْ فِكْرَةَ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ، أَيْ أَنْ يَكُونَ اللهُ فَاعِلًا وَعَامِلًا وَمُتَدَخِّلًا فِي الْكَوْنِ وَالتَارِيخِ الْبَشَرِيِّ، هَذِهِ الْفِكْرَةُ أَبْعَدَهَا الرُبُوبِيُّونَ. وَبالرَغْمِ مِنْ أَنَّ تِلْكَ الدِيَانَةَ دَامَتْ لِفَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ وَجِيزَةٍ وَاضْمَحَلَّتْ فِي وَمْضَةِ عَيْنٍ، إِلَّا أَنَّ فِكْرَةَ الرُبُوبِيَّةِ الرَئِيسِيَّةِ ظَلَّتْ رَاسِخَةً بِعُمْقٍ فِي نُفُوسِ الْأَمْرِيكِيِّينَ، لِأَنَّهُ مَعَ إِبْعَادِ فِكْرَةِ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَإِنَّ النَظْرَةَ الْعَمَلِيَّةَ إِلَى اللَّهِ الَتِي يَتَبَنَّاهَا مُعْظَمُ الْأَمْرِيكِيِّينَ لَيْسَتِ النَظْرَةَ الْكِتَابِيَّةَ إِلَى اللَّهِ وَعِنَايَتِهِ، لَكِنَّهَا فِي أَحْسَنِ الْأَحْوَالِ فَهْمٌ رُبُوبِيٌّ عَنِ اللهِ.

شَهِدْنَا أَيْضًا فِي حَيَاتِنا إِبْعَادَ اللهِ عَنِ السَاحَةِ الْعَامَّةِ، حَيْثُ لا يَتِمُّ التَكَلُّمُ عَنِ اللهِ فِي حَقْلِ التَعْلِيمِ الْعَامِّ – وَهَذَا مَا يُعْرَفُ بِالتَعْلِيمِ الْمُحَايِدِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُسْتَحِيلٌ. إِمَّا أَنْ تَتِمَّ قِيَادَةُ التَعْلِيمِ ضِمْنَ إِطَارِ الإِيمَانِ بِاللهِ، أَوْ ضِدَّ إِطَارِ الإِيمانِ بِاللهِ، لا تُوجَدُ أَرْضٌ مُحَايِدَةٌ. وَلَكِنْ لا يُسْمَحُ بِالتَكَلُّمِ عَنِ اللهِ فِي الْمَجَالِ التَعْلِيمِيِّ، أَوْ فِي مَجَالِ الْحُكُومَةِ، أَوْ كَمَا ذَكَرْتُ، فِي السَاحَةِ الْعَامَّةِ. مَا اخْتَبَرْنَاهُ فِي إِطَارِ الدِيَانَةِ فِي أَمْرِيكَا، وَبِمَا أَنَّ الأَمْرَ لا يَزَالُ مَضْمُونًا مِنْ خِلالِ التَعْدِيلِ الأَوَّلِ لِلدُسْتُورِ، هُوَ حِمَايَةُ حُرِّيَّةِ الْمُعْتَقَدِ الشَخْصِيِّ مَا دَامَ الأَمْرُ مَحْصُورًا ضِمْنَ إِطَارِ التَحَفُّظِ الثَقَافِيِّ خَارِجَ دَائِرَةِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ. الْهَدَفُ مِنَ الدِينِ هُوَ بُنْيَانُ النَفْسِ وَإِعْطَاءُ قُوَّةٍ شَخْصِيَّةٍ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَيُّ عَلاقَةٍ بِنَظَرِيَّاتِنَا، أَوْ سُلُوكِنَا فِي عِلْمِ الاقْتِصَادِ، أَوْ فِي الْحُكُومَةِ، أَوْ فِي التَعْلِيمِ. هَذِهِ هِيَ الْفَلْسَفَةُ الرُبُوبِيَّةُ إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ.

