المحاضرة 12: الألفية

نصل الآن إلى ختام نظرتنا العامة الوجيزة إلى المسائل المتعلقة بنهاية الأزمنة. إنه حتماً لمن التقصير أن أمتنع عن إعطائكم موجزاً بسيطاً عن المواقف الأخروية المختلفة المتنافسة لتلقى قبولاً في أيامنا، وهي متعلقة بكيفية فهمنا لتعليم العهد الجديد عن الألفية. بعد قليل، سنتطرق إلى النص الكتابيّ الذي يتناول هذا الموضوع. لكنكم تسمعون مدارس الفكر المختلفة تصف الموقف اللاهوتي باختزال، فنقول إن أحدهم يؤيد نظرية ما قبل الألفية، وأن أحدهم يؤيد نظرية ما بعد الألفية، أو أن آخر يؤيد نظرية اللا ألفية، وآخر تدبيري وهي فئة خاصة في فئة ما قبل الألفية، إلى آخره. هذه المواقف اللاهوتية والأخروية المختلفة تتوقف على كيفية فهم هؤلاء للألفية. لكن هذه المسائل لا تقتصر ببساطة على الألفية فحسب، بل إنها تمثّل نظرة مختلفة تماماً للمسائل الأخروية، إلى جانب كيفية فهم أحدهم لمسألة الألفية.

لكن فلنلقِ نظرة على النص الذي أثار جدلاً كبيراً في ما يتعلق بالألفية، نجده في الفصل 20 من سفر الرؤيا ابتداءً من الآية 1. نقرأ "وَرَأَيْتُ مَلاَكاً نَازِلاً مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُ مِفْتَاحُ الْهَاوِيَةِ، وَسِلْسِلَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى يَدِهِ. فَقَبَضَ عَلَى التِّنِّينِ، الْحَيَّةِ الْقَدِيمَةِ، الَّذِي هُوَ إِبْلِيسُ وَالشَّيْطَانُ، وَقَيَّدَهُ أَلْفَ سَنَةٍ". هذه أول إشارة إلى فترة الألف سنة، وهي تتعلق بتقييد الشيطان، حيث تم أسر الشيطان بحسب الصورة هنا في سفر الرؤيا طوال فترة ألف سنة..."وَطَرَحَهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ لِكَيْ لاَ يُضِلَّ الأُمَمَ فِي مَا بَعْدُ، حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ لاَ بُدَّ أَنْ يُحَلَّ زَمَاناً يَسِيراً". إذاً كوّنتم فكرة عن التسلسل الزمني حتى الآن، سيتم تقييد الشيطان وأسره، ثم سيتم طرحه في الهاوية طوال ألف سنة، وعندما تمضي الألف سنة سيتم حلّه زماناً يسيراً.

ثم نقرأ "وَرَأَيْتُ عُرُوشاً فَجَلَسُوا عَلَيْهَا، وَأُعْطُوا حُكْماً. وَرَأَيْتُ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ وَمِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلْوَحْشِ وَلاَ لِصُورَتِهِ، وَلَمْ يَقْبَلُوا السِّمَةَ عَلَى جِبَاهِهِمْ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ، فَعَاشُوا وَمَلَكُوا مَعَ الْمَسِيحِ أَلْفَ سَنَةٍ.  وَأَمَّا بَقِيَّةُ الأَمْوَاتِ فَلَمْ تَعِشْ حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. هَذِهِ هِيَ الْقِيَامَةُ الأُولَى. مُبَارَكٌ وَمُقَدَّسٌ مَنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْقِيَامَةِ الأُولَى. هَؤُلاَءِ لَيْسَ لِلْمَوْتِ الثَّانِي سُلْطَانٌ عَلَيْهِمْ، بَلْ سَيَكُونُونَ كَهَنَةً لِلَّهِ وَالْمَسِيحِ، وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ أَلْفَ سَنَةٍ. ثُمَّ مَتَى تَمَّتِ الأَلْفُ السَّنَةِ يُحَلُّ الشَّيْطَانُ مِنْ سِجْنِهِ، وَيَخْرُجُ لِيُضِلَّ الأُمَمَ الَّذِينَ فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ: جُوجَ وَمَاجُوجَ، لِيَجْمَعَهُمْ لِلْحَرْبِ، الَّذِينَ عَدَدُهُمْ مِثْلُ رَمْلِ الْبَحْرِ. فَصَعِدُوا عَلَى عَرْضِ الأَرْضِ، وَأَحَاطُوا بِمُعَسْكَرِ الْقِدِّيسِينَ وَبِالْمَدِينَةِ الْمَحْبُوبَةِ، فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُمْ. وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَاراً وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. ثُمَّ رَأَيْتُ عَرْشاً عَظِيماً أَبْيَضَ..." إلى آخره. ثم يصف الدينونة.

إذاً، نسمع هنا عن فترة مؤقتة من التاريخ تدوم ألف سنة، حيث يتم تقييد الشيطان ويملك المسيح مع قديسيه، وبعد ذلك يتم حلّ الشيطان الذي سيشن حرباً ضد المسيح والقديسين. وبالطبع، نتيجة الحرب محسومة. وما لا شك فيه هو أن المسيح هو من سيغلب وسيملك مع قديسيه إلى الأبد. كيف ستكون فترة الألف سنة تلك؟ هذا هو المكان الوحيد الذي نجد فيه إشارة محددة إلى الأمر في الكتاب المقدس. لكن بالطبع، لا تجدونها إلا إذا أخذتم الأمر على محمل الجد. كيف تنظر المدارس الأخروية المختلفة إلى الأمر؟

فلنبدأ بما يعرف بالموقف اللا ألفيّ. كلمة "لا ألفيّ" تعني حرفياً "لا ألفية". الإنسان اللاأخلاقي هو إنسان لا يملك أخلاقاً. كلمة "لا" تدل على النفي. ويعتبر مؤيدو هذا الموقف أن الألفية التي تم وصفها هنا ليست حرفياً فترة ألف سنة، لكنه يتكلم بلغة مجازية عن تاريخ الكنيسة. يؤمن الموقف اللا ألفي بأن عمر الكنيسة هو عمر ملكوت الله، وأن ملكوت الله بدأ مع أول ظهور للمسيح، وهو بمجيئه تمم نبوّات يوحنا المعمدان الذي قال إن ملكوت الله قريب، وإنه قريب جداً. عندما ظهر يسوع على الساحة، قال "ملكوت الله في وسطكم"، وقال "إِنْ كُنْتُ بِإِصْبِعِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ". إذاً، في الصعود، صعد المسيح وجلس عن يمين الله. ذهب ليتم تتويجه كملك الملوك ورب الأرباب. إذاً، الموقف اللا ألفيّ مبني على القناعة بأن ملكوت الله ليس أمراً موجوداً تماماً في المستقبل، بل إنه بدأ سابقاً. لقد بدأ، وهو بانتظار أن يكتمل.

لكن نبوات العهد القديم التي تشير إلى مستقبل إسرائيل وإلى فداء إسرائيل الكامل والنهائي فهي إنما تشير إلى الكنيسة. بحسب الموقف اللا ألفيّ، الكنيسة هي ملكوت الله، والكنيسة تتمم نبوات العهد القديم، والكنيسة تشمل الأمم واليهود. غير أن الموقف اللا ألفي ترك مجالاً لتعامل الله مع إسرائيل العرقية، مع الشعب اليهودي في المستقبل، لكن ليس في برنامج منفصل بما يجعل الله يملك خطة فداء لليهود وخطة فداء أخرى للأمم. وإنما نبوءة الكتاب المقدس بكاملها تشير إلى الكنيسة وملكوت المسيح وهي تتضمن اليهود والأمم. أيضاً يعتبر مؤيدو اللا ألفية أنه بما أن المجتمع المسيحي هو إظهار للملكوت فسيكون له تأثير إيجابي مستمر في الثقافة، كما أن دور الكنيسة في العالم سيقضي بأن تكون مصدر بركة، وتحسين للوضع البشري. على مر التاريخ سيكون للمسيح وكنيسته تأثير إيجابي في العالم.

فـ"جون كالفن" يعلّم مثلاً أن المهمة الأسمى للكنيسة بين بدايتها واكتمالها في نهاية الأزمنة، هي الشهادة لملك المسيح غير المنظور. قال إن مهمة الكنيسة تقضي بجعل الملكوت غير المنظور منظوراً؟ تذكرون أنه حين ترك يسوع الأرض كان آخر سؤال طرحه عليه تلاميذه "يَا رَبُّ هَلْ فِي هَذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟" وبمَ أجاب يسوع؟ لم يجب: "كم مرة عليَّ أن أقول لكم إنه لن يكون لإسرائيل ملك؟" لا، بل قال: "الأوقات والأزمنة في سلطان أبي"، ثم تابع قائلاً: " وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ". يؤمن مؤيدو نظرية اللا ألفية بأن مهمة الكنيسة هي أن تشهد للملكوت غير المنظور الموجود أصلاً. الرب يسوع المسيح يملك الآن. إنه رب الأرباب وملك الملوك. ونحن في عصر الملكوت لكن الملكوت لم يكتمل بعد. كما أن اللا ألفية تترقب ارتداداً مستقبلياً، بحيث أنه قبيل نهاية الأزمنة ستصبح الكنيسة فاسدة، فاسدة جداً إلى أن ينتهي بها الأمر في حالة ارتداد جذري لم يشهدها العالم حتى هذا اليوم في تاريخ الكنيسة.

هذا واحد من الأسباب التي تدفع الناس إلى الاعتقاد أننا على مشارف الساعات الأخيرة من التاريخ، نظراً لانتشار الارتداد في الكنيسة المسيحية الذي بدأ مع حلول ليبرالية القرن التاسع عشر ببرنامج الإلحاد. بأي حال، هم يقولون إن هذا الارتداد سيؤدي إلى مرحلة آلام عظيمة لدى الأشخاص الأمناء للمسيح. ومرحلة الآلام هذه هي مرحلة الضيق العظيم بحسب مفهومهم، حيث سيظهر ضد المسيح في نهاية الأزمنة، وسيعاني القديسون آلاماً عظيمة خلال فترة عمل ضد المسيح الذي سيضطهد شعب الله، ولن تنجو الكنيسة من فترة الضيق هذه في ما يُعرف بالاختطاف قبل الضيق. وفي نهاية هذه الفترة سيعود المسيح وينتصر على قوى الشر وينهي عمل الفداء، الذي يتضمن تجديد الخلقية كلها مع السماوات الجديدة والأرض الجديدة. لكن هذه الأمور تتم جميعها في فترة زمنية غير محددة، لن تكون ألف سنة حرفياً لأن مذهب اللا ألفية المبني على أساس افتراض ابتداء الألفية في العهد الجديد مع انتصار المسيح بصليبه وقيامته وصعوده. إذاً، ملك الألفية يدوم لفترة غير محددة منذ أن يصبح المسيح ملكاً إلى أن يعود في المستقبل، سواء كان ذلك بعد ألف سنة أو ألفي سنة أو ثلاثة آلاف سنة أو أربعة آلاف سنة. إذاً، الألفية تمثيل رمزي لهذه الفترة الانتقالية.

من ناحية أخرى، لدينا الفئة التدبيرية للمذهب الأخروي ما قبل الألفي. وتعتبر النظرة التدبيرية أننا لا نعيش الآن في عصر الملكوت، لكننا في عصر الكنيسة. وعصر الكنيسة هو بمثابة فترة فاصلة ما بين فترة العهد القديم وحلول الملكوت. يعتبر التدبيريّ أن حلول الملكوت سيتم في المستقبل، وهذا واحد من الأمور التي أثارت جدلاً كبيراً في إطار فهم تعليم يسوع في العظة على الجبل. يؤمن بعض التدبيريين التقليديين إن لم يكن معظمهم بأن المبادئ التي علّمها يسوع في العظة على الجبل لا علاقة لها بالكنيسة المعاصرة، وأنها مبادئ متعلقة بالملكوت لن تتحقق إلا في نهاية الأزمنة بعد أن يعود المسيح ليؤسس ملكوته.

