المحاضرة 6: انقضاء الدهر

بينما نتابع دراستنا لأزمة الإيسكاتولوجيا، الموضوع الذي أريد التطرق إليه في هذه المحاضرة هو هذا السؤال عندما تكلم يسوع، عن مجيئه في نهاية الجيل. فهل قصد بعبارة "نهاية الجيل" نهاية تاريخ العالم؟ أم إنه كان يتكلم تحديداً عن نهاية الجيل اليهودي؟ هذه إحدى أهم النقاط التي أثارت جدلاً في ما يتعلق بمسألة الإشارة إلى الإطار الزمني في إيسكاتولوجيا العهد الجديد.

 والآن دعوني أقرأ لكم جزءاً من نص في إنجيل متى من الترجمة الحديثة للكتاب المقدس، حيث نقرأ في الفصل 13 والآية 38 تفسير يسوع لمثل الزوان، قال: "وَالْحَقْلُ هُوَ الْعَالَمُ. وَالزَّرْعُ الْجَيِّدُ هُوَ بَنُو الْمَلَكُوتِ. وَالزَّوَانُ هُوَ بَنُو الشِّرِّيرِ. وَالْعَدُّوُ الَّذِي زَرَعَهُ هُوَ إِبْلِيسُ. وَالْحَصَادُ هُوَ انْقِضَاءُ الزمان. وَالْحَصَّادُونَ هُمُ الْمَلاَئِكَة. َكَمَا يُجْمَعُ الزَّوَانُ وَيُحْرَقُ بِالنَّارِ، هَكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ الزمانِ". أنا قرأت من هذه الترجمة الحديثة لأنها تختلف عن الترجمة الأصلية. إن بقيتم معي قليلاً، فسأقرأ من الترجمة الأصلية. نقرأ في الآية 38 "وَالْحَقْلُ هُوَ الْعَالَمُ"، هذا تحديداً ما جاء في الترجمة الحديثة "وَالزَّرْعُ الْجَيِّدُ هُوَ بَنُو الْمَلَكُوتِ. وَالزَّوَانُ هُوَ بَنُو الشِّرِّيرِ. وَالْعَدُّوُ الَّذِي زَرَعَهُ هُوَ إِبْلِيسُ. وَالْحَصَادُ هُوَ انْقِضَاءُ الْعَالَمِ. وَالْحَصَّادُونَ هُمُ الْمَلاَئِكَةُ"، الآية 40 "فَكَمَا يُجْمَعُ الزَّوَانُ وَيُحْرَقُ بِالنَّارِ، هَكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ هَذَا الْعَالَمِ". لاحظوا أنه في الآيات 38 و39 و40 تمت ثلاث مرات ترجمة كلام يسوع في الترجمة القديمة عبر استخدام كلمة "عالم"، أما في الترجمة الحديثة فوردت كلمة "عالم" في الآية 38، أما في الآيتين 39 و40 فوردت كلمة "زمان" بدلاً من "عالم". ما السبب؟ لمَ التغيير؟

السبب البسيط للتغيير هو وجود كلمتين يونانيتين مختلفتين في نص العهد الجديد وقد تمت ترجمتهما هنا في الآية 38. وردت الكلمة اليونانية "كوزموس"، وهي الكلمة التي يتم استعمالها دائماً لوصف العالم. نحن نتكلم عن أحداث كونية وما إلى ذلك، إنها الكلمة اليونانية "كوزموس". ثم في الآيات 39 و40، نجد الكلمة اليونانية "آيون"، ومعناها "زمان" أو "عهد" وليس "عالم". وبرأيي، لقد ترجم المترجمون القدامى الكلمة اليونانية "أيون" بكلمة "عالم" بدلاً من "زمان" لأنهم افترضوا كما يفترض كثيرون بيننا اليوم أنه حين كان يسوع يتكلم عن نهاية الزمان فهو كان يقصد نهاية الزمان البشري ونهاية تاريخ العالم. إذاً، أشار المترجمون إلى ذلك أثناء ترجمتهم للنص. وبصراحة، ما كان يجدر بهم فعل ذلك نظراً للاختلاف بين الكلمتين اليونانيتين. وفي الترجمة الحديثة، تم تصحيح تلك الترجمة غير الدقيقة لكن هذا لا يحل مشكلتنا، لأنه يمكن لعبارة "نهاية الزمان" أن تعني نهاية الزمان البشري، وهي تشير إلى نهاية حقبة زمنية أو نهاية عصر معين. نحن نسأل مجدداً هل يُشار بذلك إلى نهاية التاريخ كما نحن نفترض أم إلى فترة محددة تتعلق بالزمن اليهودي.