لَكِنَّ هَذِهِ الْبَلِيَّةَ الَّتِي أَصَابَتْ أُمَّتَنَا فِي 11 سِبْتَمْبَر عَامَ 2001، اسْتَدْعَتِ اللهَ وَأَخْرَجَتْهُ مِنَ التَحَفُّظِ. وَفَجْأَةً، رَأَيْنَا الْمُجْتَمَعَ الأَمْرِيكِيَّ بِكَافَّةِ مَجَالاتِهِ يُسَارِعُ إِلَى اسْتِدْعَاءِ اللهِ. وَالْمَجْمُوعَةُ الَتِي كَانَتْ أَكْثَرَ هُدُوءًا فِي الأَيَّامِ وَالأَسَابِيعِ الأُولَى الَتِي تَلَتِ الْكَارِثَةَ هِيَ اتِّحَادُ الْحُرِّيَّاتِ الْمَدَنِيَّةِ فِي أَمْرِيكَا. كَانَ لَدَيْهِمْ مَا يَكْفِيهِمْ لِيَظَلُّوا دَائِمِي الانْشِغَالِ طَوَالَ الْقَرْنَيْنِ الْقَادِمَيْنِ، مَعَ كُلِّ النِدَاءَاتِ إِلَى اللهِ فِي الْمَدَارِسِ وَالْحُكُومَةِ وَالسَاحَةِ الْعَامَّةِ، حَيْثُ إِنَّ الأُمَّةَ قَالَتْ فَجْأَةً "لا" لِلرُبُوبِيَّةِ، وَطَالَبَتْ مَرَّةً أُخْرَى بِالتَأْكِيدِ مُجَدَّدًا عَلَى الْعِنَايَةِ الإِلَهِيَّةِ.

فِي قَلْبِ هَذَا التَغْيِيرِ لِلْعَقْلِ الْقَوْمِيِّ، ظَهَرَ شِعَارٌ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ تَمَّ بَثُّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَظَهَرَ فِي لَافِتَاتٍ وَاقْتَبَسَهُ الْمَلَايِينُ عَلَى أَنَّهُ نِدَاءٌ وَطَنِيٌّ وَكَانَ الْعِبَارَةَ التَالِيَةَ: "لِيُبَارِكِ اللَّهُ أَمْرِيكَا". وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ الصَغِيرَةُ تَفْتَرِضُ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةً أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ فَهِيَ تَفْتَرِضُ، بِالطَبْعِ، أَنَّ هُنَاكَ مَكَانًا اسْمُهُ أَمْرِيكَا - لَا خِلَافَ حَوْلَ ذَلِكَ. لَكِنَّهَا تَفْتَرِضُ أَيْضًا أَنَّ هُنَاكَ شَخْصًا اسْمُهُ اللَّهُ، وَيُوجَدُ الْكَثِيرُ مِنْ الْخِلَافِ حَوْلَهُ. لَكِنَّ الْكَلِمَةَ الْهَامَّةَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْمُكَوَّنَةِ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ هِيَ كَلِمَةُ "لِيُبَارِكْ" لِأَنَّ الرُبُوبِيَّ لَيْسَ لَدَيْهِ مَكَانٌ لِإِلَهٍ لَهُ الْقُدْرَةُ، أَوِ الْقُوَّةُ، أَوِ الْمَقْدِرَةُ عَلَى مُبَارَكَةِ أُمَّةٍ. فَلِكَيْ يُبَارِكَ اللَّهُ أُمَّةً مَا، يَجِبُ أَنْ يَتَدَاخَلَ فِي شُؤُونِهَا. لِكَيْ يُبَارِكَ اللَّهُ أَمْرِيكَا، عَلَيْهِ أَنْ يُمَارِسَ سُلْطَانَهُ السِيَادِيَّ عَلَى مَا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ. مَا الَذِي نَطْلُبُهُ عِنْدَمَا نَجْثُو عَلَى رُكَبِنَا وَنَقُولُ: "أَرْجُوكَ يَا أللَّهُ، بَارِكْ أَمْرِيكَا"؟ نَحْنُ نَسْأَلُهُ أَنْ يَتَدَخَّلَ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَدَخَّلَ مِنْ أَجْلِ سَلَامَةِ أُمَّتِنَا. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَدَخَّلَ فِي هَذِهِ الْكَارِثَةِ وَيُخْرِجَ مِنْهَا خَلَاصًا.

