المحاضرة 1: حرب الأفكار

السؤال الذي أريد معالجته في محاضرتنا الأولى اليوم هو: ما الأمر الذي يؤدي إلى نشوب حروب كهذه؟ حين نلقي نظرة على تاريخ الماضي، يقول المؤرخون إن الحرب العالمية الأولى تسبَّب بها اغتيال أمير من أمراء الأسرة الإمبراطورية في البلقان، والحرب العالمية الثانية – على الأقل تدخّل الولايات المتحدة فيها – تسبّب به هجوم غادر على بيرل هاربور؛ حتى إنه يمكننا الرجوع إلى وقت سابق في تاريخنا إلى الهجوم المدفعي على فورت سمتر، الذي أحدث الصراع المعروف بالحرب الأهلية. وحتى قبل ذلك، يمكننا العودة إلى إطلاق النار المسموع حول العالم، وقد أطلقه أحد الأعضاء الوطنيين في جنود الاستقلال في ولاية ماساتشوستس، ما أدى إلى اندلاع الحرب الثورية. لكن هذه الحرب طبعًا، تسبّب بها، ظاهريًا على الأقل، الهجوم الإرهابي على مركز التجارة العالمي في نيويورك وعلى البنتاغون في واشنطن العاصمة.

لكن هنا يركّز المؤرخ على الاستفزازات التاريخية والأسباب المادية للحرب. لكن المكان الذي تبدأ فيه الحروب فعليًا، أيها الأحباء، هو الذهن. الحرب المادية هي نتيجة مباشرة للصراع الذي يبدأ في الذهن، صراع الأفكار. تم شن معارك عدة لأن الشعوب كانوا يختلفون اختلافًا جذريًا حول نوع الحكومة التي يجب أن تكون لديهم، وكيفية تركيب هذه الحكومة، وكيفية عمل هذه الحكومة. إذًا، ولّدت الأيديولوجية السياسية صراعًا ماديًا فعليًا. وفي مناسبات أخرى، نتجت الحرب عن كيفية القيام بالتدقيقات الاقتصادية، وكيفية القيام بالنشاط التجاري، أو كيفية الحفاظ على أساليب التعبير الدينية أو قمعها في بعض الحالات. نحن نعي حتمًا أنه في القرن العشرين، تم التوصل إلى زج ملياري شخص كانوا في السجن وراء ما وصفه وينستون شيرشيل بالستار الحديدي، ونتج ذلك أساسًا عن التأملات الفلسفية لكارل ماركس. إذًا، تبدأ هذه الصراعات مع أفكار في الذهن.

حين نتكلم عن صراع الأفكار، فما نتكلم عنه هنا هو تصادم بين الرؤى الكونية. وحين نستخدم هذا المصطلح "الرؤية الكونية"، فإننا نصف كيفية فهم الشعوب لمكانتهم، وأهميتهم، ومعناهم، ومكانتهم على هذا الكوكب. أحيانًا نشير إلى الأمر على أنه رؤية حياتية وكونية، حيث توجد أساسًا ثلاث مكوّنات تشكل رؤية أحدهم الحياتية: هناك فهم الله، وفهم الإنسان، وأيضًا فهم الأرض أو العالم؛ ما يحمل في طياته فهمًا للعلاقة بين الله والإنسان، وبين الإنسان وهذا العالم، وبين هذا العالم والله. هذه هي الطرق المختلفة التي نفهم بها حياتنا على هذا الكوكب.

منذ الهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك، وعلى البنتاغون في واشنطن، برزت مناقشات عامة كثيرة حول دور الله في حياتنا، وشهدنا تجاوبًا لم يسبق له مثيل للشعب الأميركي مع الصلاة والعبادة العلنية. سنتكلم أكثر عن أهمية ذلك في المحاضرة الثانية، حين نتطرق إلى الفهم المعاصر والحالي للعناية الإلهية، وكيف أن سيادة الله تمتد فوق مسائل الحياة البشرية اليومية. لكن بينما شهدنا هذا التعبير المذهل عن الاهتمام المتجدّد بالله، واندفاع الناس أفواجًا إلى اجتماعات العبادة، شهدنا أيضًا، على الجانب السلبي، ظهورًا للتوفيق بين المعتقدات لدى الأميركيين. والتوفيق بين المعتقدات لدى الأميركيين هو ذلك المبدأ الذي يتم الافتراض من خلاله أنه على الرغم من أن لدى الشعوب ديانات مختلفة، وخلفيات دينية مختلفة. في الولايات المتحدة، يتمتع الشعب، بموجب التعديل الأول للقانون، بحرية ممارسة المعتقد. ونحن نفتخر بحرية المعتقد هذه في بلادنا، لأنها تعلّم وتصف المبدأ الذي يفيد بأن جميع الديانات تحظى بقدر متساوٍ من الحماية تحت غطاء القانون، والقانون المدني في الولايات المتحدة الأميركية يمنح حرية المعتقد للبوذيين، والهندوسيين، والمسلمين واليهود، والمسيحيين، والبروتستانتيين، والكاثوليكيين، ومعتنقي المذاهب الدينية المختلفة.

