المحاضرة 10: الوَحْشُ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 10: الوَحْشُ

لَقَدْ أَلْقَيْنَا نَظْرَةً عَلَى شَخْصِيَّةِ ضِدِّ الْمَسِيحَ الْغَامِضَةِ. وَفِي مُحَاضَرَتِنَا السَابِقَةِ رَأَيْنَا مَا يُعَلِّمُهُ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ فِي رِسَالَةِ يُوحَنَّا بِشَأْنِ ضِدِّ الْمَسِيحِ، بِالإِضَافَةِ إِلَى مَا يَقُولُهُ بُولُسُ عَنْ إِنْسَانِ الْخَطِيَّةِ أَوْ إِنْسَانِ الإِثْمِ فِي رِسَالَةِ تَسَالُونِيكِي الثَانِيَةِ. وَكَمَا ذَكَرْتُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، إِنَّنَا نَرَى تَرَابُطًا بَيْنَ مَفْهُومِ ضِدِّ الْمَسِيحِ وَإِنْسَانِ الْخَطِيَّةِ وَالْوَحْشِ الَذِي يَصِفُهُ لَنَا سِفْرُ الرُؤْيَا. وَالْيَوْمَ سَنُرَكِّزُ عَلَى سِفْرِ الرُؤْيَا وَتَعْلِيمِهِ عَنِ الْوَحْشِ.

نَجِدُ ذَلِكَ فِي الأَصْحَاحِ 13 مِنْ سِفْرِ الرُؤْيَا بَدْءًا بِالآيَةِ الأُولَى حَيْثُ نَقْرَأُ مَا يَلِي:

ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى رَمْلِ الْبَحْرِ، فَرَأَيْتُ وَحْشًا طَالِعًا مِنَ الْبَحْرِ لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ وَعَشَرَةُ قُرُونٍ، وَعَلَى قُرُونِهِ عَشَرَةُ تِيجَانٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِ اسْمُ تَجْدِيفٍ. وَالْوَحْشُ الَّذِي رَأَيْتُهُ كَانَ شِبْهَ نَمِرٍ، وَقَوَائِمُهُ كَقَوَائِمِ دُبٍّ، وَفَمُهُ كَفَمِ أَسَدٍ. وَأَعْطَاهُ التِّنِّينُ قُدْرَتَهُ وَعَرْشَهُ وَسُلْطَانًا عَظِيمًا. وَرَأَيْتُ وَاحِدًا مِنْ رُؤُوسِهِ كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ لِلْمَوْتِ، وَجُرْحُهُ الْمُمِيتُ قَدْ شُفِيَ. وَتَعَجَّبَتْ كُلُّ الأَرْضِ وَرَاءَ الْوَحْشِ، وَسَجَدُوا لِلتِّنِّينِ الَّذِي أَعْطَى السُّلْطَانَ لِلْوَحْشِ، وَسَجَدُوا لِلْوَحْشِ قَائِلِينَ: مَنْ هُوَ مِثْلُ الْوَحْشِ؟ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَارِبَهُ؟ وَأُعْطِيَ فَمًا يَتَكَلَّمُ بِعَظَائِمَ وَتَجَادِيفَ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانًا أَنْ يَفْعَلَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا. فَفَتَحَ فَمَهُ بِالتَّجْدِيفِ عَلَى اللهِ، لِيُجَدِّفَ عَلَى اسْمِهِ وَعَلَى مَسْكَنِهِ وَعَلَى السَّاكِنِينَ فِي السَّمَاءِ. وَأُعْطِيَ أَنْ يَصْنَعَ حَرْبًا مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَيَغْلِبَهُمْ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَأُمَّةٍ. فَسَيَسْجُدُ لَهُ جَمِيعُ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ، الَّذِينَ لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُمْ مَكْتُوبَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْحَمَلِ الَّذِي ذُبِحَ.

ثُمَّ نَقْرَأُ الْمَزِيدَ عَنِ الْوَحْشِ فِي الآيَةِ 11:

ثُمَّ رَأَيْتُ وَحْشًا آخَرَ طَالِعًا مِنَ الأَرْضِ، وَكَانَ لَهُ قَرْنَانِ شِبْهُ خَرُوفٍ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ كَتِنِّينٍ، وَيَعْمَلُ بِكُلِّ سُلْطَانِ الْوَحْشِ الأَوَّلِ أَمَامَهُ، وَيَجْعَلُ الأَرْضَ وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا يَسْجُدُونَ لِلْوَحْشِ الأَوَّلِ الَّذِي شُفِيَ جُرْحُهُ الْمُمِيتُ، وَيَصْنَعُ آيَاتٍ عَظِيمَةً، حَتَّى إِنَّهُ يَجْعَلُ نَارًا تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الأَرْضِ قُدَّامَ النَّاسِ، وَيُضِلُّ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ بِالآيَاتِ الَّتِي أُعْطِيَ أَنْ يَصْنَعَهَا أَمَامَ الْوَحْشِ، قَائِلًا لِلسَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَصْنَعُوا صُورَةً لِلْوَحْشِ الَّذِي كَانَ بِهِ جُرْحُ السَّيْفِ وَعَاشَ. وَأُعْطِيَ أَنْ يُعْطِيَ رُوحًا لِصُورَةِ الْوَحْشِ، حَتَّى تَتَكَلَّمَ صُورَةُ الْوَحْشِ وَيَجْعَلَ جَمِيعَ الَّذِينَ لاَ يَسْجُدُونَ لِصُورَةِ الْوَحْشِ يُقْتَلُونَ. وَيَجْعَلَ الْجَمِيعَ: الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ، وَالأَغْنِيَاءَ وَالْفُقَرَاءَ، وَالأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ، تُصْنَعُ لَهُمْ سِمَةٌ عَلَى يَدِهِمِ الْيُمْنَى أَوْ عَلَى جِبْهَتِهِمْ، وَأَنْ لاَ يَقْدِرَ أَحَدٌ أَنْ يَشْتَرِيَ أَوْ يَبِيعَ إِلَّا مَنْ لَهُ السِّمَةُ أَوِ اسْمُ الْوَحْشِ أَوْ عَدَدُ اسْمِهِ. هُنَا الْحِكْمَةُ!" (هُنَا الرِسَالَةُ الْغَامِضَةُ الْمَلِيئَةُ بِالأَلْغَازِ)، "مَنْ لَهُ فَهْمٌ فَلْيَحْسِبْ عَدَدَ الْوَحْشِ، فَإِنَّهُ عَدَدُ إِنْسَانٍ، وَعَدَدُهُ: سِتُّ مِئَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ.

أَوَّلُ أَمْرٍ نَعْرِفُهُ عَنِ الْوَحْشِ هُوَ أَنَّهُ طَالِعٌ مِنَ الْبَحْرِ. وَتَمَّ وَصْفُهُ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ عَشَرَةَ قُرُونٍ وَتِيجَانًا وَأُمُورًا مُمَاثِلَةً. وَرَأَيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ هُنَاكَ إِشَارَاتٍ إِلَى ذَاكَ الَذِي كَانَ حَيًّا وَالَذِي كَانَ مَلِكًا فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ فِي الأَصْحَاحِ 13، وَالَذِي تَطَابَقَ مَعَ الإِمْبْرَاطُورِ نِيرُونَ فِي الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُومَانِيَّةِ. إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْوَصْفِ وَالْقُوَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ الَتِي يَمْلِكُهَا الْوَحْشُ الطَالِعُ مِنَ الْبَحْرِ الَذِي يَمْلِكُ سَبْعَةَ رُؤُوسٍ وَمَا إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ مُعْظَمَ الْعُلَمَاءِ يُؤَكِّدُونَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى قُوَّةِ رُومَا الْعَسْكَرِيَّةِ، وَأَنَّ الرُؤُوسَ السَبْعَةَ إِشَارَةٌ إِلَى الْجِبَالِ السَبْعَةِ أَوِ التِلالِ السَبْعِ. إِحْدَى الإِشَارَاتِ الْقَدِيمَةِ الَتِي نَجِدُهَا فِي الْكُتُبِ الأَدَبِيَّةِ فِي الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ إِلَى مَدِينَةِ رُومَا هِيَ أَنَّ رُومَا كَانَتْ تُدْعَى عَادَةً "سِيبْتَا مُونْتِيُوم" (Septa Montium)، أَوْ بِبَسَاطَةٍ الْجِبَالَ السَبْعَةَ، لأَنَّهَا كَانَت مُقَامَةً عَلَى سَبْعَةِ جِبَالٍ. وَمِنْ هَذِهِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُومَانِيَّةِ أَوِ الْقُوَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ الرُومَانِيَّةِ تَنْبَثِقُ شَخْصِيَّةُ الْوَحْشِ الْغَامِضَةُ الَذِي يَقُومُ بِكُلِّ تِلْكَ الأَعْمَالِ الشِرِّيرَةِ. وَهُوَ يُعْرَفُ بِرَمْزِهِ السِرِّيِّ وَالْغَرِيبِ 666، الَذِي يُسَمَّى سِمَةَ الْوَحْشِ.