وَالْآنَ، كَمَسِيحِيٍّ وَلَاهُوتِيٍّ، فَإِنِّي أَبْتَهِجُ جِدًّا أَنَّ الْأُمَّةَ فَجْأَةً تَدْعُو اللَّهَ لِنَوَالِ بَرَكَتِهِ. لَكِنْ هُنَاكَ الْكَثِيرُ مِنْ الِالْتِبَاسِ حَوْلَ هَذَا. فَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ الَذِي أَصْبَحَ فِيهِ مِنَ الصَحِيحِ سِيَاسِيًّا أَنْ نَطْلُبَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يُبَارِكَ أَمْرِيكَا، نَرْفُضُ أَيَّ فِكْرَةٍ أَنَّ اللَّهَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ دَوْرٌ بِأَيِّ شَكْلٍ مِنْ الْأَشْكَالِ فِي الْمَأْسَاةِ نَفْسِهَا. أَيْ أَنَّنَا نَسْمَحُ لِلْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ طَالَمَا أَنَّهَا بَرَكَةٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَدَيْنَا أَيُّ مَكَانٍ لِلْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ تُمَثِّلُ نَوْعًا مِنَ الدَيْنُونَةِ. لَكِنْ إِنْ نَظَرْنَا بِعِنَايَةٍ إِلَى الْمَفْهُومِ الْكِتَابِيِّ لِلَّهِ، وَبَنَيْنَا حَيَاتَنَا وَوُجْهَةَ نَظَرِنَا عَنِ الْحَيَاةِ عَلَى هَذَا الْأَسَاسِ، فَإِنَّنَا نَرَى أَنَّ اللَّهَ بِعِنَايَتِهِ إِلَهٌ يَتَمَتَّعُ بِالسِيَادَةِ، لَا يَحْكُمُ الطَبِيعَةَ وَقَوَانِينَهَا فَحَسْبُ، لَكِنَّهُ هُوَ مَنْ يَرْفَعُ أُمَمًا وَيَضَعُ أُخْرَى. وَبِفَضْلِ عِنَايَتِهِ تَأْتِي الْبَرَكَةُ، سَوَاءٌ السَّعَادَةُ أَوْ الِازْدِهَارُ، بَلْ وَالْبَلِيَّةُ وَالْمَوْتُ.

دَعُونِي أَلْفِتُ انْتِبَاهَكُمْ إِلَى نَصٍّ مَعْرُوفٍ يُعَالِجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ. فِي الأَصْحَاحِ 45 مِنْ سِفْرِ إِشَعْيَاءَ، وَالآيَةِ 4 نَقْرَأُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ: "وَإِسْرَائِيلَ مُخْتَارِي، دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. لَقَّبْتُكَ وَأَنْتَ لَسْتَ تَعْرِفُنِي". وَالآنَ اسْمَعُوا مَا يَقُولُهُ اللهُ: "أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لَا إِلَهَ سِوَايَ". مَرَّةً أُخْرَى، كَمْ هُوَ خَطَأٌ سِيَاسِيًّا أَنْ يَطْلُبَ اللهُ عِبَادَتَهُ هُوَ وَحْدَهُ، لأَنَّهُ قَالَ إِنَّهُ هُوَ الإِلَهُ الْوَحِيدُ وَلَيْسَ آخَرَ. "أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ". والآنَ اسْمَعُوا هَذَا، إِنَّهُ شَكْلٌ أَدَبِيٌّ يُعْرَفُ بِالتَوَازِي: "مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلَامِ وَخَالِقُ الشَّرِّ". دَعُونِي أُكَرِّرُ ذَلِكَ: "صَانِعُ السَّلَامِ وَخَالِقُ الشَّرِّ. أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هَذِهِ."