هنا مجدداً يجب أن نطرح هذا السؤال. إن افترضنا إمكانية التمييز بين الزمن اليهودي والزمن البشري فقد نعرّض أنفسنا لتهمة القيام بتخمين لا لجام له، لأننا خلقنا من لا شيء تمييزاً لا يأتي الإنجيل على ذكره. وبغية تجنب حدوث ذلك أظن أنه من المهم لنا أن نجد في الكتاب المقدس بعض المراجع التي تم فيها استعمال كلمة "زمن" بشكل أكثر تحديداً وتميزاً عن المفهوم العام للزمن البشري أو تاريخ العالم. عندما ننظر إلى ترجمة لوقا للحديث على جبل الزيتون، وقد ورد في الفصل 21 من إنجيله، وسألفت نظركم إلى ذلك الآن. فإننا نجد بعض التفاصيل في ترجمة لوقا للحديث على الجبل لا نجدها لا في إنجيل متى في الفصل24 ولا في إنجيل مرقس في الفصل13.

والمقطع الأهم بالنسبة إلينا في هذا السياق سأقرأه لكم ابتداءً من لوقا الفصل 21 والآية 20 "وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ، فَحِينَئِذٍ اعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ خَرَابُهَا. حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ، وَالَّذِينَ فِي وَسَطِهَا فَلْيَفِرُّوا خَارِجاً، وَالَّذِينَ فِي الْكُوَرِ فَلاَ يَدْخُلُوهَا". تذكروا أني أشرت في بداية هذه السلسلة إلى أن هذه النصيحة كانت مناقضة تماماً لخطة النجاة المعتمدة عالمياً في حال التعرض لهجوم عسكري أو لحصار ما، أي أن يهرب الناس فوراً إلى المدينة الأكثر حصانة ومناعة للحفاظ على أمنهم وسلامتهم. وبحسب جوزيفوس، أحد أسباب موت 1.1 مليون شخص أثناء دمار أورشليم، هو أنه بعد أن اجتاحت الجيوش الرومانية فلسطين وعبرت حدودها وذاع الخبر عبر القرى والبلدات، هرب الناس من كل مكان إلى أورشليم للحفاظ على سلامتهم، أما المسيحيون فلم يفعلوا ذلك، لأن يسوع كان حّذر هنا بوضوح من الأمر. "لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ، وَالَّذِينَ فِي وَسَطِهَا فَلْيَفِرُّوا خَارِجاً، وَالَّذِينَ فِي الْكُوَرِ فَلاَ يَدْخُلُوهَا، لأَنَّ هَذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ". انتقام من؟ انتقام الله النازل على أورشليم. "هَذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ، لِيَتِمَّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ. وَوَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، لأَنَّهُ يَكُونُ ضِيقٌ عَظِيمٌ عَلَى الأَرْضِ وَسُخْطٌ عَلَى هَذَا الشَّعْب، وَيَقَعُونَ بِالسَّيْفِ، وَيُسْبَوْنَ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ". هذه واحدة من التنبؤات المستقبلية الأكثر إلفاتاً للنظر التي نجدها في أي كتاب من أي نوع في أي مكان وفي أي وقت.

