المحاضرة 1: حَرْبُ الأَفْكَارِ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 1: حَرْبُ الأَفْكَارِ

فِي هَذِهِ اللَحْظَةِ تَحْدِيدًا الَتي أَتَحَدَّثُ فِيهَا، الْوِلَايَاتُ الْمُتَّحِدَةُ الْأَمْرِيكِيَّةُ فِي حَالَةِ حَرْبٍ. وَمِنَ الْمُحْتَمَلِ جِدًّا أَنَّهُ عِنْدَمَا تَسْمَعُ هَذِهِ السِلْسِلَةَ مِنَ الْمُحَاضَرَاتِ أَوْ تُشَاهِدُهَا عَلَى شَاشَةِ التِلْفَازِ، فَإِنَّ الْحَرْبَ سَتَكُونُ قَدِ انْتَهَتْ بِحُلُولِ ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَآمُلُ بِالتَأْكِيدِ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْحَالُ. لَكِنَّ رَئِيسَ الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ أَخْبَرَنَا مُؤَخَّرًا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَوَقُّعُ جُهْدٍ كَبِيرٍ وَطَوِيلِ الْأَمَدِ، لِأَنَّنَا مُنْخَرِطُونَ فِي نَوْعٍ غَيْرِ عَادِيٍّ مِنَ الْحُرُوبِ. لَقَدْ قِيلَ لَنَا مِرَارًا وَتَكْرَارًا إِنَّ الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةَ لَيْسَتْ مُتَوَرِّطَةً فِي حَرْبٍ تَقْلِيدِيَّةٍ ضِدَّ دَوْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ ضِدَّ مَجْمُوعَةٍ عِرْقِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَلَا ضِدَّ دِينٍ مُعَيَّنٍ وَأَتْبَاعِ هَذَا الدِينِ، وَلَكِنْ تَمَّ تَحْدِيدُ هَذِهِ الْحَرْبِ عَلَى أَنَّهَا ضِدُّ الْإِرْهَابِ.

السُؤَالُ الَذِي أُرِيدَ مُنَاقَشَتَهُ فِي مُحَاضَرَتِنَا الْأُولَى الْيَوْمَ هُوَ: مَا الْأَمْرُ الَذِي يُؤَدِّي إِلَى نُشُوبِ حُرُوبٍ كَهَذِهِ؟ حِينَ نُلْقِي نَظْرَةً عَلَى التارِيخِ الْمَاضِي، يَقُولُ الْمُؤَرِّخُونَ إِنَّ الْحَرْبَ الْعَالَمِيَّةَ الْأُولَى تَسَبَّبَ بِهَا اغْتِيَالُ دُوقٍ مِنْ قِيَادَاتِ الْأُسْرَةِ الْمَالِكَةِ فِي الْبَلْقَانِ، وَالْحَرْبَ الْعَالَمِيَّةَ الثانِيَةَ – عَلَى الْأَقَلِّ دُخُولُ الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ فِيهَا – تَسَبَّبَ بِهَا هُجُومٌ غَادِرٌ عَلَى بِيرْلْ هَارْبَرْ. حَتَّى إِنَّهُ يُمْكِنُنَا الرُجُوعُ إِلَى وَقْتٍ سَابِقٍ فِي التارِيخِ إِلَى الْهُجُومِ الْمِدْفَعِيِّ عَلَى فُورْتْ سَمْتَرْ، الَذِي أَحْدَثَ الصِرَاعَ الْمَعْرُوفَ بِالْحَرْبِ الْأَهْلِيَّةِ. وَحَتَّى قَبْلَ ذَلِكَ، يُمْكِنُنَا الْعَوْدَةُ إِلَى إِطْلَاقِ النارِ الْمَسْمُوعِ حَوْلَ الْعَالَمِ، وَقَدْ أَطْلَقَهُ أَحَدُ الْأَشْخَاصِ الْوَطَنِيِّينَ عَلَى جُنُودِ الِاسْتِقْلَالِ فِي وِلَايَةِ مَاسَاتْشُوسِتْسْ، مِمَّا أَدَّى إِلَى انْدِلَاعِ الْحَرْبِ الثوْرِيَّةِ. ثُمَّ هُنَاكَ الْحَرْبُ عَلَى الْإِرْهَابِ، التي تَسَبّبَ بِهَا، ظَاهِرِيًّا عَلَى الْأَقَلِّ، الْهُجُومُ الْإِرْهَابِيُّ عَلَى مَرْكَزِ التجَارَةِ الْعَالَمِيِّ فِي نْيُويُورْكْ وَعَلَى الْبِنْتَاجُونْ فِي وَاشِنْطُنْ الْعَاصِمَةِ.