أيضاً، إن نظرية ما قبل الألفية، وكما ذكرت سابقاً، تؤمن بوجود مخططين مختلفين في تاريخ الفداء، واحد لإسرائيل وآخر للكنيسة. إذاً، إن نبوات العهد القديم جميعها وعدداً كبيراً من نبوات العهد الجديد التي تتكلم مثلاً عن ظهور ضد المسيح وعن ظهور إنسان الإثم في الهيكل، إلى آخره، يتطلع التدبيريون إلى مستقبل لشعب إسرائيل بعد اختطاف الكنيسة من العالم، حيث سيُعاد بناء الهيكل وتقديم الذبائح، فيأتي المسيح ويردّ اليهود إليه، سيكون هناك مخطط فداء لليهود مختلف عن مخطط فداء الكنيسة. والكنيسة ليست إسرائيل الجديدة، الكنيسة كيان مختلف تماماً عن إسرائيل. الكثير من نبوات العهد القديم التي تتطلع إلى فداء إسرائيل في المستقبل، وبحسب التدبيريين، لم تتحقق بأي شكل من الأشكال في كنيسة العهد الجديد، لكنها لا تزال بانتظار أن تتحقق بشكل نهائي حين يتعامل الله مع اليهود. وكما ذكرت، يتطلع التدبيريون إلى أن يتم الاختطاف قبل الضيق. وبعد ذلك، سيكون ملك ألفي حين يعود المسيح، وبعد هذه الألفية يكون الانتصار على إبليس، لكن لن يقيَّد إبليس إلا بحلول ملك الألفية.

أما نظرية ما بعد الألفية التي تختلف عن النظريات الأخرى فتؤمن بأن الكنيسة هي إسرائيل. إنها تتفق مع نظرية اللا ألفية في هذا الصدد، لكنها تعتبر أن ملكوت الله هو ملكوت فداء روحي، وليس برنامج تحوّل أرضي أو سياسي. لكن نظرية ما بعد الألفية ومن بين سائر النظريات هي الأكثر تفاؤلاً في ما يتعلق بتأثير الكنيسة في المجتمع. وهي تعتبر أن تأثير الكنيسة سيحوّل المجتمع. ومع نجاح المأمورية العظمى ستحل بركة عظيمة على العالم نتيجة إعلان الإنجيل وتأثير الكنيسة. وبعد ألف سنة حرفياً سيأتي يسوع في نهاية الألفية بالدينونة الأخيرة. إذاً، بالنسبة إلى معظم مؤيدي نظرية ما بعد الألفية، إن الملك الألفي للمسيح لم يبدأ بعد لكنه سيُستعلن، وسيُظهر انتصاراً كبيراً لتأثير المسيحية في العالم. وبالتالي فإن قوة الإنجيل والكنيسة ستتعاظم أكثر فأكثر بدلاً من أن تضعف شيئاً فشيئاً. إذاً، بعض الأشخاص ممن ينتمون إلى فئات مختلفة من مؤيدي نظرية ما بعد الألفية يتطلعون إلى حلول ملكوت الله على الأرض خلال فترة زمنية لاحقة تتم فيها هذه الأمور.

في ما يتعلق بنظرية ما قبل الألفية التاريخية، وسبق أن ميّزنا بين ما قبل الألفية وما قبل الألفية التدبيرية. لأن هذا التمييز موجود ضمن النظريات الأخروية. ثمة عقيدة كلاسيكية متعلقة بما قبل الألفية تختلف عن التدبيرية في بعض النواحي. بدأت الحركة التدبيرية في القرن التاسع عشر رغم أنها تفترض ببساطة أنها تستعيد حق الكتاب المقدس والكنيسة الأولى المتعلق بالأخرويات، لكن على مر التاريخ لطالما كان يوجد أشخاص يؤمنون بأن المسيح سيعود قبل الألفية، وسيؤسس ملكوته على مدى ألف سنة، وبعد ذلك سيكون ضيق عظيم والمعركة الأخيرة. في هذا الصدد، تعتبر نظرية ما قبل الألفية التاريخية أن عصر كنيسة العهد الجديد هو المرحلة الأولية لملكوت المسيح بحسب نبوة العهد القديم.

ثانياً، إن كنيسة العهد الجديد ستحرز انتصارات متفرقة عبر التاريخ، لكنها ستفشل في مهمتها في نهاية المطاف، وستفقد تأثيرها وتصبح فاسدة لدرجة الارتداد بينما يزداد الشر والفساد حول العالم في نهاية عصر الكنيسة، ثم ستمر الكنيسة في مرحلة محنة ومخاض عالمية لم يسبق لها مثيل، هذا ما يُعرف طبعاً بفترة الضيق العظيم، ما يشكّل نهاية التاريخ المعاصر، كما نعلم. وبعد الضيق سيعود المسيح ليختطف كنيسته ويقيم القديسين الراقدين ويعلن دينونة الله العادلة في طرفة عين، ثم سينزل المسيح إلى الأرض مع قديسيه الممجدين ويخوض معركة هرمجدون ويقيد الشيطان، ويقيم مملكة سياسية حول العالم يحكمها يسوع بنفسه على مدى ألف سنة، وسيكون مقرّها أورشليم. وفي نهاية هذا الملك الألفي سيُحَل الشيطان، وسيقوم تمرد كبير على المسيح وملكوته، ثم سيتدخل الله بدينونته المتقدة وسيخلص المسيح والقديسين، ثم تكون القيامة الأخيرة والدينونة الأخيرة، وتكون بذلك بداية النظام الأبدي للتاريخ.

تم وصف هذه النظريات باختصار وفق علاقتها بالألفية. سألخص برؤوس أقلام النظرية اللا ألفية، تعني أن الألفية ليست حرفياً فترة ألف سنة، أما النظريات الثلاث الأخرى فتؤمن بوجود ألفية فعلية، وملك الألفية بحسب نظرية ما قبل الألفية التاريخية. وكما قرأنا، سيتم في مرحلة مستقبلية يملك فيها المسيح طوال ألف سنة على الأرض، سوف يقيَّد الشيطان ثم سيُحلّ زماناً يسيراً، وستقوم معركة هرمجدون. أما نظرية ما بعد الألفية فتعتبر أن الكنيسة ستمر في مرحلة ازدهار عظيم تدوم ألف سنة، ولم يحن أوانها بعد. وعندما يحين أوانها، سيملك المسيح طوال ألف سنة تعود بالفائدة الكبيرة على العالم كله. وبعد ذلك يكون الضيق ويظهر ضد المسيح وما إلى ذلك.

أظن أنكم كوّنتم فكرة عن الأمر. وما يختلف عليه التحقيقيون في هذا الصدد هو أن مؤيدي مذهب التحقيق الكامل للنبوات لا يؤمنون بوجود ألفية، بل يعتبرون أنها قد تمت. أما مؤيدو مذهب التحقيق الجزئي للنبوات فيميل البعض منهم وليس الجميع إلى تأييد نظرية ما بعد الألفية أو اللا ألفية. لكن معظمهم يؤيد نظرية ما بعد الألفية، ويتوقع أن تتحقق النبوات في المستقبل، لكنه يملك نظرية تفاؤلية لتأثير الكنيسة في التاريخ. أما سبب وجود هذه المواقف المتنافسة، أي اللا ألفية وما بعد الألفية والتدبيرية وما قبل الألفية التاريخية والتحقيق، فهو صعوبة تحديد إشارات النبوات المستقبلية بشكل دقيق، لذا يستمر أعظم المفكرين في الكنيسة في دراسة هذه النبوات. لا يسعنا إدراك الأمور بشكل متأخر لكي نراها بوضوح. ويجب علينا أن نكون دائماً يقظين ومتنبهين، وأن نراقب مسار التاريخ بينما نأخذ نبوات الكتاب المقدس المستقبلية على محمل الجد.