عَبْرَ تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ، سَعَى النَاسُ إِلَى تَحْدِيدِ هُوِيَّةِ الْوَحْشِ الْمَعْرُوفِ بِالرَقْمِ 666، وَأَنَّ الْوَحْشَ هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ. هُنَا مَرَّةً أُخْرَى، نَرَى التَأَرْجُحَ بَيْنَ قُوَّةِ الْمُؤَسَّسَةِ وَهِيَ عَلَى الأَرْجَحِ السُلُطَاتُ الرُومَانِيَّةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَقُوَّةِ الْمُؤَسَّسَةِ الْمُجَسَّدَةِ فِي إِنْسَانٍ وَاحِدٍ مِثْلِ الْمَلِكِ أَوِ الإِمْبِرَاطُورِ أَوْ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ يَقُومُ بِدَوْرٍ تَمْثِيلِيٍّ. وَنَظَرًا لِلنَشَاطِ الدِينِيِّ الَذِي يُرَافِقُ شَخْصِيَّةَ الْوَحْشِ وَضِدَّ الْمَسِيحِ، حَاوَلَ الْبَعْضُ عَبْرَ التَارِيخِ أَنْ يُبَرْهِنَ أَنَّ ضِدَّ الْمَسِيحِ سَيَكُونُ رَجُلًا مِنَ الإِكْلِيرُوسِ أَوْ رَجُلَ دِينٍ شَهِيرًا سَيَسْعَى إِلَى أَنْ يَكُونَ مَسِيحًا مُزَيَّفًا أَوْ بَدِيلًا لِلْمَسِيحِ. فِي فَتْرَةِ الإِصْلاحِ، الشَخْصُ الَذِي كَانَ مُرَشَّحًا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ لِيَكُونَ ضِدَّ الْمَسِيحِ هُوَ الْبَابَا. وَكَانَ لُوثَرُ وَكَالْفِن مُقْتَنِعَيْنِ بِأَنَّ بَابَا رُومَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، وَأَنَّ كَنِيسَةَ رُومَا الْكَاثُولِيكِيَّةَ هِيَ مُؤَسَّسَةُ ضِدِّ الْمَسِيحِ الْمُجَسَّدَةُ فِي ذَاكَ الَذِي يُسَمِّي نَفْسَهُ نَائِبَ الْمَسِيحِ عَلَى الأَرْضِ، أَيِ الْبَدِيلَ عَنِ الرَبِّ يَسُوعَ فِي الْكَنِيسَةِ، أَيِ الْبَابَا. وَكَانَتْ تِلْكَ الْحِقْبَةُ فَتْرَةَ فَسَادٍ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مَثِيلٌ فِي الْمَنْصِبِ الْبَابَوِيِّ، وَهُوَ أَمْرٌ يُوَافِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْمُؤَرِّخِينَ بِمَا فِي ذَلِكَ مُؤَرِّخُو الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ فِي أَيَّامِ بَابَوَاتِ بُورْجْيا. حَتَّى بِحُلُولِ الْقَرْنِ السَابِعَ عَشَرَ، فِي إِقْرَارِ إِيمَانِ وَسْتْمِنِسْتَر، أَصْبَحَ الأَمْرُ بَنْدًا مِنْ بُنُودِ الْعَقِيدَةِ. فِي الْوَاقِعِ، تَمَّ إِدْرَاجُ الأَمْرِ فِي إِقْرَارِ إِيمَانِ وَسْتْمِنِسْتَر حَيْثُ يَقُولُ بِالنَصِّ إِنَّ بَابَا رُومَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ.

وَمَعَ ذَلِكَ، هُنَاكَ عَدَدٌ قَلِيلٌ الْيَوْمَ مِمَّنْ يَقُولُونَ إِنَّ الصُورَةَ الْكِتَابِيَّةَ لِضِدِّ الْمَسِيحِ أَوِ الْوَحْشِ تَتَحَقَّقُ فِي الْبَابَا. وَآخَرُونَ بَحَثُوا عَنْ تَحْقِيقِهَا فِي قَادَةٍ عَسْكَرِيِّينَ مُقْتَدِرِينَ فِي الْقُوَّةِ وَالشَرِّ مِمَّنْ ظَهَرُوا عَبْرَ التَارِيخِ. وَفِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ كَانَ الأَشْخَاصُ الْمُرَشَّحُونَ لأَنْ يَكُونُوا ضِدَّ الْمَسِيحِ هُمْ جُوزِيف سْتَالِينْ وَمُوسُولِيني، لأَنَّكَ إِنْ تَرْجَمْتَ لَقَبَ مُوسُولِيني إِيلْ دُوتْشِي (Mussolini El Duche) بِطَرِيقَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّكَ تَحْصُلُ عَلَى الرَقْمِ 666. وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الشَخْصَ الَذِي كَانَ مُرَشَّحًا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ لِهَذَا الدَوْرِ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ هُوَ أَدُولْف هِتْلَر، وَذَلِكَ بِسَبَبِ إِبَادَتِهِ لِلشَعْبِ الْيَهُودِيِّ وَشَرِّهِ الَذِي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مَثِيلٌ. أَيْضًا، إِذَا قُمْتَ بِدِرَاسَةِ حَيَاةِ أَدُولْف هِتْلَر فَإِنَّكَ تَجِدُ أَنَّهُ فِي مُذَكَّرَاتِهِ الشَخْصِيَّةِ الْمُتَبَقِّيَةِ حَتَّى الْيَوْمِ وَالَتِي دَوَّنَهَا بِيَدِهِ كَتَبَ مَا يَلِي: "الْيَوْمَ أَقَمْتُ عَهْدًا مَعَ الشَيْطَانِ". وَالأَشْخَاصُ الَذِين كَانُوا قَرِيبِينَ مِنْ هِتْلَر، وَبَعْضُ أَتْبَاعِهِ الأَقْرَبِ إِلَيْهِ، كَانُوا مُنْخَرِطِينَ بِنَشَاطٍ فِي عِبَادَةِ الشَيْطَانِ. وَبِالطَبْعِ، الْقُدْرَةُ الْعَسْكَرِيَّةُ الْمُفَاجِئَةُ لِلْحَرْبِ الْخَاطِفَةِ كَانَتْ تُعْتَبَرُ شَيْطَانِيَّةً بِرُمَّتِهَا. وَلَكِنْ مَرَّةً أُخْرَى، مَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ، لَمْ يَعُدْ كَثِيرُونَ الآنَ يَعْتَبِرُونَ أَنَّ هِتْلَر هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ كَمَا كَانَ الْحَالُ فِي الأَجْيَالِ السَابِقَةِ.

