المحاضرة 12: المُلْكُ الأَلْفِيُّ - خدمات ليجونير
 

المحاضرة 12: المُلْكُ الأَلْفِيُّ

نَصِلُ الآنَ إِلَى خِتَامِ نَظْرَتِنَا الْعَامَّةِ الْمُوجَزَةِ عَلَى الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِنِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ. وَحَتْمًا مِنَ الْجَيِّدِ أَنْ أُقَدِّمَ لَكُمْ تَلْخِيصًا بَسِيطًا عَنِ الآراءِ الأُخْرَوِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ الَتِي تَتَنَافَسُ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ لِتَلْقَى قَبُولًا فِي أَيَّامِنا، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَيْفِيَّةِ فَهْمِنَا لِتَعَالِيمِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ عَنِ المُلْكِ الأَلْفِيِّ. بَعْدَ قَلِيلٍ، سَنَتَطَرَّقُ إِلَى النَصِّ الْكِتَابِيِّ الَذِي يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمَوْضُوعَ. لَكِنَّكُمْ تَسْمَعُونَ عَنْ مَدَارِسِ الْفِكْرِ الْمُخْتَلِفَةِ تَصِفُ نَوْعًا مِنَ الاخْتِزَالِ اللاهُوتِيِّ، فَنَقُولُ إِنَّ أَحَدَهُمْ يُؤَيِّدُ مَدْرَسَةَ مَا قَبْلَ الأَلْفِيَّةِ، وَأَنَّ أَحَدَهُمْ يُؤَيِّدُ مَدْرَسَةَ مَا بَعْدَ الأَلْفِيَّةِ، أَوْ أَنَّ آخَرَ يُؤَيِّدُ مَدْرَسَةَ اللاأَلْفِيَّةَ، وَآخَرَ تَدْبِيرِيٌّ وَهِيَ فِئَةٌ خَاصَّةٌ فِي فِئَةِ مَا قَبْلَ الأَلْفِيَّةِ، إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ الْمَدَارِسُ اللاهُوتِيَّةُ وَالأُخْرَوِيَّةُ الْمُخْتَلِفَةُ تَتَوَقَّفُ عَلَى كَيْفِيَّةِ فَهْمِ هَؤُلاءِ لِلْمُلْكِ الأَلْفِيِّ. لَكِنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ لا تَقْتَصِرُ بِبَسَاطَةٍ عَلَى الْمُلْكِ الأَلْفِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ إِنَّهَا تُمَثِّلُ نَظْرَةً مُخْتَلِفَةً تَمَامًا لِلْمَسَائِلِ الأُخْرَوِيَّةِ، إِلَى جَانِبِ كَيْفِيَّةِ فَهْمِ أَحَدِهِمْ لِمَسْأَلَةِ الْمُلْكِ الأَلْفِيِّ.

فَلْنُلْقِ نَظْرَةً عَلَى النَصِّ الَذِي أَثارَ جَدَلًا كَبِيرًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُلْكِ الأَلْفِيِّ، نَجِدُهُ فِي الأَصْحَاحِ 20 مِنْ سِفْرِ الرُؤْيَا ابْتِدَاءً مِنَ الآيَةِ 1. نَقْرَأُ: "وَرَأَيْتُ مَلاَكًا نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُ مِفْتَاحُ الْهَاوِيَةِ، وَسِلْسِلَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى يَدِهِ. فَقَبَضَ عَلَى التِّنِّينِ، الْحَيَّةِ الْقَدِيمَةِ، الَّذِي هُوَ إِبْلِيسُ وَالشَّيْطَانُ، وَقَيَّدَهُ أَلْفَ سَنَةٍ". هَذِهِ أَوَّلُ إِشَارَةٍ إِلَى فَتْرَةِ الأَلْفِ سَنَةٍ، وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِتَقْيِيدِ الشَيْطَانِ، حَيْثُ تَمَّ أَسْرُ الشَيْطَانِ بِحَسَبِ الْوَصْفِ هُنَا فِي سِفْرِ الرُؤْيَا طَوَالَ فَتْرَةِ أَلْفِ سَنَةٍ. "وَطَرَحَهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ لِكَيْ لاَ يُضِلَّ الأُمَمَ فِي مَا بَعْدُ، حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ لاَ بُدَّ أَنْ يُحَلَّ زَمَانًا يَسِيرًا". إِذَنْ، كَوَّنْتُمْ فِكْرَةً عَنِ التَسَلْسُلِ الزَمَنِيِّ حَتَّى الآنَ، سَيَتِمُّ تَقْيِيدُ الشَيْطَانِ وَأَسْرُهُ، ثُمَّ سَيَتِمُّ طَرْحُهُ فِي الْهَاوِيَةِ طَوَالَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَعِنْدَمَا تَمْضِي الأَلْفُ سَنَةٍ سَيَتِمُّ حَلُّهُ زَمَانًا يَسِيرًا.