طلب مني أحدهم أن أقدم له برهاناً واحداً على صحة المسيحية، فأجبت: "اليهود". فالشعب اليهودي حافظ على هويته وعلى جذوره الإثنية، مع أنه عاش بلا وطن طوال ألفي سنة. وهم يجتمعون دائماً في المناسبات ويقول أحدهم الآخر "سنكون في أورشليم في السنة المقبلة". أنا أتحدر من أصل إيرلندي وعندما كنت ولداً، كان والديّ يمتنعان عن إرسالي إلى المدرسة في يوم عيد القديس "باتريك"، لأن الإذاعة الشعبية كانت تقدم أغاني إيرلندية طوال اليوم، وكانت أمي تغني لي تهويدات إيرلندية عندما كنت طفلاً، عندما كنت أذهب إلى الفراش ليلاً. فكبرت وقد حفظت كل هذه الأمور لكن بقدر ما حاولوا الحفاظ على ميراثنا الإيرلندي على مدى جيلين أو ثلاثة، فإنك لا تلتقي بأناس كثر يقولون: "السنة المقبلة في دابلين". أنا أميركي ولم أعد أعتبر نفسي إيرلندياً فعلاً. لكن اليهود، وعلى الرغم من خسارتهم لبلادهم ومركز عبادتهم، تشتتوا في العالم كله ولم يخسروا هويتهم أبداً. هذا غير مسموع في تاريخ العالم، لكن تم التنبؤ بتشتت اليهود. لقد تنبأ يسوع بذلك هنا حين قال "وَيَقَعُونَ بِالسَّيْفِ وَيُسْبَوْنَ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ".

والآن إليكم الآية المهمة "وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الأُمَمِ حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الأُمَمِ". "وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الأُمَمِ حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الأُمَمِ". هنا، لا يتكلم يسوع عن الجيل اليهودي أو عن جيل الأمم، لكنه استعمل هذه العبارة الغريبة "أزمنة الأمم". استنتاج بسيط، أي أزمنة للأمم يمكن تمييزها عن أي أزمنة أخرى؟ من الواضح أنه تم استعمال كلمة "أمم" هنا لتمييز الأمم عن اليهود، وإن كانت توجد أزمنة أمم فهذا يعني حتماً أنه سبقتها أزمنة اليهود. إذاً ثمة مرحلة مؤقتة ومحددة في التاريخ عُرف بـ"أزمنة الأمم".

سبق أن قلت إن ثمة من يعتقد أنه لم تتم نبوءات الحديث على جبل الزيتون فحسب في القرن الأول، وإنما جميع نبوءات العهد الجديد المتعلقة بالمستقبل قد تمت أيضاً، بما فيها المجيء النهائي للمسيح، والقيامة العظيمة، والاختطاف، وغيرها. لكني لا أعتقد ذلك. لكن الأشخاص الذين يعتبرون أن جميع الأمور تمت في القرن الأول يواجهون مشكلة أمام عبارة "أزمنة الأمم". لذا، فإنهم يعتبرونها فترة قصيرة ومؤقتة مباشرة قبل دمار الهيكل، أي ما بين سنتي 69 و70 ب.م. حيث لعب الأمم دوراً في أورشليم في مرحلة يخبرنا عنها "جوزيفوس". لكني لن أتكلم عن الأمر الآن.

حين يتكلم لوقا عن دوس الأمم لأورشليم حتى...الكلمة التي تمت ترجمتها بـ"حتى" تشير بوضوح إلى مرحلة ختامية، وتلك المرحلة الختامية هي تتميم أزمنة الأمم، أي أن الأمم سيحكمون أورشليم لمرحلة محددة من التاريخ، لكن ستأتي مرحلة ينتهي فيها ذلك، وستتزامن تلك النهاية مع نهاية أزمنة الأمم. هل كلامي واضح؟ أي أنه في مرحلة معينة من التاريخ، ابتداءً من سنة 70 م. سيتم تدمير أورشليم وسيتشتت اليهود، عندئذٍ تبدأ أزمنة الأمم. لكن هذه الأزمنة لن تدوم إلى الأبد، وفي مرحلة معينة، ستنتهي هذه الأزمنة، وقد تكون هذه النهاية مرتبطة بنهاية دوس الأمم لأورشليم.

لكن بين هلالين، في هذا الإطار، دعوني أذكركم بأن ما حدث في العام 1948، مع إعلان قيام دولة إسرائيل بعد ألفي سنة، وربما الأهم، بعد استعادة مدينة أورشليم من سيطرة الأمم في العام 1976، ربما أطلق هذان الحدثان تخمينات إيسكاتولوجية أكثر من أي حدثين آخرين في الأعوام الخمسمئة الأخيرة، لأن ثمة من يعتبر قيام دولة إسرائيل من جديد علامة أساسية على نهاية الأزمنة. الأمر وقف على ما تعتقده بشأن الألفية. سأتطرق إلى هذا الموضوع لاحقاً لكني أذكر أني في العام 1967 شاهدت الجنود اليهود وهم يشقون طريقهم للدخول إلى أورشليم مستعينين برشاشاتهم، ولما وصلوا إلى حائط المبكى، رموا أسلحتهم ونسوا الحرب وتوجهوا نحو حائط المبكى وبدأوا يصلّون ويتقدمون. أذكر أني ذهبت إلى عالم للعهد القديم في تلك الليلة وسألته عن رأيه في ذلك؟ فقال: "لا أعلم ماذا أقول لكني أجد الأمر لافتاً". عندئذٍ، يقول كارل بارت إن الناس بدأوا يقرأون الكتاب المقدس من ناحية والصحف من ناحية أخرى.

لكن هذا مقطع غامض هنا، فهذه المرة الوحيدة في الحديث على جبل الزيتون، كما ورد في الأناجيل المتشابهة الثلاثة التي تمت الإشارة فيها إلى أزمنة الأمم. لكننا نجد إشارة أخرى إلى أزمنة الأمم، ليس في الحديث على جبل الزيتون، بل في واحد من أهم الفصول التعليمية المتعلقة بالتوقعات المستقبلية، في الفصل 11 من رسالة بولس إلى أهل روميه. حيث يتكلم بولس عن كون الكنيسة قد طُعِّمت في الأصل في أصل شجرة إسرائيل، ونحن الأمم قد طُعِّمنا بشعب الله التاريخي، أي في أمة إسرائيل بالطبع. ويقول بولس في الآية 25 من روميه 11 "فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا هَذَا السِّرَّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ حُكَمَاءَ: أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيّاً لإِسْرَائِيلَ، إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ".

لقد كثر الجدل حول تفسير روميه11. يعتبر البعض أنه حين تكلم بولس عن إسرائيل فهو لم يكن يصف إسرائيل العرقية، ولم يكن يتكلم عن الشعب اليهودي، بل كان يتكلم عن إسرائيل الجديدة، عن الكنيسة المسيحية. أنا لا أعتبر أن الله يملك مخططين للفداء واحد لإسرائيل وآخر للكنيسة، أنا لا أعتقد ذلك إطلاقاً، بل أعتبر أن الكنيسة في العهد الجديد هي تتميم لعهد شعب الله المعروف بـ"إسرائيل" في العهد القديم. إذاً، أنا لا أفصل بين الإثنين. لكن هذا لا يعني إلغاء كل التمييزات العرقية، فعندما يتكلم بولس عن إسرائيل في روميه 11، ويتكلم في الوقت نفسه عن الأمم، فهو يميز حتماً على أساس العرق.

أنا أعتقد أن الرسول بولس يقول هنا في الفصل 11 إن الله لم ينتهِ من الشعب اليهودي، بل إننا ننتظر فصلاً جديداً من التاريخ حيث سنرى كيف أن الله سيتعامل مع شعبه مجدداً، مع إسرائيل العرقية. ثم يقول، دعوني أقرأ ذلك مجدداً "أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيّاً لإِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ، وَهَكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: سَيَخْرُجُ مِنْ صِهْيَوْنَ الْمُنْقِذُ وَيَرُدُّ الْفُجُورَ عَنْ يَعْقُوبَ. وَهَذَا هُوَ الْعَهْدُ مِنْ قِبَلِي لَهُمْ مَتَى نَزَعْتُ خَطَايَاهُمْ. مِنْ جِهَةِ الإِنْجِيلِ هُمْ أَعْدَاءٌ مِنْ أَجْلِكُمْ"، أي اليهود، "وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الِاخْتِيَارِ فَهُمْ أَحِبَّاءُ مِنْ أَجْلِ الآبَاءِ، لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ". إذاً هنا يتكلم بولس في الفصل 11 عن عمل فداء مستقبلي يتعلق بشعب العهد، أي اليهود. لكن بأي حال، الفكرة الأهم هنا هي أننا نرى للمرة الثانية في العهد الجديد عبارة "أزمنة الأمم" أو "ملء الأمم". وإن كان لدينا أي شك بشأن ما تم تمييزها عنه في إنجيل لوقا، فما لا شك فيه في رسالة روميه هو أن أزمنة الأمم هي إطار زمني مختلف عن أزمنة الشعب اليهودي، حتى إنه يتكلم مثل لوقا عن ملء أزمنة الأمم.