وعقب هذه الضمانة لحرية المعتقد، برزت الفكرة الراسخة بعمق في الثقافة الأميركية، والتي تفيد بأنه بما أن جميع الديانات متساوية من حيث حماية القانون لها، فبالتالي، جميع الديانات في نهاية المطاف صالحة بالتساوي. وقد شهدنا اجتماعات عبادة عديدة على صعيد المجتمع أظهرت ممثلين من الكاثوليكية، والبروتستانتية، والإسلام، واليهودية، وعدد من الديانات المختلفة، ويطلعنا معلّقو الأخبار مرارًا وتكرارًا على مدى روعة اجتماع أناس من جماعات دينية مختلفة ليصلّوا أن يفيض الله برحمته على أمتنا. وفي النهاية، نحن نؤمن جميعًا بالإله نفسه. ورغم أننا نصلي ونمارس نشاطاتنا الدينية بطرق مختلفة قليلًا، وأننا نتحدّر من خلفيات دينية مختلفة، في الأساس، في الجذور، نحن نصلي جميعًا للإله نفسه ونؤمن بالأمر نفسه. هذه إحدى عواقب الديانة العامة لدى الأميركيين.

لكن إن درس أحدهم بجدية ديانات العالم كافة، فإن مجرد نظرة عابرة على مضمون ديانات العالم تظهر وجود اختلافات جذرية بين الديانات المختلفة. شاهدتُ مؤخرًا برنامجًا تلفزيونيًا يعرض حديثًا بين مسيحي بروتستانتي وحاخام يهودي. وفي معرض الحديث، قال المحاور إن النظرتين أساسًا، وفي نهاية المطاف، تؤمنان أساسًا بالأمر نفسه. فوجدتُ الأمر غريبًا. من المؤكد أن الأمر يصون السلام ويحافظ على الوحدة الأميركية، لكن ألا يوجد فرق بين التأكيد على أن يسوع الناصري هو مسيح إسرائيل الموعود به والمنتظر طويلًا؟ أيعقل أن يكون يسوع في الوقت نفسه المسيح الحقيقي وفادي شعبه، وألا يكون المسيح بل مجرد معلم كذاب يدّعي أنه المسيح. لا يمكن لهاتين النظرتين أن تكونا صحيحتين معًا، ولا يمكن التوفيق بينهما. لا يمكننا أن نقول إن اليهودية والمسيحية متطابقتان أساسًا، إلا إذا كنا نجهل تمامًا المكانة الأساسية ليسوع في الإيمان المسيحي، حيث أن التأكيد الأول في المسيحية هو التأكيد على أن يسوع هو المسيح. لكن هذا تمييز يميز بين ديانتين عظميين، والفرق واضح جدًا.

لكن ماذا عن القول إننا نؤمن جميعًا بالإله نفسه؟ أكرر، إن درستَ المفهوم المسيحي لله وقابلته مثلًا بالمفهوم البوذي لله، فإنك تجد فرقًا جذريًا في فهم الاثنين للاهوت. إن وضعت المفهوم المسيحي لله مقابل عقيدة المفهوم الإسلامي لله، فإنك ترى أن أب الرب يسوع المسيح يملك قواسم مشتركة ضئيلة جدًا مع المفهوم الإسلامي لله. لكن ماذا عن اليهودية والمسيحية المنبثقتين من الكتاب المقدس؟ من المؤكد أنهما تعبدان الإله نفسه. لا، هذا غير صحيح. كان هذا محور جدال يسوع مع السلطات اليهودية في أيامه. أيها الأحباء، في قلب الحياة والرؤية الكونية المسيحيتين يكمن مفهوم لله يفيد بأن الأمر الجوهري في المسيحية هو فكرة كون الله ثالوثًا. وإن كان يوجد أمر ترفضه اليهودية التقليدية رفضًا قاطعًا، فهو فكرة الثالوث. إذًا، كيف يمكن لإنسان عقلانيّ أن يقول إننا نعبد الإله نفسه؟ في حين أننا نتبنى مفهومين متضاربين لله، ومفهومك لله هو المكوّن أو العنصر الأهم لكيفية فهمك للإنسان، وكيفية فهمك للعالم. إذًا، أنا أقول إن العنصر الأهم لبناء رؤية حياتية، أعني رؤية حياتية وكونية، هو فهمك لطبيعة الله.

مجددًا، دعوني أكرر ذلك، لأن ما أقوله يتعارض تمامًا مع الرأي العام، ما أقوله هنا مغلوط جذريًا وسياسيًا، لأن الدين المدني الأميركي يعلّم حقيقة بديهية رئيسية، وهي أن الديانات كلها متشابهة وأن الكل يعبد الإله نفسه، لكن المسيحية تعارض ذلك. نحن لا نعبد الإله نفسه، يوجد فرق جذري بين مختلف النظرات الدينية المتنافسة.

فلنرجع قليلًا إلى صفحات العهد القديم. فكروا في اختبار شعب إسرائيل الذين دخلوا في علاقة عهد مميزة مع إلههم يهوه، والذين اعتنقوا الإيمان بإله واحد، لكن أينما تعاطوا مع جيرانهم كانوا يقعون دائمًا في مشكلة التوفيق بين المعتقدات، أي أنهم كانوا يقتبسون عناصر من الديانات الوثنية المحيطة بهم. وبفعلهم ذلك، كانوا ينتهكون الوصية الأولى التي أعطاها الله لإسرائيل من خلال موسى. وما هو مفاد الوصية الأولى؟ "لَا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي". ما من أمر أكثر مناهضة للأميركية من تبني مفهوم حصري لله، لكن، ما من أمر أكثر جوهرية للمفهوم الكتابي للإيمان بإله واحد من تفرّد إله السماء والأرض.

أيمكنك أن تتخيل دخول النبي إيليا في منافسة مع كهنة البعل، وبعد تلك المنافسة الكبيرة على جبل الكرمل تتم استضافته في مقابلة أمام وسائل الإعلام التي كانت تراقب المنافسة بين كهنة البعل وإيليا الذي يمثل أمة إسرائيل، ثم يتكلم إيليا عبر الميكروفون قائلًا: "في نهاية المطاف، أنا وأنبياء البعل نعبد الإله نفسه. لدينا فعلًا الإيمان نفسه، لكن الممارسة تختلف. نحن لا نمارس النشاط الديني نفسه، وتوجد عناصر في ديانة البعل مختلفة عن العناصر في ديانة إسرائيل، وبالطبع، إله إسرائيل لا يمانع، في الواقع، إنه يتمجّد حين نحتفل بوحدة معتقدنا". أيمكنك أن تتخيل أمرًا دخيلًا على تعليم الكتاب المقدس أكثر من هذا الأمر؟ في الواقع، قال علماء الكتاب المقدس إن أكبر ضعف أدى إلى تدمير الأمة اليهودية في العهد القديم لم يكن ضعفًا عسكريً، بل ضعفًا لاهوتيًا. مجددًا، ما أوقع شعب إسرائيل في ورطة مع الله مرارًا عدة كان مزجهم وخلطهم للإيمان الذي منحه الله بالديانة الوثنية.

إن ألقينا نظرة على رسالة رومية التي كتبها بولس، فإننا نرى في الفصل الأول أن الخطية الأساسية التي تحدد كل خطية بشرية لاحقة هي الميل البشري إلى عبادة الأوثان، وإلى تشويه مفهوم الله. ولا ينطبق الأمر على الديانة الوثنية فحسب، لكن يمكن للمسيحيين أن يقعوا في عبادة الوثن حين يشوهون إعلان الكتاب المقدس لشخص الله.

إذًا، لا يمكننا الافتراض في بداية بنية الحياة والرؤية الكونية أن الكل يؤمن بالإله نفسه، لأن هذا غير صحيح. في الواقع، وفق الكتاب المقدس، قلة هم الذين يتبنون مفهومًا كتابيًا وسليمًا لشخص الله. وأنا لا أسأل ما إذا كان الجميع في العالم يتبعون الإله الحقيقي، لكن هل أتبعه أنا؟ هل أنا ثابت على مبدأ في تفكيري وحياتي مع الله؟ وكما ذكرت، لكيفية فهمنا لله تأثير عميق على كيفية فهمنا لأنفسنا. إن كان صحيحًا، كما تؤكد اليهودية المسيحية، أننا مخلوقون على صورة الله، إن كان لدينا فهم خاطئ للنموذج الأصلي، فبالتالي، سنسيئ فهم النمط المبني عليه ونشوهه. إذًا، إن كنا نجهل هوية الله، فكيف يمكننا أن نفهم معنى كوننا على صورته؟

أحد الأمور التي أشعر بالامتنان لأجلها نتيجة المأساة التي أصابت الولايات المتحدة خلال الهجوم المتطرّف ضد مجتمعنا، هو ما أشاهده على التلفاز، كما أعلنت في اليوم الأول من هذه المأساة في 11 سبتمبر في العام 2001، حين رحت أراقب المباني وهي تنفجر، قلت "هنا، نصل في التاريخ الأميركي إلى نهاية النسبية الأخلاقية". هذه ضربة قاضية للنسبية، لأن رد فعل الأميركيين، ورد فعل الشعب حول العالم بعد النظر إلى هذا الهجوم الشنيع على الحياة البشرية جاء بالقول "هذا شرير والكل يعرف ذلك". مؤخرًا، أكّدت وسيلة إخبارية وطنية على الأمر نفسه، حيث كان عنوان النشرة على الشاشة خلال النشرة "نهاية النسبية الأخلاقية". قلت "أرجو أن يتذكر الناس ذلك". لأنه لا يمكن أن يكون لك لقاء مروّع مماثل مع الشر الخالص وأن تمضي قائلًا "إنه أمر نسبي". نرى هنا الشر المطلق لهذا النوع من الهجوم على الحياة البشرية.

لكن إلى جانب ذلك الهجوم، رأينا أيضًا مع انفجار تلك المباني النهاية العملية للتطور الكبير كنظرية محدِّدة للأجناس البشرية. من يؤمن فعلًا بأن الإنسان جرثومة كبيرة؟ من يؤمن بعد بأننا لسنا سوى حوادث كونية منبثقة صدفة من الطي وآيلة إلى الفناء؟ إن كنت تؤمن فعلًا بذلك، فعندما ترى صورًا لآلاف الأشخاص يهلكون نتيجة عمل عنف وإرهاب، فيجب أن يجعلك الأمر تتثاءب، لأن دمار جراثيم كبيرة ليست لها أهمية أبدية، في نهاية المطاف، ليس أهم من الخروج إلى فناء منزلك واستعمال قنبلة لتفجير كثيب نمال مليء بالنمل الناري. لكن كل إنسان في أميركا يعلم أنه ليس نملة نارية، كل إنسان على هذا الكوكب يعلم أنه ليس جرثومة. نحن نعلم جميعًا أن الحياة البشرية مقدسة، وأن الحياة البشرية مجدية، ولا يمكن أن يكون ذلك إن لم يكن يوجد هدف من الوجود البشري.

أيها الأحباء، نحن نعرف جميعًا ما أدركه داستي أيفسكي، وهو أنه لولا وجود الله، لا يوجد هدف من الوجود البشري، ولَكُنّا، كما قال جان بول سارتر، ليس أكثر من عاطفة غير مجدية لو لم يكن الله موجودًا. لكن إن فهمت وجود الله، وربطت الوجود البشري بوجود الله في حياتك ورؤيتك الكونية، عندئذٍ تعلم أن الحياة البشرية مقدسة، وتعلم أنها مهمة، وهي مهمة في نهاية المطاف، إن كنت تجول مفجرًا الناس كما قُتل هؤلاء في مركز التجارة العالمي في نيويورك.

أخيرًا، المبدأ الثالث للرؤية الكونية هو كيفية تواصل الله مع هذا الكوكب. هكذا يتواصل الله مع الطبيعة. في عصرنا، نميل إلى رؤية الطبيعة على أنها تعمل بشكل مستقل عن أي حكم لله، وإن غاب أمر ما عن مفرداتنا إلى حين وقوع هذه المآسي، فهو مفهوم العناية الإلهية، لأن المسيحية تؤكد على أننا بالله نحيا ونوجد ونتحرك. لا يمكن لشيء أن يتحرك، ولا يمكن لشيء أن يحيا، ولا يمكن لشيء أن يكون بمعزل عن قوة الله. وإن فصلت مفهوم الله هذا عن المعادلة، فعندئذٍ ترى كونًا يعمل وفق قوانينه الداخلية الثابتة، ويحلّ العالم مكان الكاهن كوسيط للوجود البشري وللمعنى البشري. إذًا، فهمك لله وفهمك للبشرية يؤديان لا محالة إلى فهمك للطبيعة نفسها. وسنتطرق إلى هذا الموضوع في محاضرتنا المقبلة.