ثُمَّ نَقْرَأُ:

وَرَأَيْتُ عُرُوشًا فَجَلَسُوا عَلَيْهَا، وَأُعْطُوا حُكْمًا. وَرَأَيْتُ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ وَمِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلْوَحْشِ وَلاَ لِصُورَتِهِ، وَلَمْ يَقْبَلُوا السِّمَةَ عَلَى جِبَاهِهِمْ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ، فَعَاشُوا وَمَلَكُوا مَعَ الْمَسِيحِ أَلْفَ سَنَةٍ.  وَأَمَّا بَقِيَّةُ الأَمْوَاتِ فَلَمْ تَعِشْ حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. هَذِهِ هِيَ الْقِيَامَةُ الأُولَى. مُبَارَكٌ وَمُقَدَّسٌ مَنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْقِيَامَةِ الأُولَى. هَؤُلاَءِ لَيْسَ لِلْمَوْتِ الثَّانِي سُلْطَانٌ عَلَيْهِمْ، بَلْ سَيَكُونُونَ كَهَنَةً لِلَّهِ وَالْمَسِيحِ، وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ أَلْفَ سَنَةٍ. ثُمَّ مَتَى تَمَّتِ الأَلْفُ السَّنَةِ يُحَلُّ الشَّيْطَانُ مِنْ سِجْنِهِ، وَيَخْرُجُ لِيُضِلَّ الأُمَمَ الَّذِينَ فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ: جُوجَ وَمَاجُوجَ، لِيَجْمَعَهُمْ لِلْحَرْبِ، الَّذِينَ عَدَدُهُمْ مِثْلُ رَمْلِ الْبَحْرِ. فَصَعِدُوا عَلَى عَرْضِ الأَرْضِ، وَأَحَاطُوا بِمُعَسْكَرِ الْقِدِّيسِينَ وَبِالْمَدِينَةِ الْمَحْبُوبَةِ، فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُمْ. وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلًا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. ثُمَّ رَأَيْتُ عَرْشًا عَظِيمًا أَبْيَضَ..."

إِلَى آخِرِهِ. ثُمَّ يَصِفُ الدَيْنُونَةَ. إِذَنْ، نَسْمَعُ هُنَا عَنْ فَتْرَةٍ مُؤَقَّتَةٍ مِنَ التَارِيخِ تَدُومُ أَلْفَ سَنَةٍ، حَيْثُ يَتِمُّ تَقْيِيدُ الشَيْطَانِ وَيَمْلِكُ الْمَسِيحُ مَعَ قِدِّيسِيهِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَتِمُّ حَلُّ الشَيْطَانِ الَذِي سَيَشُنُّ حَرْبًا ضِدَّ الْمَسِيحِ وَالْقِدِّيسِينَ. وَبِالطَبْعِ، نَتِيجَةُ الْحَرْبِ مَحْسُومَةٌ، لأَنَّ الْمَسِيحَ سَيَغْلِبُ وَسَيَمْلِكُ مَعَ قِدِّيسِيهِ إِلَى الأَبَدِ. كَيْفَ سَتَكُونُ فَتْرَةُ الأَلْفِ سَنَةٍ تِلْكَ؟ هَذَا هُوَ الْمَكَانُ الْوَحِيدُ الَذِي نَجِدُ فِيهِ إِشَارَةً مُحَدَّدَةً إِلَى هَذَا الأَمْرِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. لَكِنْ بِالطَبْعِ، ذِكْرُ أَمْرٍ مَا وَلَوْ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ كَفِيلٌ أَنْ نَتَّخِذَهُ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّ. كَيْفَ تَنْظُرُ الْمَدَارِسُ الأُخْرَوِيَّةُ الْمُخْتَلِفَةُ إِلَى الأَمْرِ؟

فَلْنَبْدَأْ بِمَا يُعْرَفُ بِالْمَدْرَسَةِ اللاأَلْفِيَّةِ. كَلِمَةُ "اللاأَلْفِيَّةِ" تَعْنِي حَرْفِيًّا "عَدَمَ وُجُودِ الأَلْفِيَّةِ". الإِنْسَانُ اللاأَخْلاقِيُّ هُوَ إِنْسَانٌ لا يَمْلِكُ أَخْلاقًا. كَلِمَةُ "اللا" تَدُلُّ عَلَى النَفْيِ. وَيَعْتَبِرُ مُؤَيِّدُو هَذَا الرَأْيِ أَنَّ الأَلْفِيَّةَ الَتِي تَمَّ وَصْفُهَا هُنَا لَيْسَتْ حَرْفِيًّا فَتْرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَلَكِنَّهَا تَتَحَدَّثُ بِلُغَةٍ مَجَازِيَّةٍ عَنْ تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ. تُؤْمِنُ مَدْرَسَةُ اللاأَلْفِيَّةِ بِأَنَّ عَصْرَ الْكَنِيسَةِ هُوَ عَصْرُ مَلَكُوتِ اللهِ، وَأَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ بَدَأَ مَعَ الظُهُورِ الأَوَّلِ لِلْمَسِيحِ. وَعِنْدَمَا جَاءَ تَمَّمَ نُبُوَّاتِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ الَذِي قَالَ إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، أَيْ إِنَّهُ أَصْبَحَ قَرِيبًا جِدًّا. عِنْدَمَا ظَهَرَ يَسُوعُ عَلَى السَاحَةِ، قَالَ إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ فِي وَسَطِكُمْ، كَمَا قَالَ أَيْضًا: "إِنْ كُنْتُ بِإِصْبِعِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ". ثُمَّ، فِي الصُعُودِ، صَعِدَ الْمَسِيحُ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللهِ. ذَهَبَ لِيَتِمَّ تَتْوِيجُهُ كَمَلِكِ الْمُلُوكِ وَرَبِّ الأَرْبَابِ.

وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ مَدْرَسَةَ اللاأَلْفِيَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَنَاعَةِ بِأَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ لَيْسَ أَمْرًا مَوْجُودًا بِالْكَامِلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بَلْ إِنَّهُ قَدْ بَدَأَ بِالْفِعْلِ. لَقَدْ بَدَأَ، وَهُوَ يَنْتَظِرُ اكْتِمَالَهُ النِهَائِيَّ، لَكِنَّ نُبُوَّاتِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ الَتِي تُشِيرُ إِلَى مُسْتَقْبَلِ إِسْرَائِيلَ وَإِلَى فِدَاءِ إِسْرَائِيلَ الْكَامِلِ وَالنِهَائِيِّ فَهِيَ تُشِيرُ بِحَسَبِ مَدْرَسَةِ اللَاأَلْفِيَّةِ إِلَى الْكَنِيسَةِ. فَالْكَنِيسَةُ هِيَ مَلَكُوتُ اللهِ، وَالْكَنِيسَةُ تُتَمِّمُ نُبُوَّاتِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، وَالْكَنِيسَةُ تَشْمَلُ الأُمَمَ وَالْيَهُودَ. غَيْرَ أَنَّ مَدْرَسَةَ اللاأَلْفِيَّةِ تَرَكَتْ مَجَالًا لِتَعَامُلِ اللهِ مَعَ إِسْرَائِيلَ الْعِرْقِيَّةِ، مَعَ الشَعْبِ الْيَهُودِيِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لَكِنْ لَيْسَ مِنْ خِلالِ بَرْنَامَجٍ مُنْفَصِلٍ بِمَا يَجْعَلُ اللهَ يَمْلِكُ خُطَّةَ فِدَاءٍ لِلْيَهُودِ وَخُطَّةَ فِدَاءٍ أُخْرَى لِلأُمَمِ. وَإِنَّمَا نُبُوَّاتُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ بِكَامِلِهَا تُشِيرُ إِلَى الْكَنِيسَةِ وَمَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَهِيَ تَتَضَمَّنُ الْيَهُودَ وَالأُمَمَ. أَيْضًا يُؤْمِنُ مُؤَيِّدُو اللاأَلْفِيَّةِ أَنَّهُ بِمَا أَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمَسِيحِيَّ هُوَ إِظْهَارٌ لِلْمَلَكُوتِ فَسَيَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ إِيجَابِيٌّ مُسْتَمِرٌّ عَلَى ثَقَافَةِ الْمُجْتَمَعِ، كَمَا أَنَّ دَوْرَ الْكَنِيسَةِ فِي الْعَالَمِ سَيَقْضِي بِأَنْ تَكُونَ مَصْدَرَ بَرَكَةٍ، وَتَحْسِينٍ لِلْحَالَةِ وَلِلْوَضْعِ الْبَشَرِيِّ. عَلَى مَرِّ التَارِيخِ سَيَكُونُ لِلْمَسِيحِ وَكَنِيسَتِهِ تَأْثِيرٌ إِيجَابِيٌّ فِي الْعَالَمِ.