لَكِنْ هُنَا يُرَكِّزُ الْمُؤَرِّخُ عَلَى الِاسْتِفْزَازَاتِ التَارِيخِيَّةِ وَالْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ لِلْحَرْبِ. إِلَّا أَنَّ الْمَكَانَ الَذِي تَبْدَأُ فِيهِ الْحُرُوبُ فِعْلِيًّا، أَيُّهَا الْأَحِبَّاءُ، هُوَ الذِهْنُ. الْحَرْبُ الْمَادِّيَّةُ هِيَ نَتِيجَةٌ مُبَاشِرَةٌ لِلصِرَاعِ الذي يَبْدَأُ فِي الذِهْنِ، صِرَاعِ الْأَفْكَارِ. تَمَّ شَنُّ حُرُوبٍ عَدِيدَةٍ لِأَنَّ الشعُوبَ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ اخْتِلَافًا جَذْرِيًّا حَوْلَ نَوْعِ الْحُكُومَةِ الَتِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لَدَيْهِمْ، وَكَيْفِيَّةِ هَيْكَلَةِ هَذِهِ الْحُكُومَةِ، وَكَيْفِيَّةِ عَمَلِ هَذِهِ الْحُكُومَةِ. إِذًا، وَلَّدَتِ الْأَيْدِيُولُوجِيَّةُ السِيَاسِيَّةُ صِرَاعًا مَادِّيًّا فِعْلِيًّا. وَفِي مُنَاسَبَاتٍ أُخْرَى، نَتَجَتِ الْحَرْبُ بِسَبَبِ اعْتِبَارَاتٍ اقْتِصَادِيَّةٍ، وَكَيْفِيَّةِ الْقِيَامِ بِالنشَاطِ التِجَارِيِّ، أَوْ كَيْفِيَّةِ الْحِفَاظِ عَلَى أَسَالِيبِ التَعْبِيرِ الدِينِيَّةِ أَوْ قَمْعِهَا فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ. نَحْنُ نَعِي حَتْمًا أَنَّهُ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى زَجِّ مِلْيَارَيْ شَخْصٍ فِي السِجْنِ كَانُوا وَرَاءَ مَا وَصَفَهُ وَنِسْتُونْ تِشِرْشِلْ بِالسِتَارِ الْحَدِيدِيِّ. وَنَتَجَ ذَلِكَ أَسَاسًا عَنِ الْآرَاءِ الْفَلْسَفِيَّةِ لِكَارْلْ مَارْكِسْ. إِذًا، تَبْدَأُ هَذِهِ الصِرَاعَاتُ مَعَ أَفْكَارٍ فِي الذِهْنِ.

حِينَ نَتَكَلَّمُ عَنْ صِرَاعِ الْأَفْكَارِ، فَمَا نَتَكَلَّمُ عَنْهُ هُنَا هُوَ تَصَادُمٌ بَيْنَ وُجْهَاتِ النَظَرِ الْمُخْتَلِفَةِ عَنِ الْحَيَاةِ. وَحِينَ نَسْتَخْدِمُ مُصْطَلَحَ "وُجْهَةِ النَظَرِ عَنِ الْحَيَاةِ"، فَإِنَّنَا نَصِفُ كَيْفِيَّةَ فَهْمِ الشُعُوبِ لِوَضْعِهِمْ، وَأَهَمِّيَّتِهِمْ، وَمَعْنَاهُمْ، وَمَكَانَتِهِمْ عَلَى هَذَا الْكَوْكَبِ. أَحْيَانًا نُشِيرُ إِلَى الْأَمْرِ عَلَى أَنَّهُ وُجْهَةُ نَظَرٍ عَنِ الْحَيَاةِ وَعَنِ الْعَالَمِ، حَيْثُ تُوجَدُ أَسَاسًا ثَلَاثُ مُكَوِّنَاتٍ تُشَكِّلُ وُجْهَةَ نَظَرِ الْمَرْءِ عَنِ الْحَيَاةِ: هُنَاكَ فَهْمُ اللهِ، وَفَهْمُ الْإِنْسَانِ، وَأَيْضًا فَهْمُ الْأَرْضِ أَوِ الْعَالَمِ؛ مَا يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ فَهْمًا لِلْعَلَاقَةِ بَيْنَ اللهِ وَالْإِنْسَانِ، وَبَيْنَ الْإِنْسَانِ وَهَذَا الْعَالَمِ، وَبَيْنَ هَذَا الْعَالَمِ وَاللهِ. وَهَذِهِ هِيَ الطرُقُ الْمُخْتَلِفَةُ التي نَفْهَمُ بِهَا حَيَاتَنَا عَلَى هَذَا الْكَوْكَبِ.