 قد يريد أحدهم أن يسألني إن كانت هذه الحال، وإن كان لوقا يقول إن أورشليم ستُداس إلى أن تكتمل أزمنة الأمم، وهي لم تعد تداس الآن. أفلا يعني ذلك أن أزمنة الأمم انتهت؟ وأننا وصلنا إلى النهاية؟ ليس بالضرورة، لأن اليهود سيطروا على أورشليم، لكن لا يزال قسم منها تحت سيطرة الأمم، ولا يسيطر اليهود على مدينة أورشليم سيطرة كاملة، بل إنهم يقتسمونها مع آخرين. ما يعني أنها لا تزال مُداسة من الأمم. لذا، فأنا لا أعلم ما إذا كان ذلك يعني أن اليهود سيُطردون من أورشليم غداً، وسيكون علينا الانتظار 3000 سنة قبل أن تكتمل أزمنة الأمم، مع أني أشك في ذلك. لكن هذا يدفعنا إلى التوقف والتساؤل "هل نحن على وشك أن نشهد حدثاً مهماً في تاريخ الفداء؟"

أكرر، يميل كل جيل إلى التفكير بهذه الطريقة لأننا نتوق جميعاً إلى رؤية اكتمال ملكوت المسيح، ويجب أن تكون هذه الرغبة متقدة داخل أبناء كل جيل. أما الآن، فأنا أحاول القول إنه إن كانت أزمنة الأمم قد ابتدأت، ونحن نعلم أن أزمنة الأمم ابتدأت في العام 70 بعد الميلاد، إن كانت هذه الحال، أفليس من المنطقي أن نعتبر أن الجيل اليهودي أو أزمنة اليهود انتهت في العام 70 م.؟ فكانت تلك نهاية الجيل اليهودي وبداية زمن الأمم؟ إذاً، فإن الإطار الزمني يتوافق مع العام 70 م. بدلاً من أن يتعارض معه.

 والآن، وقبل أن ينتهي الوقت، سأعطيكم لمحة سريعة عن مراجع زمنية أخرى غير شاملة، لكنها تشير إلى اقتراب الأيام الأخيرة بحسب مؤرّخي الكتاب المقدس. متى 10: 23 "لاَ تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الإِنْسَانِ"، وفي متى 26 قال يسوع لرئيس الكهنة "تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاء"، قال بولس في روميه 13 "إنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ. قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ"، كورنثوس 7 "لأَنَّ هَيْئَةَ هَذَا الْعَالَمِ تَزُولُ"، كورنثوس 10: 11، إنه مقطع مهم "انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ"، فيليبي 4: 5 "الرَّبُّ قَرِيبٌ". في رسالة يعقوب 5: 8-9 "لأَنَّ مَجِيءَ الرَّبِّ قَدِ اقْتَرَبَ. هُوَذَا الدَّيَّانُ وَاقِفٌ قُدَّامَ الْبَابِ"، بطرس 4: 7 "وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ"، يوحنا 2: 18 "مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ". ثم نصل إلى سفر الرؤيا الذي سنتكلم عنه على حدة، الفصل الأول والآية الأولى "إِعْلاَنُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" المتعلق "بمَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ"، 1: 3 "الوقت قريب"، 3: 11 " هَا أَنَا آتِي سَرِيعاً"، الفصل 22 والآيتان 6 و7، قال ملاك الله "لِيُرِيَ عَبِيدَهُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَرِيعاً. هَا أَنَا آتِي سَرِيعاً"، إلى آخره. لدينا قائمة من المراجع في العهد الجديد التي تشير إلى أمر مهم، وهو أن العالم في القرن الأول في ما يتعلق بيوم الرب، ويوم انتقام الرب بغضبه، مرتبط بمجيء يسوع. ما أريد أن أقوله لكم هو إن هذا المجيء الذي تم وصفه في هذه المقاطع ليس المجيء النهائي ليسوع، بل مجيئه ليدين إسرائيل، إنه مجيء المسيح ليدين إسرائيل. وفي المحاضرة المقبلة، سنتطرق إلى أمور مذهلة دونّها المؤرخ اليهودي "فلافيوس جوزيفوس"، الذي يخبرنا بما رآه بأم العين بشأن محاصرة الهيكل ومدينة أورشليم وتدميرهما.