مَرَّةً أُخْرَى، إِنِ اتَّبَعْنَا هَذِهِ الطَرِيقَةَ الَتِي كُنَّا نَتَكَلَّمُ عَنْهَا هُنَا فِي إِطَارِ دِرَاسَتِنَا لِلإِشَارَاتِ حَوْلَ الأُطُرِ الزَمَنِيَّةِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ، وَالإِشارَاتِ لِلأُطُرِ الزَمَنِيَّةِ فِي سِفْرِ الرُؤْيَا، وَظَلَلْنا نُصَارِعُ بِشَأْنِ اقْتِرَابِ وَقْتِ تَتْمِيمِ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنْ نُبُوَّاتِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، فَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّهُ مِنَ الْمُهِمِّ لَنَا أَنْ نُفَكِّرَ مَلِيًّا فِي مَسْأَلَةِ تَحْقِيقِ هَذِه النُبُوَّةِ فِي الْقَرْنِ الأَوَّلِ. مَكْتُوبٌ أَيْضًا أَنَّ إِنْسَانَ الْخَطِيَّةِ الآنَ يَعْمَلُ. ثَانِيًا، كَانَ رُوحُ ضِدِّ الْمَسِيحِ مَوْجُودًا بِالْفِعْلِ فِي الْعَالَمِ، وَقَدْ أَعْلَنَ يُوحَنَّا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ قَرِيبًا. ثَالِثًا، الأُسْلُوبُ اللُغَوِيُّ لِسِفْرِ الرُؤْيَا الَذِي يَتَكَلَّمُ عَنْ تِلْكَ الأُمُورِ الَتِي سَتَحْدُثُ قَرِيبًا، إِلَى جَانِبِ طَبِيعَةِ الأَشْكَالِ الأَدَبِيَّةِ الْوَصْفِيَّةِ الَتِي نَجِدُهَا فِي سِفْرِ الرُؤْيَا، وَالَتِي يَعْتَبِرُهَا مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا كُتِبَتْ بِنَوْعٍ مِنَ الرُمُوزِ بِهَدَفِ حِمَايَةِ الْمُجْتَمَعِ الْمَسِيحِيِّ الَذِي يَقْرَأُ تِلْكَ الْمَعْلُوماتِ مِنْ أَنْ يُكْشَفَ أَمْرُهُ وَيَتَعَرَّضَ لِلاضْطِهَادِ.

نَحْنُ نَعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ كَنِيسَةَ الْقَرْنِ الأَوَّلِ تَعَرَّضَتْ لاضْطِهَادٍ كَبِيرٍ أَوَّلًا عَلَى يَدِ الْمُجْتَمَعِ الْيَهُودِيِّ، ثُمَّ ثَانِيًا عَلَى يَدِ الرُومَانِ. وَرُبَّمَا أَحَدُ أَكْبَرِ الاضْطِهَادَاتِ الَتِي تَعَرَّضَتْ لَهَا كَانَتْ فِي الْعَقْدِ السَادِسِ تَحْتَ حُكْمِ نِيرُونَ. وَفِي عَهْدِ نِيرُونَ بَدَأَ اضْطِهَادُ الْمَسِيحِيِّينَ، وَيُقالُ إِنَّهُ رُبَّمَا نِيرُونُ نَفْسُهُ افْتَعَلَ الْحَرِيقَ الْكَبِيرَ الَذِي دَمَّرَ أَجْزَاءً كَبِيرَةً مِنْ رُومَا ثُمَّ عَادَ وَأَلْقَى اللَوْمَ عَلَى الْمَسِيحِيِّينَ، مِمَّا تَسَبَّبَ فِي اسْتِيَاءٍ شَعْبِيٍّ كَبِيرٍ ضِدَّهُمْ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ. وَفِي عَهْدِ نِيرُونَ، تَمَّ إِعْدَامُ الْقِدِّيسَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ فِي كَنِيسَةِ الْقَرْنِ الأَوَّلِ، وَهُمَا بُطْرُسُ وَبُولُسُ. قُتِلَ الاثْنَانِ فِي عَهْدِ نِيرُونَ وَبِأَمْرٍ مِنْهُ. إِنَّ بَحْثَنَا عَنْ مُرَشَّحٍ مُحْتَمَلٍ لِشَخْصِيَّةِ ضِدِّ الْمَسِيحِ فِي الْقَرْنِ الأَوَّلِ، مُرَشَّحٍ ظَهَرَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَسُوعُ بِدَيْنُونَتِهِ عَبْرَ دَمَارِ أُورُشَلِيمَ وَقَبْلَ حُلُولِ دَيْنُونَةِ الْمَسِيحِ عَلَى الْهَيْكَلِ وَالأُمَّةِ الْيَهُودِيَّةِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثَ عَنْ شَخْصٍ ظَهَرَ قَبْلَ عَامِ 70 مِيلادِيًّا. إِنْ حَصَرْنَا مَفْهُومَ ظُهُورِ ضِدِّ الْمَسِيحِ بِهَذَا الإِطَارِ الزَمَنِيِّ، فَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الشَخْصَ الْمُرَشَّحَ لِذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ هُوَ نِيرُونُ.