مُنْذُ الْهُجُومِ عَلَى مَرْكَزِ التجَارَةِ الْعَالَمِيِّ فِي نْيُويُورْكْ، وَعَلَى الْبِنْتَاجُونْ فِي وَاشِنْطُنْ، اُثِيَرَتْ مُنَاقَشَاتٌ عَامَّةٌ كَثِيرَةٌ حَوْلَ دَوْرِ اللهِ فِي حَيَاتِنَا، وَشَهِدْنَا تَجَاوُبًا لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مَثِيلٌ لِلشَعْبِ الْأَمْرِيكِيِّ مَعَ الصَلَاةِ وَالْعِبَادَةِ الْعَلَنِيَّةِ. سَنَتَكَلَّمُ أَكْثَرَ عَنْ أَهَمِّيَّةِ ذَلِكَ فِي الْمُحَاضَرَةِ الثانِيَةِ، حِينَ نَتَطَرَّقُ إِلَى الْفَهْمِ الْمُعَاصِرِ وَالْحَالِيِّ لِلْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَكَيْفَ أَنَّ سِيَادَةَ اللهِ تَمْتَدُّ فَوْقَ مَسَائِلِ الْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ الْيَوْمِيَّةِ. لَكِنْ بَيْنَمَا شَهِدْنَا هَذَا التعْبِيرَ الْمُذْهِلَ عَنِ الِاهْتِمَامِ الْمُتَجَدّدِ بِاللهِ، وَانْدِفَاعِ النَاسِ أَفْوَاجًا إِلَى اجْتِمَاعَاتِ الْعِبَادَةِ، شَهِدْنَا أَيْضًا، عَلَى الْجَانِبِ السَلْبِيِّ، ظُهُورًا لِلتَوْفِيقِ بَيْنَ الْمُعْتَقَدَاتِ لَدَى الْأَمْرِيكِيِّينَ. وَالتَوْفِيقُ بَيْنَ الْمُعْتَقَدَاتِ لَدَى الْأَمْرِيكِيِّينَ هُوَ ذَلِكَ الْمَبْدَأُ الذي يَتِمُّ الِافْتِرَاضُ مِنْ خِلَالِهِ أَنَّهُ عَلَى الرَغْمِ مِنْ أَنَّ لَدَى الشُعُوبِ دِيَانَاتٍ مُخْتَلِفَةً، وَخَلْفِيَّاتٍ دِينِيَّةً مُخْتَلِفَةً، فَإِنَّ فِي الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ، يَتَمَتَّعُ كُلُّ الشَعْبِ، بِمُوجَبِ التَعْدِيلِ الْأَوَّلِ لِلدُسْتُورِ، بِحُرِّيَّةِ مُمَارَسَةِ الْمُعْتَقَدِ. وَنَحْنُ نَفْتَخِرُ بِحُرِّيَّةِ الْمُعْتَقَدِ هَذِهِ فِي بِلَادِنَا، لِأَنَّهَا تُعَلِّمُ وَتَصِفُ الْمَبْدَأَ الَذي يُفِيدُ بِأَنَّ جَمِيعَ الدِيَانَاتِ تَحْظَى بِقَدْرٍ مُتَسَاوٍ مِنَ الْحِمَايَةِ تَحْتَ غِطَاءِ الْقَانُونِ. وَالْقَانُونُ الْمَدَنِيُّ فِي الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ يَمْنَحُ حُرِّيَّةَ الْمُعْتَقَدِ لِلْبُوذِيِّينَ، وَالْهِنْدُوسِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ، وَالْمَسِيحِيِّينَ، وَالْبْرُوتِسْتَانْتِ، وَالْكَاثُولِيكِ، وَمُعْتَنِقِي الْمَذَاهِبِ الدينِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ.

وَعَقِبَ هَذِهِ الضَمَانَةِ لِحُرِّيَّةِ الْمُعْتَقَدِ، بَرَزَتِ الْفِكْرَةُ الراسِخَةُ بِعُمْقٍ فِي الثقَافَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ، وَالتي تُفِيدُ بِأَنَّهُ بِمَا أَنَّ جَمِيعَ الدِيَانَاتِ مُتَسَاوِيَةٌ مِنْ حَيْثُ حِمَايَةُ الْقَانُونِ لَهَا، فَبِالتالِي، جَمِيعُ الدِيَانَاتِ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ صَحِيحَةٌ بِالتسَاوِي. وَقَدْ شَهِدْنَا اجْتِمَاعَاتِ عِبَادَةٍ عَدِيدَةٍ عَلَى صَعِيدِ الْمُجْتَمَعِ أَظْهَرَتْ مُمَثِّلِينَ مِنَ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، وَالْبْرُوتِسْتَانْتِيَّةِ، وَالْإِسْلَامِ، وَالْيَهُودِيَّةِ، وَعَدَدٍ مِنَ الدِيَانَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَيُطْلِعُنَا مُعَلّقُو الْأَخْبَارِ مِرَارًا وَتَكْرَارًا عَلَى مَدَى رَوْعَةِ اجْتِمَاعِ أُنَاسٍ مِنْ خَلْفِيَّاتٍ دِينِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ لِيُصَلُّوا أَنْ يُفِيضَ اللهُ بِرَحْمَتِهِ عَلَى أُمَّتِنَا. فَفِي النهَايَةِ، نَحْنُ جَمِيعًا نُؤْمِنُ بِالْإِلَهِ نَفْسِهِ. وَبالرَغْمِ مِنْ أَنَّنَا نُصَلِّي وَنُمَارِسُ أَنْشِطَتَنَا الدِينِيَّةَ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ قَلِيلًا، وَأَنَّنَا نَنْحَدِرُ مِنْ خَلْفِيَّاتٍ دِينِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَفِي الْأَسَاسِ، وَفِي الْأَصْلِ، نَحْنُ نُصَلِّي جَمِيعًا لِلْإِلَهِ نَفْسِهِ وَنُؤْمِنُ بِالْأَمْرِ نَفْسِهِ. هَذِهِ إِحْدَى عَوَاقِبِ الدِيَانَةِ الْعَامَّةِ لَدَى الْأَمْريِكِيِّينَ.