عَلَّمَ جُونْ كَالْفِنْ مَثَلًا أَنَّ المُهِمَّةَ الأَسْمَى لِلْكَنِيسَةِ بَيْنَ بِدَايَتِهَا وَاكْتِمَالِهَا فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ هِيَ الشَهَادَةُ لِمُلْكِ الْمَسِيحِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ. قَالَ إِنَّ مُهِمَّةَ الْكَنِيسَةِ تَقْضِي بِجَعْلِ الْمَلَكُوتِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ مَنْظُورًا. تَذْكُرُونَ أَنَّهُ حِينَ تَرَكَ يَسُوعُ الأَرْضَ كَانَ آخِرُ سُؤَالٍ طَرَحَهُ عَلَيْهِ تَلامِيذُهُ: "يَا رَبُّ هَلْ فِي هَذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟" وَبِمَ أَجَابَ يَسُوعُ؟ لَمْ يُجِبْ: "كَمْ مَرَّةً عَلَيَّ أَنْ أَقُولَ لَكُمْ إِنَّهُ لَنْ يَكُونَ لإِسْرَائِيلَ مُلْكٌ؟" كَلَّا، بَلْ قَالَ: "الأَزْمِنَةُ وَالأَوْقَاتُ فِي سُلْطَانِ أَبِي"، ثُمَّ تَابَعَ قَائِلًا: "وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ". يُؤْمِنُ مُؤَيِّدُو نَظَرِيَّةِ اللاأَلْفِيَّةِ بِأَنَّ مُهِمَّةَ الْكَنِيسَةِ هِيَ أَنْ تَشْهَدَ لِلْمَلَكُوتِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ الْمَوْجُودِ بِالْفِعْلِ. الرَبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ يَمْلِكُ الآنَ، إِنَّهُ رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ. وَنَحْنُ فِي عَصْرِ الْمَلَكُوتِ لَكِنَّ الْمَلَكُوتَ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ. كَمَا أَنَّ اللاأَلْفِيَّةَ تَتَرَقَّبُ ارْتِدادًا مُسْتَقْبَلِيًّا، بِحَيْثُ إِنَّهُ قُبَيْلَ نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ سَتُصْبِحُ الْكَنِيسَةُ فِي مُنْتَهَى الْفَسَادِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ بِهَا الأَمْرُ فِي حَالَةِ ارْتِدَادٍ شَدِيدٍ لَمْ يَشْهَدْهُ الْعَالَمُ حَتَّى هَذَا الْيَوْمِ فِي تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ.

هَذَا وَاحِدٌ مِنَ الأَسْبَابِ الَتِي تَدْفَعُ النَاسَ إِلَى الاعْتِقَادِ أَنَّنَا عَلَى مَشَارِفِ السَاعَاتِ الأَخِيرَةِ مِنَ التَارِيخِ، نَظَرًا لانْتِشَارِ الارْتِدَادِ فِي الْكَنِيسَةِ الْمَسِيحِيَّةِ الَذِي بَدَأَ مَعَ حُلُولِ لِيبِرالِيَّةِ الْقَرْنِ التَاسِعَ عَشَرَ بِأَجِنْدَتِهَا الأَسَاسِيَّةِ لِتَرْكِ الإِيمَانِ. عَلَى أَيِّ حَالٍ، هُمْ يَقُولُونَ إِنَّ هَذَا الارْتِدَادَ سَيُؤَدِّي إِلَى مَرْحَلَةٍ مِنَ الآلامِ الشَدِيدَةِ لأُولَئِكَ الَذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْمَسِيحِ. وَمَرْحَلَةُ الآلامِ هَذِهِ هِيَ مَرْحَلَةُ الضِيقَةِ الْعَظِيمَةِ بِحَسَبِ مَفْهُومِهِمْ، حَيْثُ سَيَظْهَرُ ضِدُّ الْمَسِيحِ فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ، وَسَيُعَانِي الْقِدِّيسُونَ آلامًا عَظِيمَةً خِلالَ فَتْرَةِ عَمَلِ ضِدِّ الْمَسِيحِ الَذِي سَيَضْطَهِدُ شَعْبَ اللهِ، وَلَنْ تَنْجُوَ الْكَنِيسَةُ مِنْ فَتْرَةِ الضِيقَةِ هَذِهِ مِنْ خِلالِ ما يُعْرَفُ بِالاخْتِطَافِ قَبْلَ الضِيقَةِ. وَفِي نِهَايَةِ هَذِهِ الْفَتْرَةِ سَيَعُودُ الْمَسِيحُ وَيَنْتَصِرُ عَلَى قُوَى الشَرِّ ويُكْمِلُ عَمَلَ الْفِدَاءِ الَذِي يَتَضَمَّنُ تَجْدِيدَ الْخَلِيقَةِ كُلِّهَا مَعَ السَمَاوَاتِ الْجَدِيدَةِ وَالأَرْضِ الْجَدِيدَةِ. لَكِنَّ هَذِهِ الأُمُورَ تَتِمُّ جَمِيعُهَا فِي فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ غَيْرِ مُحَدَّدَةٍ، لَنْ تَكُونَ أَلْفَ سَنَةٍ حَرْفِيًّا لأَنَّ مَدْرَسَةَ اللاأَلْفِيَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَسَاسِ افْتِرَاضِ ابْتِدَاءِ الْمُلْكِ الأَلْفِيِّ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ مَعَ انْتِصَارِ الْمَسِيحِ بِصَلِيبِهِ وَقِيَامَتِهِ وَصُعُودِهِ. إِذَنْ، فَالمُلْكُ الأَلْفِيُّ يَدُومُ لِفَتْرَةٍ غَيْرِ مُحَدَّدَةٍ تَبْدَأُ مُنْذُ أَنْ أَصْبَحَ الْمَسِيحُ مَلِكًا إِلَى أَنْ يَعُودَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَلْفِ سَنَةٍ أَوْ أَلْفَيْ سَنَةٍ أَوْ ثَلاثَةِ آلافِ سَنَةٍ أَوْ أَرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ. لِذَا، الْمُلْكُ الأَلْفِيُّ هُوَ مُجَرَّدُ تَمْثِيلٍ رَمْزِيٍّ لِهَذِهِ الْفَتْرَةِ الْفَاصِلَةِ أَوِ الانْتِقَالِيَّةِ.

مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، لَدَيْنَا الرَأْيُ التَدْبِيرِيُّ لِلْمَدْرَسَةِ الأُخْرَوِيَّةِ مَا قَبْلَ الأَلْفِيَّةِ. وَتَعْتَبِرُ الْمَدْرَسَةُ التَدْبِيرِيَّةُ أَنَّنا لا نَعِيشُ الآنَ فِي عَصْرِ الْمَلَكُوتِ، لَكِنَّنَا فِي عَصْرِ الْكَنِيسَةِ. وَعَصْرُ الْكَنِيسَةِ هُوَ بِمَثَابَةِ مَرْحَلَةٍ مَا فَاصِلَةٍ بَيْنَ فَتْرَةِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَحُلُولِ الْمَلَكُوتِ. بِالنِسْبَةِ إِلَى التَدْبِيرِيِّ فَإِنَّ حُلُولَ الْمَلَكُوتِ سَيَتِمُّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهَذَا وَاحِدٌ مِنَ الأُمُورِ الَتِي أَثَارَتْ جَدَلًا كَبِيرًا عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ فِي إِطَارِ فَهْمِ تَعْلِيمِ يَسُوعَ فِي الْمَوْعِظَةِ عَلَى الْجَبَلِ. يُؤْمِنُ بَعْضُ التَدْبِيرِيِّينَ التَقْلِيدِيِّينَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْظَمُهُمْ بِأَنَّ الْمَبَادِئَ الَتِي عَلَّمَها يَسُوعُ فِي الْمَوْعِظَةِ عَلَى الْجَبَلِ لا عَلاقَةَ لَهَا بِالْكَنِيسَةِ الْمُعَاصِرَةِ، وَأَنَّهَا مَبَادِئُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَلَكُوتِ لَنْ تَتَحَقَّقَ إِلَّا فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ بَعْدَ أَنْ يَعُودَ الْمَسِيحُ لِيُؤَسِّسَ مَلَكُوتَهُ.

أَيْضًا، إِنَّ مَدْرَسَةَ مَا قَبْلَ الأَلْفِيَّةِ، وَكَمَا ذَكَرْتُ سَابِقًا، تُؤْمِنُ بِوُجُودِ مُخَطَّطَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي تَارِيخِ الْفِدَاءِ، وَاحِدٌ لإِسْرَائِيلَ وآخَرُ لِلْكَنِيسَةِ. لِذَلِكَ، كُلُّ نُبُوَّاتِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَالْعَدِيدُ مِنْ نُبُوَّاتِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَتِي تَتَحَدَّثُ مَثَلًا عَنْ ظُهُورِ ضِدِّ الْمَسِيحِ وَعَنْ ظُهُورِ إِنْسَانِ الإِثْمِ فِي الْهَيْكَلِ، إِلَى آخِرِهِ. يَتَطَلَّعُ التَدْبِيرِيُّونَ إِلَى مُسْتَقْبَلٍ لِشَعْبِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ اخْتِطَافِ الْكَنِيسَةِ مِنَ الْعَالَمِ، حَيْثُ سَيُعادُ بِنَاءُ الْهَيْكَلِ وَتَقْدِيمُ الذَبَائِحِ، فَيَأْتِي الْمَسِيحُ وَيَرُدُّ الْيَهُودَ إِلَيْهِ. سَيَكُونُ هُنَاكَ مُخَطَّطُ فِدَاءٍ لِلْيَهُودِ مُخْتَلِفٌ عَنْ مُخَطَّطِ فِدَاءِ الْكَنِيسَةِ. وَالْكَنِيسَةُ لَيْسَتْ إِسْرَائِيلَ الْجَدِيدَةَ. الْكَنِيسَةُ كِيَانٌ مُخْتَلِفٌ تَمَامًا عَنْ إِسْرَائِيلَ. الْكَثِيرُ مِنْ نُبُوَّاتِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ الَتِي تَتَطَلَّعُ إِلَى فِدَاءِ إِسْرَائِيلَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَبِحَسَبِ التَدْبِيرِيِّينَ، لَمْ تَتَحَقَّقْ بِأَيِّ شَكْلٍ مِنَ الأَشْكَالِ فِي كَنِيسَةِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، لَكِنَّهَا لا تَزَالُ بِانْتِظَارِ أَنْ تَتَحَقَّقَ بِشَكْلٍ نِهَائِيٍّ حِينَ يَتَعَامَلُ اللهُ مَعَ الْيَهُودِ. وَكَمَا ذَكَرْتُ، يَتَطَلَّعُ التَدْبِيرِيُّونَ إِلَى أَنْ يَتِمَّ الاخْتِطَافُ قَبْلَ الضِيقَةِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ، سَيَكُونُ مُلْكٌ أَلْفِيٌّ حِينَ يَعُودُ الْمَسِيحُ. وَبَعْدَ الأَلْفِ سَنَةٍ تِلْكَ يَكُونُ الانْتِصَارُ عَلَى إِبْلِيسَ، لَكِنْ لَنْ يُقيَّدَ إِبْلِيسُ إِلَّا بِحُلُولِ الْمُلْكِ الأَلْفِيِّ.