فَفِي الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ، وَحَتَّى بَيْنَ الْوَثَنِيِّينَ، لَمْ يُتْقِنْ أَحَدٌ الشَرَّ مِثْلَمَا فَعَلَ نِيرُونُ. لَقَدْ كَانَتْ حَيَاةُ نِيرُونَ مَلِيئَةً بِالْعُنْفِ وَالْفِسْقِ، فَلَقَدْ قَتَلَ عَدَدًا كَبِيرًا مِنْ أَفْرَادِ عَائِلَتِهِ، وَخَصَى فَتًى وَتَزَوَّجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ مُسَجَّلٌ تَارِيخِيًّا، وَقَتَلَ زَوْجَتَهُ الْحَامِلَ بِكُلِّ وَحْشِيَّةٍ عَبْرَ رَفْسِهِ لَهَا حَتَّى الْمَوْتِ. وَكَتَبَ الْمُؤَرِّخُ سُوتُونْيُوسُ (Suetonius) أَنَّ نِيرُونَ اخْتَرَعَ لُعْبَةً تَقْتَصِرُ عَلَى أَنْ يَكْتَسِيَ بِجِلْدِ حَيَوانٍ بَرِّيٍّ، فَيَخْرُجُ مِنَ الْقَفَصِ وَيُهَاجِمُ الأَعْضَاءَ التَنَاسُلِيَّةَ لِرِجَالٍ وَلِنِسَاءَ مَرْبُوطِينَ بِأَوْتَادٍ. هَذَا جُزْءٌ مِنَ الْوَسَائِلِ التَرْفِيهِيَّةِ الَتِي قَامَ بِرِعَايَتِهَا إِمَّا فِي مُدَرَّجِ مَكْسِيمُوسَ أَوْ فِي الْكُولُوسْيُومَ (وَهُوَ مُدَرَّجُ الأَلْعَابِ الرُومَانِيَّةِ الشَهِيرُ)، وَعَلَى الأَرْجَحِ فِي مُدَرَّجِ مَكْسِيمُوسَ. فَكَانَ يَأْتِي بِالنَاسِ، رِجالًا وَنِسَاءَ، وَيَرْبُطُهُمْ بِأَوْتَادٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ مُتَنَكِّرًا بِزِيِّ أَسَدٍ أَوْ ذِئْبٍ، أَوْ مُكْتَسِيًا بِجِلْدِ حَيَوانٍ وَيَنْقَضُّ عَلَى أَعْضَائِهِمْ التَنَاسُلِيَّةِ. وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّهُ سُلُوكٌ مُتَطَرِّفٌ.