لَكِنْ إِنْ دَرَسَ أَحَدُهُمْ بِدِقَّةٍ دِيَانَاتِ الْعَالَمِ كَافَّةً، فَإِنَّ مُجَرَّدَ نَظْرَةٍ عَابِرَةٍ عَلَى مَضْمُونِ دِيَانَاتِ الْعَالَمِ تُظْهِرُ وُجُودَ اخْتِلَافَاتٍ جَذْرِيَّةٍ بَيْنَ الدِيَانَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ. شَاهَدْتُ مُؤَخَّرًا بَرْنَامَجًا تِلِفِزْيُونِيًّا يَعْرِضُ حَدِيثًا بَيْنَ مَسِيحِيٍّ بْرُوتِسْتَانْتِيٍّ وَحَاخَامٍ يَهُودِيٍّ. وَفِي مَعْرِضِ الْحَدِيثِ، قَالَ الْمُحَاوِرُ إِنَّ النَظَرَتَيْنِ أَسَاسًا، وَفِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، تُؤْمَنَانِ فِي الْأَسَاسِ بِالْأَمْرِ نَفْسِهِ. فَوَجَدْتُ الْأَمْرَ غَرِيبًا. مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ الْأَمْرَ يَصُونُ السَلَامَ وَيُحَافِظُ عَلَى الْوَحْدَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ، لَكِنْ أَلَا يُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَ التَأْكِيدِ عَلَى أَنَّ يَسُوعَ النَاصِرِيَّ هُوَ الْمَسِيَّا الْمُنْتَظَرُ وَالْمَوْعُودُ بِهِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ لِإِسْرَائِيلَ؟ أَيُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ يَسُوعُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ الْمَسِيَّا الْحَقِيقِيَّ وَفَادِي شَعْبِهِ، وَأَلَّا يَكُونَ الْمَسِيَّا بَلْ مُجَرَّدَ مُعَلِّمٍ كَذَّابٍ يَدّعِي أَنَّهُ الْمَسِيحُ. لَا يُمْكِنُ لِهَاتَيْنِ النَظْرَتَيْنِ أَنْ تَكُونَا صَحِيحَتَيْنِ مَعًا، وَلَا يُمْكِنُ التوْفِيقُ بَيْنَهُمَا. لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ إِنَّ جُذُورَ الْيَهُودِيَّةِ وَالْمَسِيحِيَّةِ مُتَطَابِقَتَانِ إِلَّا إِذَا كُنَّا نَجْهَلُ تَمَامًا الْمَكَانَةَ الْمَرْكَزِيَّةَ لِيَسُوعَ فِي الْإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ، حَيْثُ إِنَّ التأْكِيدَ الْأَوَّلَ فِي الْمَسِيحِيَّةِ هُوَ التأْكِيدُ عَلَى أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ. لَكِنَّ هَذَا تَمْيِيزٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ دِيَانَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، وَهَذَا اخْتِلَافٌ حَقِيقِيٌّ.