لَقَدِ اجْتَزْنَا نِصْفَ الشَوْطِ لِلْخُرُوجِ مِنَ التَحَفُّظِ، وَقُلْنَا "نَعَمْ، يُوجَدُ مَكَانٌ للهِ فِي الطَبِيعَةِ، يُوجَدُ مَكَانٌ للهِ فِي التَارِيخِ، يُوجَدُ مَكَانٌ للهِ بَيْنَ شُؤُونِ الْبَشَرِ". لَكِنَّ هَذَا الْمَكَانَ مَحْصُورٌ بِمَاذَا؟ بِالْبَرَكَةِ؛ لَكِنْ لا مَكَانَ فِي تَفْكِيرِنَا لِتَدَخُّلِ اللهِ فِي الشَرِّ. لَكِنْ لا يُمْكِنُكَ التَأْكِيدُ عَلَى أَمْرَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ، فَالرُبُوبِيَّةُ تُخْطِئُ بِقَوْلِها إِنَّ اللهَ غَيْرُ مَسْؤُولٍ عَنِ الْبَرَكَةِ؛ وَالْحَرَكَةُ الإِنْسَانِيَّةُ الأَمْرِيكِيَّةُ تُخْطِئُ أَيْضًا بِقَوْلِهَا إِنَّهُ لَيْسَتْ للهِ أَيُّ عَلاقَةٍ بِالشَرِّ. لَكِنْ إِنْ كانَ الرَبُّ هُوَ اللهُ، أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، فَهُوَ سَيِّدٌ عَلَى كُلِّ الأَشْيَاءِ.

التَوْضِيحُ الْمُفَضَّلُ لَدَيَّ لِلْأَمْرِ هُوَ حِينَ كُنْتُ أُدَرِّسُ مَادَّةً تَعْلِيمِيَّةً فِي كُلِّيَّةِ اللَاهُوتِ حَوْلَ إِقْرَارِ إِيمَانِ وَسْتْمِنِسْتَرْ. حِينَ كُنَّا نَتَطَرَّقُ إِلَى الْفَصْلِ الثَالِثِ حَوْلَ الْقَضَاءِ الْأَزَلِيِّ لِلَّهِ، حَيْثُ يَبْدَأُ بِالْكَلِمَاتِ الْآتِيَةِ: "اللَّهُ، مُنْذُ الْأَزَلِ، بِحَسَبِ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ الْخَاصَّةِ الْكُلِّيِّ الْحِكْمَةِ، قَدْ عُيِّنَ بِحُرِّيَّةٍ، وَدُونَ قَابِلِيَّةٍ لِلتَغْيِيرِ، أَيًّا كَانَ مَا يَحْدُثُ"، فَاصِلَةٌ مَنْقُوطَةٌ. يُصَابُ النَاسُ بِالذُعْرِ حِينَ يَقْرَؤُونَ ذَلِكَ. لَكِنِّي قُلْتُ إِنَّ هَذَا التَأْكِيدَ لَا يَتَفَرَّدُ بِهِ اللَاهُوتُ الْإِصْلَاحِيُّ أَوْ مَذْهَبُ الْكَالْفِينِيَّةِ أَوْ الْأُوغُسْطِينِيَّةِ، لَكِنَّهُ تَأْكِيدٌ لَا تَتَفَرَّدُ بِهِ الْمَسِيحِيَّةُ وَحْدَهَا حَتَّى. إِنَّهُ تَأْكِيدٌ وَارِدٌ فِي الْعَقِيدَةِ الْيَهُودِيَّةِ، وَهُوَ يُشَكِّلّ قَاسِمًا مُشْتَرَكًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ هَذِهِ الدِيَانَاتِ الثَّلَاثَ تُؤَكِّدُ عَلَى صِحَّةِ الْإِعْلَانِ بِأَنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ تَحْدُثُ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ. وَجَاءَ بَعْدَ الْفَاصِلَةِ الْمَنْقُوطَةِ: "كَمَا أَنَّ إِرَادَةَ الْمَخْلُوقَاتِ بِهَذَا لَا تُنْتَهَكُ، وَلَا تُنْتَزَعُ الْحُرِّيَّةُ أَوْ الِاحْتِمَالِيَّةُ مِنْ الْمُسَبِّبَاتِ الثَانَوِيَّةِ". لَكِنْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، اللَّهُ بِسِيَادَتِهِ سَاهِرٌ عَلَى كُلِّ حَدَثٍ بَيْنَ الْبَشَرِ.

إِذًا، سَوْفَ تَسْأَلُنِي "هَلْ أَمَرَ اللَّهُ بِوُقُوعِ الْبَلِيَّةِ فِي نْيُويُورْكْ؟" فَأُجِيبُ: "نَعَمْ فَعَلَ". إِنْ سَأَلْتَنِي: "لِمَاذَا أَمَرَ بِذَلِكَ؟" فَلَنْ أَكُونَ زَلِقَ اللِسَانِ، سَنَتَطَرَّقُ لِذَلِكَ فِي الْمُحَاضَرَةِ الْمُقْبِلَةِ. لَكِنَّ كَثِيرِينَ يَسْتَنْتِجُونَ سَرِيعًا أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ لِيُعَاقِبَ أَمْرِيكَا. لَنْ أَقُومَ بِهَذَا الِافْتِرَاضِ. لَا أَعْلَمُ لِمَاذَا أَمَرَ بِذَلِكَ، لَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ لَمَا حَدَثَ الْأَمْرُ. وَبِمَا أَنَّ الْأَمْرَ حَدَثَ، فَأَنَا مُتَأَكِّدٌ مِنْ أَنَّهُ نَوْعًا مَا أَمَرَ بِهِ. سَتَقُولُ: "هَلْ تَتَكَلَّمُ عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ السَّامِحَةِ؟" فَلْنُلْقِ نَظْرَةً عَلَى الْأَمْرِ لِبَعْضِ الْوَقْتِ. إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ كُلِّيُّ الْقُدْرَةِ، إِنْ كَانَ كُلِّيَّ الْقُدْرَةِ فَهُوَ قَادِرٌ أَنْ يَمْنَعَ حُدُوثَ الْأُمُورِ. وَإِنْ كَانَ إِلَهَ الْمَسِيحِيَّةِ فَهُوَ إِلَهٌ يَعْرِفُ مُسْبَقًا مَاذَا سَيَحْدُثُ. يَقُولُ الْبَعْضُ: "هُوَ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ، لَكِنَّهُ سَمَحَ بِحُدُوثِهِ فَحَسْبُ". كَانَ عَلَى عِلْمٍ بِمَا سَيَحْدُثُ، لَكِنَّهُ اخْتَارَ أَنْ يَسْمَحَ بِحُدُوثِهِ. حَسَنًا، إِنْ كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ أَمْرًا مَا سَيَحْدُثُ وَسَمَحْتُ بِذَلِكَ، أَيْ أَنِّي سَمَحْتُ بِحُدُوثِهِ بالرَغْمِ مِنْ أَنِّي أَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى مَنْعِ حُدُوثِهِ، فَبِالنِسْبَةِ إِلَيَّ، لِكَيْ أَسْمَحَ بِذَلِكَ – افْهَمُوا ذَلِكَ – عَلَيَّ أَنْ أَخْتَارَ السَمَاحَ بِذَلِكَ. وَبِقَدْرِ مَا أَنِّي أَخْتَارُ السَمَاحَ بِذَلِكَ، فَإِنِّي أَقْصِدُ أَنْ أَجْعلَهُ يَحْدُثُ. وَإِنْ قَصَدْتُ بِسِيَادَةٍ أَنْ أَجْعَلَهُ يَحْدُثُ، فَإِنِّي بِذَلِكَ أَكُونُ عَلَى الأَقَلِّ قَدْ أَمَرْتُ بِهِ، لأَنَّ اللهَ إِلَهٌ يَأْتِي بِالازْدِهَارِ، وَأَيْضًا بِالْمِحَنِ، لأَجْلِ تَتْمِيمِ مَقَاصِدِهِ. كَيْفِيَّةُ حُدُوثِ ذَلِكَ هُوَ أَحَدُ أَصْعَبِ الْمَفَاهِيمِ الَتِي يَتَعَامَلُ مَعَها الْمُؤْمِنُونَ الأَتْقِيَاءُ، بِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِعْلِيًّا فِي كُلِّ صَفْحَةٍ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَهُوَ فِي صُلْبِ الإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ.

دَعُونِي أُكَرِّسُ وَقْتًا لأَقْرَأَ لَكُمُ الْمَقْطَعَ الَذِي نَجِدُهُ فِي الأَصْحَاحِ 2 مِنْ سِفْرِ أَعْمَالِ الرُسُلِ، حَيْثُ نَجِدُ هُنَا نَصًّا لِعِظَةِ بُطْرُسَ فِي يَوْمِ الْخَمْسِينَ، وَنَقْرَأُ فِي الآيَةِ 22 تِلْكَ الْكَلِمَاتِ عَلَى لِسَانِ الرَسُولِ بُطْرُسَ، اسْمَعُوا جَيِّدًا: أَيُّهَا الرِّجَالُ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هَذِهِ الْأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ. هَذَا..." – اسْمَعُوا، أَيْ يَسُوعُ، "أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضًا أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ".

يَنْتَهِرُ بُطْرُسُ بِشِدَّةٍ مُعَاصِرِيهِ، لِأَيِّ سَبَبٍ؟ بِسَبَبِ قَتْلِهِمْ يَسُوعَ. بالرَغْمِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَثْبَتَ هُوِيَّةَ الْمَسِيحِ مِنْ خِلَالِ مُعْجِزَاتِهِ، إِلَّا أَنَّ شَعْبَهُ قَتَلَهُ. وَبُطْرُسُ لَا يُعْفِي هَؤُلَاءِ أَبَدًا مِنْ تَوَاطُئِهِمْ وَمِنْ مَسْؤُولِيَّتِهِمْ عَنْ مَوْتِ الْمَسِيحِ، لِأَنَّهُ عَلَى أَيْدِي بَشَرٍ أُسْلِمَ يَسُوعُ إِلَى بِيلَاطُسَ، وَمِنْ خِلَالِ بَشَرٍ تَمَّ الْحُكْمُ عَلَى يَسُوعَ بِالْمَوْتِ، وَعَلَى أَيْدِي بَشَرٍ تَمَّ صَلْبُهُ. لَكِنَّ بُطْرُسَ قَالَ إِنَّ جَمِيعَ تِلْكَ الْأُمُورِ لَمْ تَحْدُثْ بِمُوجَبِ مُقْتَضَيَاتِ التَارِيخِ الْبَشَرِيِّ، لَكِنَّهَا حَدَثَتْ وَفْقًا لِلتَدْبِيرِ الْمُحَدَّدِ لِلَّهِ الْقَدِيرِ. وَقَبْلَ أَنْ يَمَسَّ أَحَدٌ يَسُوعَ حِينَ قَصَدَ بُسْتَانَ جَثْسَيْمَانِي، كَانَ يَسُوعُ وَاعِيًا تَمَامًا لِدَعْوَتِهِ. فَهُوَ كَانَ قَدْ قَالَ لِتَلَامِيذِهِ قَبْلَ بِضْعَةِ أَيَّامٍ إِنَّهُ سَيَذْهَبُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَسَيُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْأَشْرَارِ، وَسَيُضْرَبُ وَيُقْتَلُ. وَحِينَ ذَهَبَ وَحْدَهُ إِلَى بُسْتَانِ جَثْسَيْمَانِي، وَبَدَأَ عَرَقُهُ يَتَصَبَّبُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ وَهُوَ يُصَلِّي، تَوَسَّلَ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُغَيِّرَ مُخَطَّطَهُ، لِأَنَّ يَسُوعَ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ هُوَ مَنْ حَدَّدَ تِلْكَ الْأُمُورَ. وَحِينَ أَعْلَنَ الْمَلَاكُ لِمَرْيَمَ أَنَّها حُبْلَى بِيَسُوعَ، وَتَمَّ أَخْذُ يَسُوعَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ إِلَى الْهَيْكَلِ لِتَكْرِيسِهِ، أَعْلَنَ النَبِيُّ أَنَّ "هَذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ"، وَأَنَّ سَيْفًا سَيَجُوزُ فِي نَفْسِ مَرْيَمَ. قَبْلَ سَنَوَاتٍ مِنْ مَوْتِ يَسُوعَ، أَعْلَنَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ يَعْتَزِمُ فِي مُخَطَّطِهِ أَنْ يَمُوتَ يَسُوعُ، وَأَنْ يَمُوتَ عَلَى أَيْدِي الْأَشْرَارِ. وَهَا هُوَ اللهُ يَقُودُ مُخَطَّطَهُ وَيُتَمِّمُ مَشِيئَتَهُ مِنْ خِلالِ الْعِنَايَةِ الإِلَهِيَّةِ الَتِي تَعْمَلُ مِنْ خِلالِ وَسَاطَةٍ بَشَرِيَّةٍ، مَعَ الْحِرْصِ عَلَى عَدَمِ إِلْغَاءِ إِرَادَةِ الْمُشَارِكِينَ أَوْ مَسْؤُولِيَّتِهِمْ.

تَذْكُرُونَ أَنَّ أَوْضَحَ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ وَرَدَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، الَذِي، وَبِسَبَبِ غَيْرَةِ إِخْوَتِهِ وَحَسَدِهِمْ، تَمَّ بَيْعُهُ عَبْدًا نَتِيجَةَ غَدْرِ إِخْوَتِهِ لَهُ. وَكَيْفَ تَمَّ بَيْعُ يُوسُفَ عَبْدًا لِفُوطِيفَارَ، ثُمَّ اتَّهَمَتْهُ زَوْجَتُهُ زُورًا بِالِاعْتِدَاءِ عَلَيْهَا، فَتَمَّ زَجُّ يُوسُفَ فِي السِجْنِ حَيْثُ قَبَعَ لِسَنَوَاتٍ عِدَّةٍ. وَكَيْفَ أَنَّهُ فِي نِهَايَةِ تِلْكَ الْقِصَّةِ نَقْرَأُ أَنَّ اللَّهَ ضَرَبَ الْأَرْضَ بِمَجَاعَةٍ، وَكَانَ النَاسُ يَتَضَوَّرُونَ جُوعًا، فَأَرْسَلَ يَعْقُوبُ أَبْنَاءَهُ إِلَى مِصْرَ، إِلَى الْمَخَازِنِ الَتِي كَانَ يُوسُفُ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى إِعْدَادِهَا بَعْدَ أَنْ عَلَا شَأْنُهُ وَأَصْبَحَ رَئِيسَ الْوُزَرَاءِ فِي مِصْرَ. وَنُصَادِفُ تِلْكَ اللَحْظَةَ الْمُؤَثِّرَةَ حِينَ حَدَثَ لِقَاءٌ وَجَمْعُ شَمْلٍ بَيْنَ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ، حِينَ تَعَرَّفَ الْإِخْوَةُ فَجْأَةً عَلَى يُوسُفَ وَأُصِيبُوا بِالرُعْبِ. قَالُوا "إِنَّهُ فِي مَرْكَزِ سُلْطَةٍ، وَسَوْفَ يَنْتَقِمُ مِنَّا. سَيَأْمُرُ بِقَتْلِنَا بِسَبَبِ الْخَطِيَّةِ الَتِي ارْتَكَبْنَاهَا ضِدَّهُ". وَمَاذَا قَالَ؟ "لَقَدْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، كَانَ لَدَيْكُمْ هَدَفٌ حِينَ قُمْتُمْ بِتِلْكَ الْفَعْلَةِ. لَقَدِ اخْتَرْتُمْ بِمِلْءِ إِرَادَتِكُمْ الْآثِمَةِ أَنْ تُسَلِّمُونِي إِلَى أَيْدِي التُجَّارِ الْمِدْيَانِيِّينَ، وَأَنْتُمْ مَسْؤُولُونَ عَنْ ذَلِكَ. لَكِنْ أَبْعَدَ مِنْ قَرَارَاتِكُمْ، أَبْعَدَ وَأَعْلَى مِنْ خِيَارَاتِكُمْ، تُوجَدُ سِيَادَةُ اللَّهِ وَعِنَايَتُهُ"، لِأَنَّ يُوسُفَ قَالَ: "أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا".

كَمَا تَرَوْنَ أَنَّهُ حَتَّى وَسَطَ قَرَارَاتِكُمُ الشِرِّيرَةِ، كَانَ اللهُ يَعْمَلُ عَلَى تَتْمِيمِ مَشُورَتِهِ الْكَامِلَةِ فِي التَارِيخِ الْبَشَرِيِّ. هَذَا مَا نُؤْمِنُ بِهِ إِنْ كُنَّا مَسِيحِيِّينَ، هَذِهِ وُجْهَةُ نَظَرِنَا عَنِ الْحَيَاةِ: الإِيمَانُ بِالْعِنَايَةِ الإِلَهِيَّةِ الَتِي تَحْكُمُ التَارِيخَ الْبَشَرِيَّ. هُوَ لا يَحْكُمُ مَسَارَاتِ الْكَوَاكِبِ وَدَوَرانِهَا وَمَدَارَاتِهَا فَحَسْبُ، لَكِنَّهُ سَيِّدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. وَهَذِهِ الْفِكْرَةُ تُحَدِّدُ فَهْمَنَا الْكَامِلَ لِلْحَياةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَفَهْمَنا الْكَامِلَ للاقْتِصَادِيَّاتِ، وَفَهْمَنَا الْكَامِلَ لِلْحُكُومَةِ، وَفَهْمَنَا الْكَامِلَ لِلتَعْلِيمِ. وَهَذَا الْمَفْهُومُ مُتَضَارِبٌ مَعَ كُلِّ مَفْهُومٍ وَكُلِّ فَلْسَفَةٍ فِي التَارِيخِ الْبَشَرِيِّ تُنْكِرُ سِيَادَةَ اللهِ عَلَى الْحَياةِ الْبَشَرِيَّةِ. هَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ اللهَ سَيِّدٌ عَلَى الْمَأْسَاةِ؟ أَجَلْ. وَمَوْضُوعُ الْمَأْسَاةِ بِرُمَّتِهِ الَتِي يَبْدُو أَنَّها تُشَكِّلُ خَلَلًا فِي سِجِلِّ عِنَايَةِ اللهِ الْكَامِلَةِ، هِيَ الأَمْرُ الَذِي سَنَتَطَرَّقُ لَهُ فِي مُحَاضَرَتِنَا الْمُقْبِلَةِ.