تَسَلَّمَ نِيرُونُ الْحُكْمَ كَإِمْبْرَاطُورٍ فِي عَامِ 54، وَبَدَأَ يَضْطَهِدُ الْمَسِيحِيِّينَ فِي عَامِ 64، وَانْتَحَرَ فِي عَامِ 68، أَيْ بَعْدَ 14 سَنَةً مِنْ تَسَلُّمِهِ الْحُكْمَ كَإِمْبِرَاطُورٍ، وَانْتَحَرَ فِي سِنِّ 31. وَبِالتَالِي، يَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ تَسَلَّمَ الْحُكْمَ حِينَ كَانَ فِي السَابِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْعُمْرِ. إِلَيْكُمْ تَجْمِيعًا لِمُلَخَّصِ مَا قَالَهُ أَكْثَرُ مِنْ شَخْصٍ مَعْرُوفٍ قَدِيمًا عَنْ شَخْصِيَّةِ نِيرُونَ: تَكَلَّمَ الْمُؤَرِّخُ تَاسِيتُوسُ (Tacitus) عَنْ طَبِيعَةِ نِيرُونَ الْوَحْشِيَّةِ. كَمَا أَنَّ بْلِينِي (Pliny)، الْعَالِمَ الرُومَانِيَّ بِالتَارِيخِ الطَبِيعِيِّ، وَصَفَ نِيرُونَ عَلَى أَنَّهُ "مُدَمِّرٌ لِلْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ" وَعَلَى أَنَّهُ "سُمُّ الْعالَمِ". كَمَا تَكَلَّمَ جُوفِينَالْ (Juvenal)، شَاعِرُ الْهِجَاءِ الرُومَانِيِّ، عَنِ "اسْتِبْدَادِ نِيرُونَ الْوَحْشِيِّ وَالدَمَوِيِّ". وَيَقُولُ أُبُولُونْيُوسُ مِنْ تِيَانَا (Apollonius of Tyana) تَحْدِيدًا فِي كِتَابَاتِهِ إِنَّ "اللَقَبَ الْمُفَضَّلَ لَدَى النَاسِ الَذِي أَطْلَقُوهُ عَلَى نِيرُونَ كَانَ بِبَسَاطَةٍ الْوَحْشَ". كَمَا عَلَّقَ قَائِلًا الآتِي: "خِلالَ رِحْلاتِي الْكَثِيرَةِ الَتِي تَفُوقُ رِحْلَاتِ الْجَمِيعِ رَأَيْتُ الْكَثِيرَ مِنَ الْوُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ فِي شِبْهِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْهِنْدِ، أَمَّا هَذَا الْوَحْشُ الَذِي أَجْمَعَ الْكُلُّ عَلَى تَسْمِيَتِهِ الطَاغِيَةَ، أَنَا لا أَعْلَمُ كَمْ رَأْسًا لَدَيْهِ أَوْ إِذَا كَانَتْ لَدَيْهِ مَخَالِبُ وَمُسلَّحًا بِأَنْيَابٍ مُخِيفَةٍ. وَلا يُمْكِنُكَ الْقَوْلُ حَتَّى فِي الْوَحْشِ الْبَرِّيِّ إِنَّهُ يُمْكِنُهُ الْتِهَامُ أُمِّهِ، لَكِنَّ نِيرُونَ أَتْخَمَ نَفْسَهُ بِهَذَا النَوْعِ مِنَ الافْتِرَاسِ أَيْضًا". إِذَنْ، فَإِنَّ السِجِلَّ التَارِيخِيَّ، الصَادِرَ لَيْسَ عَنِ الْمُجْتَمَعِ الْمَسِيحِيِّ بَلْ عَنْ مُعَاصِرِي نِيرُونَ وَعَنِ الْحَضَارَةِ الرُومَانِيَّةِ نَفْسِهَا، يَصِفُ دَائِمًا وَبِاسْتِمْرَارٍ الشَخْصِيَّةَ الْوَحْشِيَّةَ لِهَذَا الرَجُلِ الْمَجْنُونِ مِنَ الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ.

لَكِنْ مَاذَا عَنِ الرَقْمِ السِرِّيِّ الَذِي يَدْعُو كَاتِبُ سِفْرِ الرُؤْيَا النَاسَ إِلَى التَنَبُّهِ مِنْهُ وَيُخْبِرُهُمْ بِمِفْتَاحِ اللُغْزِ لِكَيْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ التَعَرُّفِ عَلَيْهِ، حَيْثُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ هَذَا الْوَحْشَ يُعْرَفُ بِرَقْمٍ مُعَيَّنٍ، وَهَذَا الرَقْمُ هُوَ 666. وَقَبْلَ أَنْ أَقُومَ بِدِرَاسَةِ هَذَا الرَقْمِ، أُرِيدُ أَنْ أُشِيرَ أَيْضًا إِلَى أَنَّهُ فِي بَعْضِ الْمَخْطُوطَاتِ الْقَدِيمَةِ لِسِفْرِ الرُؤْيَا هُنَاكَ تَبَايُنٌ نَصِّيٌّ فِي هَذَا الْجُزْءِ، بِحَيْثُ إِنَّ الرَقْمَ الَذِي تَمَّ إِدْرَاجُهُ فِيهَا لَيْسَ 666، وَإِنَّمَا الرَقْمُ هُوَ 616. عَادَةً، يَحْدُثُ التَبَايُنُ النَصِّيُّ بَيْنَ الْمَخْطُوطَاتِ عِنْدَمَا يَقُومُ رَاهِبٌ أَوْ أَيُّ شَخْصٍ آخَرَ بِنَسْخِ الْمَخْطُوطَةِ الأَصْلِيَّةِ بِيَدِهِ، وَأَثْنَاءَ عَمَلِيَّةِ النَسْخِ الدَؤُوبَةِ وَالشَاقَّةِ لِنَصِّ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ كَانَ يَتِمُّ بِدُونِ قَصْدٍ حَذْفُ حَرْفٍ، أَوْ نِسْيَانُ أَحَدِهِمْ نُقْطَةً أَوْ حَرْفًا، أَوْ يَرْتَكِبُ خَطَأً مَا أَثْنَاءَ قِيَامِهِ بِتِلْكَ الْعَمَلِيَّةِ. وَمِنْ خِلالِ الدِرَاسَةِ الدَقِيقَةِ لِلْمَخْطُوطَاتِ الَتِي وَصَلَتْنَا مِنَ الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ نَرَى حُدُوثَ مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ، وَلَدَيْنَا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى ذَلِكَ. وَلَكِنْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَدْ تَكُونُ لِلأَمْرِ أَهَمِّيَّةٌ كَبِيرَةٌ كَمَا سَنَرَى بَعْدَ قَلِيلٍ.

فِي الْعَالَمِ الْقَدِيمِ، كَانَتِ الْكِتَابَةُ بِالشِيفْرَةِ شَائِعَةً. وَكَانَتِ الْكِتَابَةُ بِالشِيفْرَةِ تُسْتَعْمَلُ فِي الرَسَائِلِ الْمُشَفَّرَةِ حَيْثُ تَرْتَبِطُ الأَرْقَامُ بِالْحُرُوفِ. أَمَّا اللُغَاتُ الرَئِيسِيَّةُ الثَلاثُ الْقَدِيمَةُ الَتِي نُعْنَى بِهَا هُنَا فِي الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ، أَيِ الْعِبْرِيَّةُ وَالْيُونَانِيَّةُ وَاللاتِينِيَّةُ، فَكَانَتْ تَعْتَمِدُ كُلُّهَا أَنْظِمَةً يَسْتَعْمِلُونَ فِيهَا الْحُرُوفَ لِلإِشَارَةِ إِلَى الأَرْقَامِ. إِذَنْ، كَانَتْ هَذِهِ اللُغَاتُ الثَلاثُ تَعْتَمِدُ الْكِتَابَةَ بِالشِيفْرَةِ. هَذَا الأَمْرُ مَأْلُوفٌ بِالنِسْبَةِ إِلَيْنَا حَتَّى الْيَوْمِ، عَلَى الأَقَلِّ فِي اللُغَةِ اللاتِينِيَّةِ، لأَنَّنَا عَلَى دِرَايَةٍ بِاسْتِعْمَالِ الأَرْقَامِ الرُومَانِيَّةِ. وَالأَرْقَامُ الرُومَانِيَّةُ هِيَ بِبَسَاطَةٍ أَحْرُفٌ لاتِينِيَّةٌ لَهَا قِيمَةٌ عَدَدِيَّةٌ. فَالْحَرْفُ اللَاتِينِيُّ X قِيمَتُهُ الْعَدَدِيَّةُ هِيَ 10، وَالْحَرْفُ اللَاتِينِيُّ V قِيمَتُهُ الْعَدَدِيَّةُ هِيَ 5، وَالْحَرْفُ اللاتِينِيُّ M قِيمَتُهُ الْعَدَدِيَّةُ هِيَ 1000، وَكَذَلِكَ الأَمْرُ بِالنِسْبَةِ إِلَى الأَحْرُفِ D، وL، وI بِالإِضَافَةِ إِلَى أَحْرُفٍ أُخْرَى لَهَا قِيَمٌ عَدَدِيَّةٌ وَاضِحَةٌ.

يَنْطَبِقُ الأَمْرُ عَلَى اللُغَةِ الْعِبْرِيَّةِ أَيْضًا. وَإِنْ دَرَسْنَا اسْمَ نِيرُونَ فِي الْعِبْرِيَّةِ وَتَرْجَمْنَا الاسْمَ بِشَكْلٍ حَرْفِيٍّ يَصِيرُ "نِيرُونُ كايْزَرْ" (Neron Kaiser) أَيْ نِيرُونُ قَيْصَرُ. وَبِحَسَبِ الأَبْجَدِيَّةِ وَدِرَاسَةِ مَعَانِي الأَعْدَادِ الْعِبْرِيَّةِ، عِنْدَمَا تَتِمُّ تَرْجَمَةُ اسْمِ نِيرُونَ قَيْصَرَ إِلَى أَعْدَادٍ فَإِنَّهُ يَتَحَوَّلُ إِلَى الرَقْمِ 666 تَحْدِيدًا. وَلَكِنْ، فِي الْعَالَمِ الْقَدِيمِ، فَإِنَّ الاسْمَ الْيُونَانِيَّ لِقَيْصَرَ تَحَوَّلَ مِنْ نِيرُونَ كَايْزَرْ إِلَى نِيرُو كَايْزَرْ (Nero Kaiser) وَهُوَ تَغَيُّرٌ بَسِيطٌ فِي الْكِتَابَةِ. وَالْمُرَادِفُ الْعَدَدِيُّ الْيُونَانِيُّ لِلصِيغَةِ الْيُونَانِيَّةِ هَذِهِ لاسْمِ الإِمْبْرَاطُورِ نِيرُونَ أَصْبَحَ الرَقْمَ 616.