لَكِنْ مَاذَا عَنِ الْقَوْلِ بِأَنَّنَا نُؤْمِنُ جَمِيعًا بِالْإِلَهِ نَفْسِهِ؟ أُكَرِّرُ، إِنْ دَرَسْتَ الْمَفْهُومَ الْمَسِيحِيَّ لِلَّهِ وَقَابَلْتَهُ مَثَلًا بِالْمَفْهُومِ الْبُوذِيِّ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ تَجِدُ فَرْقًا جَذْرِيًّا فِي فَهْمِ الِاثْنَيْنِ لِلَاهُوتِ. إِنْ وَضَعْتَ الْمَفْهُومَ الْمَسِيحِيَّ لِلَّهِ مُقَابِلَ عَقِيدَةِ الْمَفْهُومِ الْإِسْلَامِيِّ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ تَرَى أَنَّ الْآبَ أَبَا رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ يَمْلِكُ قَوَاسِمَ مُشْتَرَكَةً ضَئِيلَةً جِدًّا مَعَ الْمَفْهُومِ الْإِسْلَامِيِّ لِلَّهِ. لَكِنْ مَاذَا عَنِ الْيَهُودِيَّةِ وَالْمَسِيحِيَّةِ الْمُنْبَثِقَتَيْنِ مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ؟ مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّهُمَا تَعْبُدَانِ الْإِلَهَ نَفْسَهُ. لَا، هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. كَانَ هَذَا مِحْوَرَ جِدَالِ يَسُوعَ مَعَ السُلُطَاتِ الْيَهُودِيَّةِ فِي أَيَّامِهِ. أَيُّهَا الْأَحِبَّاءُ، فِي قَلْبِ وُجْهَةِ النظَرِ الْمَسِيحِيَّةِ عَنِ الْحَيَاةِ وَالْعَالَمِ يَكْمُنُ مَفْهُومٌ لِلَّهِ يُفِيدُ بِأَنَّ الْأَمْرَ الْجَوْهَرِيَّ فِي الْمَسِيحِيَّةِ هُوَ فِكْرَةُ أَنَّ اللهَ ثَالُوثٌ. وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ أَمْرٌ تَرْفُضُهُ الْيَهُودِيَّةُ التقْلِيدِيَّةُ رَفْضًا قَاطِعًا، فَهُوَ فِكْرَةُ الثالُوثِ. إِذًا، كَيْفَ يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ عَقْلَانِيٍّ أَنْ يَقُولَ إِنَّنَا نَعْبُدُ الْإِلَهَ نَفْسَهُ فِي حِينِ أَنَّنَا نَتَبَنَّى مَفْهُومَيْنِ مُتَضَارِبَيْنِ عَنِ اللَّهِ. وَكَيْفَ تَفْهَمُ أَنَّ اللهَ هُوَ الْمُكَوِّنُ أَوِ الْعُنْصُرُ الْأَهَمُّ لِكَيْفِيَّةِ فَهْمِكَ لِلْإِنْسَانِ، وَكَيْفِيَّةِ فَهْمِكَ لِلْعَالَمِ. إِذًا، أَنَا أَقُولُ إِنَّ الْعُنْصُرَ الْأَهَمَّ لِبِنَاءِ وُجْهَةِ نَظَرٍ عَنِ الْحَيَاةِ، أَعْنِي وُجْهَةَ نَظَرٍ عَنِ الْحَيَاةِ وَالْعَالَمِ، هُوَ فَهْمُكَ لِطَبِيعَةِ اللهِ.

مَرَّةً أُخْرَى، دَعُونِي أُكَرِّرُ ذَلِكَ. لِأَنَّ مَا أَقُولُهُ يَتَعَارَضُ تَمَامًا مَعَ الرأْيِ الْعَامِّ. يُعْتَبَرُ مَا أَقُولُهُ هُنَا غَيْرَ صَحِيحٍ تَمَامًا مِنَ الناحِيَةِ السيَاسِيَّةِ، لِأَنَّ الدِينَ الْمَدَنِيَّ الْأَمْرِيكِيَّ يُعَلِّمُ حَقِيقَةً بَدِيهِيَّةً رَئِيسِيَّةً، وَهِيَ أَنَّ الديَانَاتِ كُلَّهَا مُتَشَابِهَةٌ وَأَنَّ الْكُلَّ يَعْبُدُ الْإِلَهَ نَفْسَهُ. لَكِنَّ الْمَسِيحِيَّةَ تُعَارِضُ ذَلِكَ. نَحْنُ لَا نَعْبُدُ الْإِلَهَ نَفْسَهُ، يُوجَدُ فَرْقٌ جَذْرِيٌّ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْآرَاءِ الدِينِيَّةِ الْمُتَنَافِسَةِ.

لِنَعُدْ إِلَى صَفَحَاتِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ. فَكِّرُوا فِي اخْتِبَارِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ الذينَ دَخَلُوا فِي عَلَاقَةِ عَهْدٍ مُمَيَّزَةٍ مَعَ إِلَهِهِمْ يَهْوَه، وَالَذِينَ اعْتَنَقُوا الْإِيمَانَ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ، لَكِنْ أَيْنَمَا تَعَامَلُوا مَعَ جِيرَانِهِمْ كَانُوا يَقَعُونَ دَائِمًا فِي مُشْكِلَةِ التوْفِيقِ بَيْنَ الْمُعْتَقَدَاتِ، أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعِيرُونَ عَنَاصِرَ مِنَ الدِيَانَاتِ الْوَثَنِيَّةِ الْمُحِيطَةِ بِهِمْ. وَبِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ، كَانُوا يَنْتَهِكُونَ الْوَصِيَّةَ الْأُولَى الَتِي أَعْطَاهَا اللهُ لِإِسْرَائِيلَ مِنْ خِلَالِ مُوسَى. وَمَا هُوَ مَفَادُ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى؟ "لَا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي".

مَا مِنْ أَمْرٍ أَكْثَرَ مُنَاهَضَةً لِلثَقَافَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ مِنْ تَبَنِّي مَفْهُومٍ حَصْرِيٍّ لِلَّهِ. وَلَكِنْ، مَا مِنْ أَمْرٍ أَكْثَرَ جَوْهَرِيَّةً لِلْمَفْهُومِ الْكِتَابِيِّ حَوْلَ الْإِيمَانِ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ مِنْ حَصْرِيَّةِ إِلَهِ السمَاءِ وَالْأَرْضِ. أَيُمْكِنُكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ دُخُولَ النَبِيِّ إِيلِيَّا فِي تَحَدٍّ مَعَ كَهَنَةِ الْبَعْلِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ التَحَدِّي الْكَبِيرِ عَلَى جَبَلِ الْكَرْمَلِ تَتِمُّ اسْتِضَافَتُهُ فِي مُقَابَلَةٍ أَمَامَ وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ الَتِي كَانَتْ تُرَاقِبُ هَذَا التَحَدِّيَ بَيْنَ كَهَنَةِ الْبَعْلِ وَإِيلِيَّا الَذِي يُمَثِّلُ أُمَّةَ إِسْرَائِيلَ. ثُمَّ يَتَكَلَّمُ إِيلِيَّا عَبْرَ الْمَيْكْرُوفُونِ قَائِلًا: "فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، أَنَا وَأَنْبِيَاءُ الْبَعْلِ نَعْبُدُ الْإِلَهَ نَفْسَهُ. لَدَيْنَا بِالْفِعْلِ الْإِيمَانُ نَفْسُهُ، لَكِنَّ الْمُمَارَسَةَ تَخْتَلِفُ. نَحْنُ لَا نُمَارِسُ النَشَاطَ الدينِيَّ نَفْسَهُ. تُوجَدُ عَنَاصِرُ فِي دِيَانَةِ الْبَعْلِ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ عَنَاصِرِ دِيَانَةِ إِسْرَائِيلَ. وَبِالطَبْعِ، إِلَهُ إِسْرَائِيلَ لَا يُمَانِعُ. فِي الْوَاقِعِ، هُوَ يَتَمَجَّدُ حِينَ نَحْتَفِلُ بِوَحْدَةِ مُعْتَقَدَاتِنَا".

أَيُمْكِنُكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ شَيْئًا دَخِيلًا عَلَى تَعَالِيمِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ؟ فِي الْوَاقِعِ، قَالَ عُلَمَاءُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ إِنَّ أَكْبَرَ ضَعْفٍ أَدَّى إِلَى تَدْمِيرِ الْأُمَّةِ الْيَهُودِيَّةِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ لَمْ يَكُنْ ضَعْفًا عَسْكَرِيًّا، بَلْ ضَعْفًا لَاهُوتِيًّا. مَرَّةً أُخْرَى، مَا أَوْقَعَ شَعْبَ إِسْرَائِيلَ فِي وَرْطَةٍ مَعَ اللهِ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً هُوَ مَزْجُهُمْ وَخَلْطُهُمْ لِلْإِيمَانِ الَذِي مَنَحَهُ اللهُ بِالدِيَانَةِ الْوَثَنِيَّةِ.

فِي الْوَاقِعِ، إِذَا نَظَرْنَا إِلَى رِسَالَةِ رُومِيَةَ الَتِي كَتَبَهَا بُولُسُ، فَإِنَّنَا نَرَى فِي الْأَصْحَاحِ 1 أَنَّ الْخَطِيَّةَ الْأَسَاسِيَّةَ الَتِي تُحَدِّدُ كُلَّ خَطِيَّةٍ بَشَرِيَّةٍ لَاحِقَةٍ هِيَ مَيْلُ الْإِنْسَانِ إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَإِلَى تَشْوِيهِ الْمَفْهُومِ عَنِ اللهِ. وَلَا يَنْطَبِقُ الْأَمْرُ عَلَى الدِيَانَةِ الْوَثَنِيَّةِ فَحَسْبُ، لَكِنْ يُمْكِنُ لِلْمَسِيحِيِّينَ أَنْ يَقَعُوا فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ حِينَ يُشَوِّهُونَ الْإِعْلَانَ الْكِتَابِيَّ عَنْ شَخْصِ اللهِ.

إِذًا، لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَفْتَرِضَ فِي بِدَايَةِ تَشْكِيلِ وُجْهَةِ نَظَرٍ عَنِ الْحَيَاةِ وَالْعَالَمِ أَنَّ الْجَمِيعَ يُؤْمِنُ بِالْإِلَهِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. فِي الْوَاقِعِ، وَفْقًا لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، قِلَّةٌ هُمُ الذينَ يَتَبَنَّوْنَ مَفْهُومًا سَلِيمًا وَكِتَابِيًّا عَنْ شَخْصِ اللهِ. وَأَنَا لَا أَسْأَلُ مَا إِذَا كَانَ الْجَمِيعُ فِي الْعَالَمِ يَتَّبِعُونَ الْإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ، لَكِنْ هَلْ أَتْبَعُهُ أَنَا؟ هَلْ أَنَا مُتَّسِقٌ فِي تَفْكِيرِي وَحَيَاتِي مَعَ هُوِيَّةِ هَذَا الْإِلَهِ؟ وَكَمَا ذَكَرْتُ، كَيْفِيَّةُ فَهْمِنَا لِلَّهِ لَهَا تَأْثِيرٌ عَمِيقٌ عَلَى كَيْفِيَّةِ فَهْمِنَا لِأَنْفُسِنَا. إِنْ كَانَ صَحِيحًا، كَمَا تُؤَكِّدُ الْيَهُودِيَّةُ وَالْمَسِيحِيَّةُ، أَنَّنَا مَخْلُوقُونَ عَلَى صُورَةِ اللهِ، فَإِنْ كَانَ لَدَيْنَا فَهْمٌ خَاطِئٌ لِلنَمُوذَجِ الْأَصْلِيِّ، بِالتالِي، سَنُسِيءُ فَهْمَ النَمَطِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ وَنُشَوِّهُهُ. إِذًا، إِنْ كُنَّا نَجْهَلُ هُوِيَّةَ اللهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَفْهَمَ مَعْنَى كَوْنِنَا عَلَى صُورَتِهِ؟

أَحَدُ الْأُمُورِ التي أَشْعُرُ بِالِامْتِنَانِ لِأَجْلِهَا نَتِيجَةَ الْمَأْسَاةِ التي أَصَابَتِ الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةَ خِلَالَ الْهُجُومِ الْمُتَطَرّفِ ضِدَّ مُجْتَمَعِنَا هُوَ مَا أُشَاهِدُهُ عَلَى التِلْفَازِ، كَمَا أَعْلَنْتُ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الْمَأْسَاةِ فِي 11 سِبْتَمْبِرَ عَامَ 2001، حِينَ شَاهَدْتُ الْمَبَانِيَ وَهِيَ تَنْفَجِرُ، قُلْتُ: "الْآنَ، نَصِلُ فِي التارِيخِ الْأَمْرِيكِيِّ إِلَى نِهَايَةِ النِسْبِيَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ". هَذِهِ ضَرْبَةٌ قَاضِيَةٌ لِلنِسْبِيَّةِ، لِأَنَّ رَدَّ فِعْلِ الْأَمْرِيكِيِّينَ، وَرَدَّ فِعْلِ الناسِ حَوْلَ الْعَالَمِ بَعْدَ النَظَرِ إِلَى هَذَا الْهُجُومِ الشَنِيعِ عَلَى الْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ هُوَ أَنَّ "هَذَا شَرٌّ وَالْكُلُّ يَعْرِفُ ذَلِكَ".

مُؤَخَّرًا، أَكَّدَتْ وَسِيلَةٌ إِخْبَارِيَّةٌ وَطَنِيَّةٌ عَلَى الْأَمْرِ نَفْسِهِ، حَيْثُ كَانَ عُنْوَانٌ عَلَى الشَاشَةِ خِلَالَ نَشْرَةِ الْأَخْبَارِ يَقُولُ "نِهَايَةُ النِسْبِيَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ". قُلْتُ: "أَرْجُو أَنْ يَتَذَكَّرَ النَاسُ ذَلِكَ". لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَخْتَبِرَ مُوَاجَهَةً مُرَوِّعَةً مُمَاثِلَةً مَعَ الشَرِّ الْخَالِصِ ثُمَّ تَمْضِي قَائِلًا: "إِنَّهُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ". هُنَا نَرَى الشَرَّ الْمُطْلَقَ لِهَذَا النوْعِ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ.

لَكِنْ إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ الِاعْتِدَاءِ، رَأَيْنَا أَيْضًا مَعَ انْفِجَارِ تِلْكَ الْمَبَانِي النِهَايَةَ الْعَمَلِيَّةَ لِلتَطَوُّرِ الْكَبِيرِ كَنَظَرِيَّةٍ مُحَدِّدَةٍ لِلْأَجْنَاسِ الْبَشَرِيَّةِ. مَنْ يُؤْمِنُ فِعْلًا بِأَنَّ الْإِنْسَانَ جُرْثُومَةٌ كَبِيرَةٌ؟ مَنْ يُؤْمِنُ حَقًّا بَعْدَ الْآنِ بِأَنَّنَا لَسْنَا سِوَى حَوَادِثَ كَوْنِيَّةٍ خَرَجَتْ صُدْفَةً مِنَ الطِينِ وَمُقَدَّرٌ لَهَا الْفَنَاءُ؟ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ فِعْلًا بِذَلِكَ، فَعِنْدَمَا تَرَى صُوَرًا لِآلَافِ الْأَشْخَاصِ الَذِينَ دَمَّرَهُمْ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الْعُنْفِ وَالْإِرْهَابِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَجْعَلَكَ تَتَثَاءَبُ. لِأَنَّ دَمَارَ جَرَاثِيمَ كَبِيرَةٍ لَيْسَتْ لَهُ أَهَمِّيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ، فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، لَيْسَ أَهَمَّ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى فِنَاءِ مَنْزِلِكَ وَاسْتِعْمَالِ قُنْبُلَةٍ لِتَفْجِيرِ كَثِيبِ نَمْلٍ مَلِيءٍ بِالنَمْلِ النارِيِّ. لَكِنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ فِي أَمْرِيكَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ نَمْلَةً نَارِيَّةً. كُلُّ إِنْسَانٍ عَلَى هَذَا الْكَوْكَبِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ جُرْثُومَةً. نَحْنُ جَمِيعًا نَعْلَمُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْبَشَرِيَّةَ مُقَدَّسَةٌ، وَأَنَّ الْحَيَاةَ الْبَشَرِيَّةَ ذَاتُ مَعْنًى، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يُوجَدْ هَدَفٌ مِنَ الْوُجُودِ الْبَشَرِيِّ.

أَيُّهَا الْأَحِبَّاءُ، نَعْلَمُ جَمِيعًا مَا أَدْرَكَهُ دُوسْتُويِفْسْكِي، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْلَا وُجُودُ اللهِ، لَمَا كَانَ لِلْوُجُودِ الْبَشَرِيِّ هَدَفٌ، وَلَكُنَّا، كَمَا قَالَ جَانْ بُولْ سَارْتَرْ، لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ عَاطِفَةٍ غَيْرِ مُجْدِيَةٍ لَوْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَوْجُودًا. لَكِنْ إِنْ فَهِمْتَ وُجُودَ اللهِ، وَرَبَطَتْ الْوُجُودَ الْبَشَرِيَّ بِوُجُودِ اللهِ فِي حَيَاتِكَ وَبِوُجْهَةِ نَظَرِكَ عَنِ الْحَيَاةِ وَالْعَالَمِ، عِنْدَئِذٍ تَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ حَيَاةٍ بَشَرِيَّةٍ هِيَ حَيَاةٌ مُقَدَّسَةٌ. وَتَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ مُهِمٌّ، وَمُهِمٌّ بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ إِنْ كُنْتَ تَجُولُ مُفَجِّرًا الناسَ كَمَا قُتِلَ هَؤُلَاءِ فِي مَرْكَزِ التِجَارَةِ الْعَالَمِيِّ فِي نْيُويُورْكْ.

أَخِيرًا، الْمَبْدَأُ الثالِثُ لِوُجْهَةِ النَظَرِ عَنِ الْحَيَاةِ هُوَ كَيْفِيَّةُ تَوَاصُلِ اللهِ مَعَ هَذَا الْكَوْكَبِ. أَيْ مَا هِيَ صِلَةُ اللهِ بِالطبِيعَةِ. فِي عَصْرِنَا، نَمِيلُ إِلَى رُؤْيَةِ الطَبِيعَةِ عَلَى أَنَّهَا تَعْمَلُ بِشَكْلٍ مُسْتَقِلٍّ عَنْ أَيِّ سَيْطَرَةٍ لِلَّهِ. وَإِنْ غَابَ أَمْرٌ مَا عَنْ مُفْرَدَاتِنَا إِلَى حِينِ وُقُوعِ هَذِهِ الْمَآسِي، فَهُوَ مَفْهُومُ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ. لِأَنَّ الْمَسِيحِيَّةَ تُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّنَا بِاللهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. لَا يُمْكِنُ لِشَيْءٍ أَنْ يَتَحَرَّكَ، وَلَا يُمْكِنُ لِشَيْءٍ أَنْ يَحْيَا، وَلَا يُمْكِنُ لِشَيْءٍ أَنْ يُوجَدَ بِدُونِ سُلْطَانِ اللهِ. وَإِنْ فَصَلْتَ مَفْهُومَ اللهِ هَذَا عَنِ الْمُعَادَلَةِ، فَعِنْدَئِذٍ تَرَى كَونًا يَعْمَلُ وَفْقَ قَوَانِينِهِ الداخِلِيَّةِ الثابِتَةِ، وَيَحِلُّ الْعَالِمُ مَحَلَّ رَجُلِ الدينِ كَوَسِيطٍ لِلْوُجُودِ الْبَشَرِيِّ وَلِلْمَعْنَى الْبَشَرِيِّ. إِذًا، فَهْمُكَ عَنِ اللهِ، وَفَهْمُكَ عَنِ الْبَشَرِ، يُؤَدِّيَانِ حَتْمًا إِلَى فَهْمِكَ عَنِ الطَبِيعَةِ نَفْسِهَا. وَسَنَتَطَرَّقُ إِلَى هَذَا الْمَوْضُوعِ فِي مُحَاضَرَتِنَا الْمُقْبِلَةِ.