أَمَّا مَدْرَسَةُ مَا بَعْدَ الأَلْفِيَّةِ الَتِي تَخْتَلِفُ عَنِ الْمَدَارِسِ الأُخْرَى فَتُؤْمِنُ بِأَنَّ الْكَنِيسَةَ هِيَ إِسْرَائِيلُ. فَهِيَ تَتَّفِقُ مَعَ مَدْرَسَةِ اللا أَلْفِيَّةِ بِخُصُوصِ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ هُوَ مَلَكُوتُ الْفِدَاءِ الرُوحِيِّ، وَلَيْسَ بَرْنَامَجَ تَغْيِيرٍ أَرْضِيٍّ أَوْ سِيَاسِيٍّ. لَكِنَّ مَدْرَسَةَ مَا بَعْدَ الأَلْفِيَّةِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَدَارِسِ الْفِكْرِيَّةِ هِيَ الأَكْثَرُ تَفَاؤُلًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَأْثِيرِ الْكَنِيسَةِ فِي الْمُجْتَمَعِ. وَهِيَ تَرَى أَنَّ تَأْثِيرَ الْكَنِيسَةِ سَيُغَيِّرُ الْمُجْتَمَعَ. وَمَعَ نَجَاحِ الإِرْسَالِيَّةِ الْعُظْمَى سَتَحِلُّ بَرَكَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى الْعالَمِ نَتِيجَةَ إِعْلانِ الإِنْجِيلِ وَتَأْثِيرِ الْكَنِيسَةِ. وَبَعْدَ أَلْفِ سَنَةٍ حَرْفِيَّةٍ سَيَأْتِي يَسُوعُ فِي نِهَايَةِ الأَلْفِ سَنَةٍ بِالدَيْنُونَةِ الأَخِيرَةِ. إِذَنْ، بِالنِسْبَةِ إِلَى مُعْظَمِ مُؤَيِّدِي مَدْرَسَةِ مَا بَعْدَ الأَلْفِيَّةِ، إِنَّ المُلْكَ الأَلْفِيَّ لِلْمَسِيحِ لَمْ يَبْدَأْ بَعْدُ لَكِنَّهُ سَيُسْتَعْلَنُ، وَسُيُظْهِرُ انْتِصَارًا كَبِيرًا لِتَأْثِيرِ الْمَسِيحِيَّةِ فِي الْعَالَمِ. وَبِالتَالِي فَإِنَّ قُوَّةَ الإِنْجِيلِ وَالْكَنِيسَةِ سَتَتَعَاظَمُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ بَدَلًا مِنْ أَنْ تَضْعُفَ شَيْئًا فَشَيْئًا. لِذَلِكَ، بَعْضُ الأَشْخَاصِ مِمَّنْ يَنْتَمُونَ إِلَى فِئَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ مُؤَيِّدِي مَدْرَسَةِ مَا بَعْدَ الأَلْفِيَّةِ يَتَطَلَّعُونَ إِلَى حُلُولِ مَلَكُوتِ اللهِ عَلَى الأَرْضِ خِلالَ فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ وَاضِحَةٍ ولاحِقَةٍ تَتِمُّ فِيهَا هَذِهِ الأُمُورُ.

فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَدْرَسَةِ مَا قَبْلَ الأَلْفِيَّةِ التَارِيخِيَّةِ، وَسَبَقَ أَنْ مَيَّزْنَا بَيْنَ مَا قَبْلَ الأَلْفِيَّةِ وَمَا قَبْلَ الأَلْفِيَّةِ التَدْبِيرِيَّةِ. لَأنَّ هَذَا التَمْيِيزَ مَوْجُودٌ ضِمْنَ الْمدَارِسِ الْفِكْرِيَّةِ الأُخْرَوِيَّةِ. هُنَاكَ عَقِيدَةٌ كْلاسِيكِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا قَبْلَ الأَلْفِيَّةِ تَخْتَلِفُ عَنِ التَدْبِيرِيَّةِ فِي بَعْضِ النَوَاحِي. بَدَأَتِ الْحَرَكَةُ التَدْبِيرِيَّةُ فِي الْقَرْنِ التَاسِعَ عَشَرَ رَغْمَ أَنَّهَا تَفْتَرِضُ بِبَسَاطَةٍ أَنَّهَا تَسْتَعِيدُ الْحَقَّ الْمَوْجُودَ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَفِي الْكَنِيسَةِ الأُولَى الْمُتَعَلِّقِ بِالأُخْرَوِيَّاتِ. لَكِنْ عَلَى مَرِّ التَارِيخِ كَانَ هُناكَ دَائِمًا أَشْخَاصٌ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْمَسِيحَ سَيَعُودُ قَبْلَ الْمُلْكِ الأَلْفِيِّ، وَسَيُؤَسِّسُ مَلَكُوتَهُ عَلَى مَدَى أَلْفِ سَنَةٍ، وَبَعْدَ ذَلِكَ سَتَكُونُ ضِيقَةٌ عَظِيمَةٌ وَالْمَعْرَكَةُ الأَخِيرَةُ.

تَرَى مَدْرَسَةُ مَا قَبْلَ الأَلْفِيَّةِ التَارِيخِيَّةِ أَنَّ عَصْرَ كَنِيسَةِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ هُوَ الْمَرْحَلَةُ الأَوَّلِيَّةُ لِمَلَكُوتِ الْمَسِيحِ بِحَسَبِ نُبُوَّاتِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ. ثَانِيًا، إِنَّ كَنِيسَةَ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ سَتُحْرِزُ انْتِصَاراتٍ مُتَفَرِّقَةً عَبْرَ التَارِيخِ، لَكِنَّهَا سَتَفْشَلُ فِي مُهِمَّتِهَا فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، وَسَتَفْقِدُ تَأْثِيرَهَا وَتُصْبِحُ فَاسِدَةً لِدَرَجِةِ الارْتِدَادِ بَيْنَمَا يَزْدَادُ الشَرُّ وَالْفَسَادُ حَوْلَ الْعَالَمِ فِي نِهَايَةِ عَصْرِ الْكَنِيسَةِ. ثُمَّ سَتَمُرُّ الْكَنِيسَةُ فِي مَرْحَلَةِ مِحْنَةٍ وَضِيقَةٍ عَالَمِيَّةٍ لَمْ يَسْبِقْ لَهَا مَثِيلٌ، هَذَا مَا يُعْرَفُ طَبْعًا بِفَتْرَةِ الضِيقَةِ الْعَظِيمَةِ. وَسَوْفَ يُشَكِّلُ ذَلِكَ نِهَايَةَ التَارِيخِ الْمُعَاصِرِ كَمَا نَعْرِفُهُ. وَبَعْدَ الضِيقَةِ سَيَعُودُ الْمَسِيحُ لِيَخْتَطِفَ كَنِيسَتَهُ وَيُقِيمَ الْقِدِّيسِينَ الرَاقِدِينَ وَيُعْلِنَ دَيْنُونَةَ اللهِ الْعَادِلَةَ فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ. ثُمَّ سَيَنْزِلُ الْمَسِيحُ إِلَى الأَرْضِ مَعَ قِدِّيسِيهِ الْمُمَجَّدِينَ وَيَخُوضُ مَعْرَكَةَ هَرْمَجَدُّونَ وَيُقَيِّدُ الشَيْطَانَ، وَيُقِيمُ مَمْلَكَةً سِيَاسِيَّةً حَوْلَ الْعَالَمِ يَحْكُمُهَا يَسُوعُ بِنَفْسِهِ عَلَى مَدَى أَلْفِ سَنَةٍ، وَسَيَكُونُ مَقَرُّهَا أُورُشَلِيمَ. وَفِي نِهَايَةِ هَذا الْمُلْكِ الأَلْفِيِّ سَيُحَلُّ الشَيْطَانُ، وَسَيَقُومُ تَمَرُّدٌ كَبِيرٌ عَلَى الْمَسِيحِ وَمَلَكُوتِهِ، ثُمَّ سَيَتَدَخَّلُ اللهُ بِدَيْنُونَتِهِ الْمُتَّقِدَةِ وَيُنْقِذُ الْمَسِيحَ وَالْقِدِّيسِينَ، ثُمَّ تَكُونُ الْقِيَامَةُ الأَخِيرَةُ وَالدَيْنُونَةُ الأَخِيرَةُ، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ بِدَايَةَ النِظَامِ الأَبَدِيِّ للتَارِيخِ.