أَحَدُ أَبْرَزِ عُلَمَاءِ النُصُوصِ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ رَجُلٌ يُدْعَى بْرُوس مِيتْزِجِر (Bruce Metzger) مِنْ كُلِّيَّةِ بْرِينْسْتُونَ لِلاهُوتِ، وَهُوَ ذَاتَ مَرَّةٍ أَبْدَى رَأْيَهُ فِي الأَمْرِ بِصِفَتِهِ أَبْرَزَ نَاقِدٍ لِلنُصُوصِ فِي الْعَالَمِ الْيَوْمَ، قَائِلًا إِنَّهُ عَلَى الأَرْجَحِ الاخْتِلَافُ فِي النُسْخَةِ الْقَدِيمَةِ لِهَذَا النَصِّ الْيُونَانِيِّ حَيْثُ إِنَّ الرَقْمَ أَصْبَحَ 616 بدلًا من 666 هُوَ اخْتِلافٌ مُتَعَمَّدٌ، لِكَيْ يَتَمَكَّنَ النَاطِقُونَ بِاللُغَةِ الْيُونَانِيَّةِ مِنْ تَمْيِيزِ الرَقْمِ عَلَى أَسَاسِ اللُغَةِ الْيُونَانِيَّةِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يُضْطَرَّهُمُ الأَمْرُ أَنْ يُجِيدُوا اللُغَةَ الْعِبْرِيَّةَ لِكَيْ يَفْهَمُوا هَذِهِ الشِيفْرَةَ الْمَلِيئَةَ بِالرُمُوزِ. كَمَا أَنَّنَا نُلاحِظُ أَنَّهُ فِي عَهْدِ كَالِيجُولَا وَفِي عَهْدِ نِيرُونَ انْتَشَرَتْ عِبَادَةُ الإِمْبِرَاطُورِ بِشَكْلٍ سَرِيعٍ دَاخِلَ رُومَا. حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الأَبَاطِرَةِ الأَوَائِلِ مِثْلِ أُوغِسْطُسَ نَفْسِهِ نَالُوا شَرَفَ اعْتِبَارِهِمْ آلِهَةً بَعْدَ مَمَاتِهِمْ، لَكِنَّ النَاسَ لَمْ يَعْبُدُوا صُوَرَهُمْ خِلالَ حَيَاتِهِمْ. لَكِنَّهُمْ أَصْبَحُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي عَهْدِ كَالِيجُولا وَفِي عَهْدِ نِيرُونَ بِشَكْلٍ خَاصٍّ، وَذَلِكَ بِأَمْرٍ مِنْ نِيرُونَ نَفْسِهِ.

فَنِيرُونُ، مَثَلًا، أَمَرَ بِوَضْعِ تِمْثَالٍ لَهُ فِي مَعْبَدِ الإِلَهِ مَارْسْ (Mars)، وَفَرَضَ عِبَادَةَ تِمْثَالِهِ. كَمَا أَنَّ أُنَاسًا مِثْلَ يُوسِيفُوسَ رَأَوْا أَنَّ تَدْنِيسَ الْمُقَدَّسَاتِ الَذِي كَانَ بِمَثَابَةِ رِجْسَةِ خَرَابٍ يَحْدُثُ عِنْدَمَا تَمَّتْ عِبَادَةُ الرُمُوزِ الرُومَانِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا تُمَثِّلُ الإِمْبِراطُورَ دَاخِلَ الْهَيْكَلِ نَفْسِهِ كَعَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ تَدْنِيسِ الدِيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ. لِذَلِكَ نَرَى أَنَّ جَمِيعَ صِفَاتِ الْوَحْشِ الشِرِّيرَةِ وَالْفَاسِدَةِ وَشِبْهِ الدِينِيَّةِ وَالْعَسْكَرِيَّةِ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي حَيَاةِ نِيرُونَ، مِمَّا جَعَلَ الْمُؤَرِّخِينَ وَالْعُلَمَاءَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ شَخْصِيَّةَ الْوَحْشِ وَضِدِّ الْمَسِيحِ وَإِنْسَانِ الْخَطِيَّةِ الْمَذْكُورِينَ وَقْتَ كَنِيسَةِ الْقَرْنِ الأَوَّلِ تَمَّتْ فِي شَخْصِ نِيرُونَ، لأَنَّهَا كَانَتْ مُرْتَبِطَةً بِالأَحْدَاثِ الَتِي كَانَتْ سَتَتِمُّ بَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ أَثْنَاءَ دَمَارِ أُورُشَلِيمَ وَدَيْنُونَةِ اللهِ لِلشَعْبِ الْيَهُودِيِّ. وَيَقُولُ آخَرُونَ أُعْجِبُوا أَيْضًا بِإِمْكَانِيَّةِ كَوْنِ نِيرُونَ هُوَ الْوَحْشُ إِنَّ شَخْصِيَّةَ نِيرُونَ كَانَتْ عَلَى الأَقَلِّ صُورَةً وَمِثَالًا لِلْوَحْشِ وَضِدِّ الْمَسِيحِ. أَمَّا الَذِينَ يُؤْمِنُونَ أَنَّ ضِدَّ الْمَسِيحِ سَيَأْتِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَيَقُولُونَ إِنَّهُ سَيَكُونُ مِثْلَ نِيرُونَ فِي ظُهُورِهِ.