تَمَّ وَصْفُ هَذِهِ الْمَدَارِسِ الْفِكْرِيَّةِ بِاخْتِصَارٍ وَفْقًا لِعَلاقَتِهَا بِفَتْرَةِ الأَلْفِ سَنَةٍ. مَرَّةً أُخْرَى، دَعُونِي أُلَخِّصُ مَدْرَسَةَ اللَاأَلْفِيَّةِ، وَالَتِي تَعْنِي أَنَّ الْمُلْكَ الأَلْفِيَّ لَيْسَ فَتْرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ حَرْفِيَّةٍ. أَمَّا الْمَدارِسُ الثَلاثُ الأُخْرَى فَتُؤْمِنُ بِوُجُودِ أَلْفِ سَنَةٍ حَرْفِيَّةٍ. وَالمُلْكُ الأَلْفِيُّ بِحَسَبِ مَدْرَسَةِ مَا قَبْلَ الأَلْفِيَّةِ التَارِيخِيَّةِ، كَمَا قُلْنَا، سَيَتِمُّ فِي مَرْحَلَةٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ حَيْثُ يَمْلِكُ فِيهَا الْمَسيحُ طَوَالَ أَلْفِ سَنَةٍ عَلَى الأَرْضِ. سَوْفَ يُقَيَّدُ الشَيْطَانُ ثُمَّ سَيُحَلُّ زَمَانًا يَسِيرًا، وَسَتَكُونُ مَعْرَكَةُ هَرْمَجَدُّونُ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ. أَمَّا مَدْرَسَةُ مَا بَعْدَ الأَلْفِيَّةِ فَتَرَى أَنَّ الْكَنِيسَةَ سَتَمُرُّ فِي مَرْحَلَةِ ازْدِهَارٍ عَظِيمٍ تدَومُ أَلْفَ سَنَةٍ، وَلَمْ يَحِنْ أَوَانُهَا بَعْدُ. وَعِنْدَمَا يَحِينُ أَوَانُهَا، سَيَمْلِكُ الْمَسِيحُ طَوَالَ أَلْفِ سَنَةٍ تَعُودُ بِالْفَائِدَةِ الْكَبِيرَةِ عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ تَكُونُ الضِيقَةُ ويَظْهَرُ ضِدُّ الْمَسِيحِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ.

أَظُنُّ أَنَّكُمْ كَوَّنْتُمْ فِكْرَةً عَنِ الأَمْرِ. وَمَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ مُؤَيِّدُو نَظَرِيَّةِ التَحْقِيقِ الْمَاضَوِيِّ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ هُوَ أَنَّ مُؤَيِّدِي التَحْقِيقِ الْمَاضَوِيِّ الْكَامِلِ لِلنُبُوَّاتِ لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ مُلْكٍ أَلْفِيٍ، بَلْ يَعْتَبِرُونَ أَنَّهُ قَدْ تَمَّ. أَمَّا مُؤَيِّدُو التَحْقِيقِ الْمَاضَوِيِّ الْجُزْئِيِّ لِلنُبُوَّاتِ فَيَمِيلُ الْبَعْضُ مِنْهُمْ وَلَيْسَ كُلَّهُمْ إِلَى تَأْيِيدِ مَدْرَسَةِ مَا بَعْدَ الأَلْفِيَّةِ أَوِ اللاأَلْفِيَّةِ. لَكِنَّ مُعْظَمَهُمْ يُؤَيِّدُ مَدْرَسَةَ مَا بَعْدَ الأَلْفِيَّةِ، وَيَتَوَقَّعُونَ أَنْ تَتَحَقَّقَ النُبُوَّاتُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ نَظْرَةً تَفَاؤُلِيَّةً لِتَأْثِيرِ الْكَنِيسَةِ فِي التَارِيخِ. أَمَّا سَبَبُ وُجُودِ هَذِهِ الْمَدَارِسِ الْفِكْرِيَّةِ الْمُتَنَافِسَةِ، أَيِ اللاأَلْفِيَّةِ وَمَا بَعْدَ الأَلْفِيَّةِ وَالتَدْبِيرِيَّةِ وَمَا قَبْلَ الأَلْفِيَّةِ التَارِيخِيَّةِ وَالتَحْقِيقِ الْمَاضَوِيِّ الْكَامِلِ، فَهُوَ صُعُوبَةُ تَحْدِيدِ دَلَالَاتِ النُبُوَّاتِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ بِشَكْلٍ دَقِيقٍ. لِذَا يَسْتَمِرُّ أَعْظَمُ الْمُفَكِّرِينَ فِي الْكَنِيسَةِ فِي دِرَاسَةِ هَذِهِ النُبُوَّاتِ. لا يَسَعُنَا إِدْرَاكُ الأُمُورِ بَعْدَ تَحْقِيقِهَا. لِذَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ دَائِمًا يَقِظِينَ وَمُتَنَبِّهِينَ لِمُرَاقَبَةِ مَجْرَى التَارِيخِ بَيْنَمَا نَأْخُذُ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّ النُبُوَّاتِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ.