المحاضرة 2: الْيَقِينُ يُعَزِّزُ التَقْدِيسَ - خدمات ليجونير
 

المحاضرة 2: الْيَقِينُ يُعَزِّزُ التَقْدِيسَ

سَنُتَابِعُ الْآنَ دِرَاسَتَنَا لِمَسْأَلَةِ يَقِينِ الْخَلَاصِ. فِي مُحَاضَرَتِنَا الْأُولَى، تَكَلَّمْنَا عَنِ التَحْذِيرَاتِ الْمُخِيفَةِ الَتِي وَجَّهَهَا يَسُوعُ لِلْكَنِيسَةِ، بِقَوْلِهِ إِنَّهُ فِي يَوْمِ الدَيْنُونَةِ، أَيْ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ، سَيَأْتِي كَثِيرُونَ إِلَيْهِ قَائِلِينَ: "يَا رَبُّ، يَا رَبُّ"، أَيْ أَنَّهُمْ سَيُعْلِنُونَ أَنَّهُمْ عَلَى عَلَاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ بِهِ، لَكِنَّهُ سَيَرْفُضُهُمْ قَائِلًا: "اذْهَبُوا عَنِّي، إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ"، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ الْإِثْمَ وَيَتَمَرَّدُونَ. عِنْدَمَا نَطْرَحُ هَذَا السُؤَالَ: "كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَعْرِفَ مَا إِذَا كُنْتُ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ الَذِينَ قَامُوا بِاعْتِرَافِ إِيمَانٍ مُزَيَّفٍ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ فِي حَالَةِ النِعْمَةِ مَعَ الْمَسِيحِ؟ كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أُمَيِّزَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَبَيْنَ شَخْصٍ يَعِيشُ حَقًّا فِي حَالَةِ النِعْمَةِ وَلَا يَقُومُ بِاعْتِرَافٍ مُزَيَّفٍ؟" يُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ نَتَوَسَّعَ فِي السُؤَالِ؛ السُؤَالِ الَذِي يَجِبُ أَنْ نَطْرَحَهُ أَوَّلًا هُوَ: "هَلْ مَسْأَلَةُ يَقِينِ الْخَلَاصِ مُمْكِنَةٌ؟ وَإِنْ كَانَتْ مُمْكِنَةً، فَهَلْ هِيَ أَمْرٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ؟"

قَدْ تَبْدُو هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ بَسِيطَةً وَأَسَاسِيَّةً لِإِيمَانِنَا فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ. وَلَكِنْ عَلَيْنَا أَنْ نُدْرِكَ أَنَّهُ فِي تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ تَمَّتْ إِثَارَةُ جِدَالَاتٍ كَبِيرَةٍ بِشَأْنِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. فَالْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ مَثَلًا، فِي الْقَرْنِ ١٦ فِي مَجْمَعِ تْرِنْتْ، وَفِي الْجَلْسَةِ ٦، أَنْكَرَتْ بِوُضُوحٍ الْإِمْكَانِيَّةَ الطَبِيعِيَّةَ لَدَى الْمَرْءِ بِأَنْ يَبْلُغَ يَقِينَ خَلَاصِهِ إِلَّا فِي ظُرُوفٍ نَادِرَةٍ. وَمَا عَلَّمَتْهُ رُومَا بَعْدَ ذَلِكَ، بِحَسْبِ الْيَسُوعِيِّينَ، هُوَ أَنَّ الْأَشْخَاصَ الْوَحِيدِينَ الَذِينَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَبْلُغُوا مَرْتَبَةَ يَقِينِ خَلَاصِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ هُمُ الْقِدِّيسُونَ الْمُمَيَّزُونَ، الَذِينَ يُعْطِيهِمِ اللَّهُ إِعْلَانًا خَاصًّا عَنْ مَكَانَتِهِمْ أَمَامَهُ. لَكِنْ بَعِيدًا عَنْ هَذِهِ الْحَالَاتِ النَادِرَةِ، فَإِنَّ الْعُضْوَ الْعَادِيَّ فِي الْكَنِيسَةِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَيَقَّنَ مِنْ خَلَاصِهِ. وَالسَبَبُ، بِحَسْبِ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، هُوَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْيَقِينِيَّاتِ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَسَاسِ التَخْمِينِ الْبَشَرِيِّ، وَالرَأْيِ الْبَشَرِيِّ، وَأَفْكَارٍ نَابِعَةٍ مِنْ قُلُوبِ أَشْخَاصٍ يَصِفُهُمْ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ عَلَى أَنَّهُمْ مُتَأَصِّلونَ فِي الْغُرُورِ. يَقُولُ لَنَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ إِنَّ الْقَلْبَ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. إِذًا، مِنَ السَهْلِ جِدًّا عَلَيْنَا عِنْدَمَا نَتَأَمَّلُ فِي حَالَةِ نُفُوسِنَا وَحَالَةِ خَلَاصِنَا أَنْ نَخْدَعَ أَنْفُسَنَا، وَأَنْ نَبْنِيَ ثِقَتَنَا عَلَى مُجَرَّدِ آرَاءٍ.

إِذًا، هَذِهِ هِيَ عَقِيدَةُ الْكَنِيسَةِ، وَهِيَ أَنَّ يَقِينَ الْخَلَاصِ لَيْسَ مُمْكِنًا فِعْلًا مِنْ دُونِ إِعْلَانٍ خَاصٍّ مِنَ اللَّهِ. لَكِنْ بِالطَبْعِ، لَيْسَتِ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ وَحْدَهَا هِيَ الَتِي تُنْكِرُ عَقِيدَةَ يَقِينِ الْخَلَاصِ، كَمَا عَلَّمَهَا الْمُصْلِحُونَ فِي الْقَرْنِ ١٦. فَهُنَاكَ الْبْرُوتِسْتَانْتِيُّونَ الْآتُونَ مِنْ خَلْفِيَّةٍ تُعْرَفُ بِشِبْهِ الْبِيلَاجِيَّةِ. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، تُعَلِّمُ الْأَرْمِينِيَّةُ أَنَّهُ يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَيَقَّنَ مِنْ خَلَاصِهِ الْيَوْمَ، وَلَكِنْ لَا يُوجَدُ يَقِينٌ لِلْغَدِ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ مِنَ الْمُمْكِنِ لِلْإِنْسَانِ الَذِي آمَنَ مَرَّةً أَنْ يَسْقُطَ فِي الْخَطِيَّةِ وَيَفْقِدَ خَلَاصَهُ. لِذَا، عَلَى مَرِّ التَارِيخِ كَانَتْ عَقِيدَةُ يَقِينِ الْخَلَاصِ مُرْتَبِطَةً ارْتِبَاطًا وَثِيقًا بِعَقِيدَةِ مُثَابَرَةِ الْقِدِّيسِينَ.

إِذًا، ثَمَّةَ مَجْمُوعَةٌ تَقُولُ إِنَّهُ لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَيَقَّنَ مِنَ الْخَلَاصِ، فِيمَا تَقُولُ مَجْمُوعَةٌ أُخْرَى إِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَكَ يَقِينٌ مَحْدُودٌ، وَلِفَتْرَةٍ مَحْدُودَةٍ، لَكِنَّكَ لَا تَعْلَمُ مَا سَتَكُونُ عَلَيْهِ حَالَتُكَ النِهَائِيَّةُ. ثُمَّ لَدَيْنَا اللَاهُوتُ الْمُصْلَحُ الَذِي يُعَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَعْرِفَ الْيَوْمَ فَحَسْبُ أَنَّكَ فِي حَالَةِ النِعْمَةِ، بَلْ إِنَّهُ يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَأَكَّدَ تَمَامًا مِنْ أَنَّكَ سَتَبْقَى فِي حَالَةِ النِعْمَةِ عِنْدَ مَمَاتِكَ. لِذَا، فَإِنَّ هَذِهِ النَظَرِيَّاتِ اللَاهُوتِيَّةَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْخَلَاصِ لَهَا نَتَائِجُ عَمَلِيَّةٌ قَوِيَّةٌ جِدًّا. أَنَا أَظُنُّ أَنَّ الْإِيمَانَ الْمُصْلَحَ بَيْنَمَا يُعَلِّمُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ نَتَيَقَّنَ مِنَ الْخَلَاصِ، يُبَيِّنُ أَيْضًا أَنَّهُ تُوجَدُ يَقِينِيَّاتٌ مُزَيَّفَةٌ. عِنْدَئِذٍ يَزْدَادُ الْأَمْرُ تَعْقِيدًا، لِأَنَّهُ عَلَيْكَ أَنْ تَسْأَلَ نَفْسَكَ: كَيْفَ أَعْلَمُ أَنَّ يَقِينِي حَقِيقِيٌّ وَلَيْسَ مُزَيَّفًا؟ سَنَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ لَاحِقًا. لَكِنَّ النُقْطَةَ الْأُولَى، مِنْ وُجْهَةِ النَظَرِ الْمُصْلَحَةِ لِلْمَسْأَلَةِ، هِيَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَمَتَّعَ بِيَقِينِ الْخَلَاصِ فَحَسْبُ، بَلْ إِنَّ اللَّهَ بِكَلِمَتِهِ يَأْمُرُنَا بِأَنْ نَتَمَتَّعَ بِهِ.

دَعُونِي أَتَوَقَّفُ قَلِيلًا. أَذْكُرُ حِينَ كُنْتُ فِي كُلِّيَّةِ اللَاهُوتِ أَنَّ أَحَدَ زُمَلَائِي فِي كُلِّيَّةِ اللَاهُوتِ جَالَ فِي حَرَمِ الْجَامِعَةِ، وَقَامَ بِاسْتِطْلَاعِ رَأْيٍ سَائِلًا التَلَامِيذَ الْآخَرِينَ وَكُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْكُلِّيَّةِ إِنْ كَانَ مُتَأَكِّدًا مِنْ خَلَاصِهِ. فَأَجَابَ حَوَالَيْ ٩٠٪ مِنَ التَلَامِيذِ عَنْ هَذَا السُؤَالِ سَلْبًا، قَائِلِينَ إِنَّهُمْ لَيْسُوا وَاثِقِينَ مِنْ خَلَاصِهِمْ. وَجَاءَ رَدُّ فِعْلِهِمْ عَنِيفًا إِذْ قَالُوا إِنَّهُ مِنَ التَكَبُّرِ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ مُتَأَكِّدٌ مِنْ خَلَاصِهِ. إِذًا، فِكْرَةُ التَيَقُّنِ مِنَ الْخَلَاصِ لَيْسَتْ فَضِيلَةً بَلْ عَيْبٌ. وَلَمْ أَنَسَ أَبَدًا ذَلِكَ الْمَشْهَدَ حِينَ كُنْتُ فِي كُلِّيَّةِ اللَاهُوتِ الَذِي بَيَّنَ أَنَّهُ مِنَ السَلْبِيِّ أَنْ نَسْعَى وَرَاءَ يَقِينِ الْخَلَاصِ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَتْرُكُنَا فِي حَالَةٍ مِنَ التَكَبُّرِ. وَبِالطَبْعِ، إِنَّهَا لَقِمَّةُ التَكَبُّرِ أَنْ تَكُونَ مُتَأَكِّدًا مِنِ امْتِلَاكِكَ أَمْرًا لَا تَمْلِكُهُ فِعْلًا. وَإِنْ كُنْتَ مُتَأَكِّدًا مِنْ خَلَاصِكَ فِي حِينِ أَنَّكَ لَسْتَ مُخَلَّصًا، فَهَذَا تَكَبُّرٌ أَيْضًا. لَكِنْ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، إِنْ كَانَ صَحِيحًا أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُنَا بِأَنْ نَسْعَى وَرَاءَ الْيَقِينِ، فَإِنْ لَمْ نَفْعَلْ، أَوْ إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَإِنَّنَا نَكُونُ حَقًّا مُتَكَبِّرِينَ لِأَنَّنَا نُشَوِّهُ بِذَلِكَ مِصْدَاقِيَّةَ اللَّهِ نَفْسِهِ.

إذًا، فَلْنَنْظُرْ إِلَى بَعْضِ النُصُوصِ الْمُهِمَّةِ الَتِي نَجِدُهَا فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فِي رِسَالَةِ بُطْرُسَ الثَانِيَةِ، فِي الأَصْحَاحِ ١ وَفِي الآيَةِ ١٠، نَقْرَأُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عَنْ لِسَانِ الرَسُولِ بُطْرُسَ: "لِذَلِكَ بِالْأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ. لِأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، لَنْ تَزِلُّوا أَبَدًا. لِأَنَّهُ هَكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الْأَبَدِيِّ". هُنَا، وَبِدُونِ أَيِّ الْتِبَاسٍ، لَيْسَ الْأَمْرُ الرَسُولِيُّ أَنْ نَبْحَثَ عَنْ يَقِينِ اخْتِيَارِنَا بِطَرِيقَةٍ مُتَعَجْرِفَةٍ أَوْ بِلَا اهْتِمَامٍ، وَإِنَّمَا يَقُولُ إِنَّهُ عَلَيْنَا أَنْ نَجْعَلَ دَعْوَتَنَا وَاخْتِيَارَنَا ثَابِتَيْنِ عَبْرَ السَعْيِ بِاجْتِهَادٍ وَرَاءَ الْأَمْرِ. إِذًا، يَقُولُ لَنَا الرَسُولُ بُطْرُسُ إِنَّ الْأَمْرَ مُهِمٌّ جِدًّا، ثُمَّ يُتَابِعُ وَيُطْلِعُنَا عَلَى السَبَبِ –سَنَتَطَرَّقُ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ– لِأَجْلِ أَسْبَابٍ عَمَلِيَّةٍ، يَجِبُ أَنْ نَسْعَى إِلَى جَعْلِ دَعْوَتِنَا وَاخْتِيَارِنَا ثَابِتَيْنِ.

الْكَثِيرُ مِنَ الْأَشْخَاصِ لَا يُؤْمِنُونَ بِالِاخْتِيَارِ، وَيَنْسَوْنَ أَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ كِتَابِيٌّ، لَكِنِّي أَسْمَعُ دَائِمًا أُنَاسًا يَسْأَلُونَ: "كَيْفَ تَعْلَمُ إِنْ كُنْتَ مُخْتَارًا أَوْ لَسْتَ كَذَلِكَ؟" سَوْفَ نَتَطَرَّقُ إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا فِي هَذِهِ السِلْسِلَةِ. لَكِنِّي أُرِيدُ الْقَوْلَ فِي هَذَا الصَدَدِ إِنِّي عِنْدَمَا أَتَكَلَّمُ مَعَ أَشْخَاصٍ يُقْلِقُهُمْ هَذَا السُؤَالُ وَيُصَارِعُونَ بِشَأْنِ مَفْهُومِ الِاخْتِيَارِ، فَإِنِّي أَقُولُ لَهُمْ إِنَّ مَا مِنْ سُؤَالٍ مِنَ الْمُهِمِّ أَنْ يَحْسِمُوهُ فِي حَيَاتِهِمْ الْمَسِيحِيَّةِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا السُؤَالِ: "هَلْ أَنَا مِنْ بَيْنِ الْمُخْتَارِينَ؟" لِأَنَّنَا إِنْ كُنَّا نَفْهَمُ مَبْدَأَ الِاخْتِيَارِ جَيِّدًا، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّنَا مِنْ بَيْنِ الْمُخْتَارِينَ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ يُعْطِينَا رَاحَةً كَبِيرَةً بَيْنَمَا نُتَمِّمُ خَلَاصَنَا بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، وَبَيْنَمَا نُوَاجِهُ الضِيقَاتِ الْعَدِيدَةَ الْمَوْضُوعَةَ أَمَامَنَا فِي الْعَالَمِ الْمَسِيحِيِّ.

تَذْكُرُونَ الرِسَالَةَ الَتِي كَتَبَهَا بُولُسُ وَالَتِي اسْتَوْحَيْنَا النَشِيدَ مِنْهَا: "لِأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ". بُولُسُ نَفْسُهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ ثِقَتِهِ بِمُسْتَقْبَلِهِ، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ جَيِّدًا أَيْنَ وَضَعَ ثِقَتَهُ، وَأَيْنَ وَضَعَ إِيمَانَهُ. وَهُوَ لَمْ يَضَعْ ثِقَتَهُ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى الْمُثَابَرَةِ، وَلَا فِي قُدْرَتِهِ عَلَى إِنْهَاءِ السِبَاقِ، لَكِنَّهُ وَضَعَ ثِقَتَهُ فِي ذَاكَ الَذِي آمَنَ بِهِ، عَالِمًا أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَهُ. لَكِنْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، يَقُولُ بُطْرُسُ هُنَا: "اجْتَهِدُوا... أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ". إِنْ كُنَّا مُدْعُوِّينَ لَجَعْلِ اخْتِيَارِنَا ثَابِتًا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّنَا قَادِرُونَ أَنْ نَجْعَلَ اخْتِيَارَنَا ثَابِتًا. يَجِبُ أَنْ نَقْدِرَ أَنْ نَعْرِفَ مَا إِذَا كُنَّا مِنْ بَيْنِ الْمُخْتَارِينَ. وَبَيْنَمَا نَتَقَدَّمُ فِي هَذِهِ الْمُحَاضَرَاتِ، سَنَتَكَلَّمُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ، أَمَّا الْآنَ، فَأُرِيدُ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ الْيَقِينَ لَيْسَ أَمْرًا اخْتِيَارِيًّا، فَالْيَقِينُ أَمْرٌ لَا يَجْدُرُ بِنَا أَنْ نُؤَجِّلَهُ حَتَّى نِهَايَةِ حَيَاتِنَا الْمَسِيحِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ يَجْدُرُ بِنَا أَنْ نَسْعَى وَرَاءَهُ جَاهِدِينَ الْآنَ لِكَيْ نَحْسِمَهُ وَنَعْلَمَ أَنَّنَا مِنْ بَيْنِ الْمُخْتَارِينَ، وَأَنَّنَا ضَمِنَ مَلَكُوتِ اللَّهِ، وَأَنَّ الْآبَ تَبَنَّانَا فِي بَيْتِهِ، وَأَنَّنَا فِي الْمَسِيحِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ حَقًّا فِينَا.

أَحَدُ الْأُمُورِ الَتِي سَبَقَ لَنَا أَنْ رَأَيْنَاهَا هُوَ الْيَقِينُ الزَائِفُ، الْمُتَعَلِّقُ بِهَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصِ الَذِينَ سَيَمْثُلُونَ أَمَامَ الْمَسِيحِ فِي يَوْمِ الدَيْنُونَةِ قَائِلِينَ: "يَا رَبُّ، يَا رَبُّ"، وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ لَدَيْهِمْ يَقِينًا زَائِفًا. إِذًا، عِنْدَمَا يُعْلِنُ يَسُوعُ أَنَّ يَقِينَهُمْ زَائِفٌ، وَيُعْلِنُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُمْ قَطُّ، وَيَطْرُدُهُمْ مِنْ مَحْضَرِهِ، نَحْنُ نَتَذَكَّرُ السَبَبَ –لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فَاعِلِي إِثْمٍ، وَكَانُوا أَشْخَاصًا مُتَمَرِّدِينَ، وَكَانُوا بِلَا ثَمَرٍ، كَمَا رَأَيْنَا فِي مَثَلِ الزَارِعِ.

دَعُونِي أَتَوَقَّفُ قَلِيلًا وَأَتَكَلَّمُ بِشَكْلٍ عَابِرٍ، لِأُذَكِّرَكُمْ بِمَفْهُومِنَا لِلتَبْرِيرِ. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا لَسْنَا مُخَلَّصِينَ بِأَعْمَالِنَا. نَحْنُ نَقُولُ إِنَّنَا تَبَرَّرْنَا بِالْإِيمَانِ وَحْدَهُ، إِذًا، نَحْنُ لَا نَتَّكِلُ عَلَى أَعْمَالِنَا لِتُدْخِلَنَا إِلَى السَمَاءِ. لَكِنَّنَا نَذْكُرُ أَيْضًا أَنَّهُ فِي الْقَرْنِ ١٦ قَالَ الْمُصْلِحُونَ الْعُظَمَاءُ مِثْلُ مَارْتِنْ لُوثَرْ إِنَّنَا تَبَرَّرْنَا بِالْإِيمَانِ وَحْدَهُ، لَكِنْ لَيْسَ بِإِيمَانٍ يَظَلُّ وَحْدَهُ. فِي الْعَقِيدَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَدَيْكَ إِيمَانٌ لِكَيْ تَتَبَرَّرَ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لَدَيْكَ أَعْمَالٌ أَيْضًا. إِذًا، الْإِيمَانُ زَائِدُ الْأَعْمَالِ يُسَاوِي التَبْرِيرَ. لَكِنْ بِحَسَبِ النَظْرَةِ الْبْرُوتِسْتَانْتِيَّةِ، الْإِيمَانُ يُسَاوِي التَبْرِيرَ زَائِدَ الْأَعْمَالِ، أَيْ أَنَّ الْأَعْمَالَ هِيَ النَتِيجَةُ وَاسْتِعْلَانٌ لِحَالَةِ النِعْمَةِ الَتِي نَحْنُ فِيهَا. هَذِهِ الْأَعْمَالُ مَوْجُودَةٌ فِي هَذِهِ النَاحِيَةِ مِنَ الْمُعَادَلَةِ، وَالْأَعْمَالُ الَتِي أَفْعَلُهَا فِي حَيَاتِي الْمَسِيحِيَّةِ لَا تُضِيفُ شَيْئًا إِلَى تَبْرِيرِي. أَعْمَالُ الْبِرِّ الْوَحِيدَةُ الَتِي تُبَرِّرُنِي هِيَ أَعْمَالُ الْمَسِيحِ. إِذًا، عِنْدَمَا نَقُولُ إِنَّنَا تَبَرَّرْنَا بِالْإِيمَانِ وَحْدَهُ، فَنَحْنُ نَقْصِدُ بِذَلِكَ أَنَّنَا تَبَرَّرْنَا بِالْمَسِيحِ وَحْدَهُ وَبِأَعْمَالِهِ، فَأَعْمَالِي لَا تُحْسَبُ شَيْئًا فِي تَبْرِيرِي.

هُنَا، ثَمَّةَ أَشْخَاصٌ يَقُولُونَ: "أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجْدُرُ بِي أَنْ أُعْطِيَ أَيَّ ثَمَرٍ. لَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أَحْمِلَ أَيَّ ثَمَرٍ يَعْكِسُ بِرِّي، لِأَنِّي مُخَلَّصٌ بِالْإِيمَانِ". لَكِنْ تَذَكَّرُوا أَنَّ الْإِيمَانَ الَذِي يُبَرِّرُ، وَكَمَا يَقُولُ لَنَا يَعْقُوبُ فِي رِسَالَتِهِ، وَكَمَا حَاوَلَ لَوثَرُ أَنْ يُبَرْهِنَ، لَيْسَ إِيمَانًا مَيِّتًا، إِنَّهُ "فِيدِيسْ فِيفَا" (fides viva)، إِيمَانٌ حَيٌّ وَفَعَّالٌ. الْإِيمَانُ الْحَقِيقِيُّ الَذِي يَرْبِطُنَا بِالْمَسِيحِ يَتَجَلَّى دَائِمًا وَأَبَدًا بِالْأَعْمَالِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْنَا أَعْمَالٌ هُنَا، فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ لَدَيْنَا إِيمَانٌ هُنَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْنَا إِيمَانٌ هُنَا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّنَا لَسْنَا مُبَرَّرِينَ. لَكِنْ لَا تُفَسِّرُوا ذَلِكَ بِالْقَوْلِ إِنَّهُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتَبَرَّرُوا بِالْأَعْمَالِ، فَالْأَعْمَالُ لَا تُبَرِّرُكُمْ. الْإِيمَانُ يَرْبِطُنَا بِالْمَسِيحِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْإِيمَانُ صَادِقًا، إِنْ كَانَ الْإِيمَانُ حَقِيقِيًّا، فَلَنْ تَأْتِيَ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ قَائِلًا: "يَا رَبُّ، يَا رَبُّ" فَيَنْظُرُ إِلَيْكَ وَيَدْعُوكَ بِفَاعِلِ الإِثْمِ، وَإِنَّمَا سَتَأْتِي بِثَمَرٍ.

قَدْ تَظُنُّ أَنَّ أَسْهَلَ طَرِيقَةٍ لِحَلِّ مَسَالَةِ يَقِينِ الْخَلَاصِ تَتَطَلَّبُ مُرَاقَبَةَ الثَمَرِ، أَيْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى ثَمَرِ حَيَاتِكَ لِتُحَدِّدَ مَا إِذَا كَانَ يَعْكِسُ أَوْ يُبَيِّنُ إِعْلَانًا دَائِمًا لِإِيمَانِكَ. وَهَذَا أَحَدُ الْأُمُورِ الْمُرْعِبَةِ فِي كَوْنِكَ مُؤْمِنًا، لِأَنَّ لَا أَحَدَ بَيْنَنَا يَسْلُكُ تَمَامًا بِمِلْءِ مَا يَقُولُ إِنَّهُ يُؤْمِنُ بِهِ – لَا أَحَدَ مِنَّا يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَإِنْ رَكَّزْتَ انْتِبَاهَكَ عَلَى أَعْمَالِكَ بِكُلِّ بَسَاطَةٍ، فَفِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ يُصْبِحُ الْيَقِينُ الْحَقِيقِيُّ مُتَقَلْقِلًا جِدًّا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لَكِنْ يَجْدُرُ بِنَا أَنْ نُرَاقِبَ حَيَاتَنَا –كَمَا يَقُولُ لَنَا الْعَهْدُ الْجَدِيدُ، وَسَأَتَطَرَّقُ إِلَى الْأَمْرِ بَعْدَ قَلِيلٍ– كَمَا أَنَّهُ يَجْدُرُ بِنَا أَنْ نُرَاقِبَ ثَمَرَنَا لِنَتَأَكَّدَ مِنْ حَالَةِ نُفُوسِنَا.

لَكِنَّنَا نُسِيءُ فَهْمَ كَلَامِ بُطْرُسَ إِنْ تَوَصَّلْنَا إِلَى هَذَا الِاسْتِنْتَاجِ، وَهُوَ أَنَّهُ عَلَيْنَا أَنْ نُعْطِيَ ثَمَرًا لِكَيْ نَحْصُلَ عَلَى الْيَقِينِ. لَكِنْ عِنْدَمَا يَقُولُ لَنَا بُطْرُسُ أَنْ نَجْتَهِدَ لِنَجْعَلَ اخْتِيَارَنَا وَدَعْوَتَنَا ثَابِتَيْنِ، فَإِنَّ السَبَبَ الَذِي يَدْفَعُنَا إِلَى السَعْيِ وَرَاءَ الْيَقِينِ هُوَ أَنْ نُعْطِيَ ثَمَرًا، وَهَذَا أَمْرٌ يَجِبُ أَلَّا يَفُوتَنَا. لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ أَنْ نَحْمِلَ ثَمَرًا لِكَيْ نَتَأَكَّدَ مِنْ خَلَاصِنَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ نَتَأَكَّدَ مِنْ أَنْ نَكُونَ مُؤْمِنِينَ يَحْمِلُونَ ثَمَرًا. لِأَنَّ الْإِنْسَانَ ذا الرَأْيَيْنِ، كَمَا رَأَيْنَا سَابِقًا، مَحْمُولٌ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ. وَهُنَاكَ الْكَثِيرُ مِنَ النَاسِ، كَمَا سَنَرَى لَاحِقًا، قَدِ اهْتَدَوْا فِعْلًا إِلَى الْمَسِيحِ لَكِنْ لَيْسَ لَدَيْهِمْ يَقِينُ الْخَلَاصِ، لِذَا، فَإِنَّهُمْ فِي حَالَةٍ تَجْعَلُهُمْ فَرِيسَةً سَهْلَةً أَمَامَ الْعَدُوِّ لِيَأْتِيَ وَيَشْتَكِيَ عَلَيْهِمْ وَيُعِيقَهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ الْمَسِيحِيَّةِ. سَوْفَ يَأْتُونَ بِثَمَرٍ، لَكِنَّ الثَمَرَ سَيَكُونُ ضَئِيلًا، لِأَنَّهُمْ لَا يَعِيشُونَ الْحَيَاةَ الْمَسِيحِيَّةَ مِنْ مُنْطَلَقِ ثِقَتِهِمْ بِمَكَانَتِهِمْ أَمَامَ اللَّهِ.

إِذًا، مَا يَقُولُهُ بُطْرُسُ هُنَا بِطَرِيقَةٍ عَمَلِيَّةٍ جِدًّا هُوَ: "احْسِمُوا الْأَمْرَ لِكَيْ تَأْتُوا بِثَمَرٍ". اسْمَعُوا مَا يَقُولُهُ بِشَأْنِ هَذِهِ النُقْطَةِ نَفْسِهَا فِي الْآيَةِ ٥: "وَلِهَذَا عَيْنِهِ –وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ– قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الْأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً. لِأَنَّ هَذِهِ إِذَا كَانَتْ فِيكُمْ وَكَثُرَتْ، تُصَيِّرُكُمْ لَا مُتَكَاسِلِينَ وَلَا غَيْرَ مُثْمِرِينَ". هَذِهِ هِيَ قَائِمَةُ بُطْرُسَ. إِنْ تَأَمَّلْتُمْ فِي الْفَضَائِلِ الَتِي يُعَدّدُهَا هُنَا فَإِنَّكُمْ تَجِدُونَهَا شَبِيهَةً جِدًّا بِقَائِمَةٍ أُخْرَى نَجِدُهَا فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ: إِنَّهَا الْقَائِمَةُ الَتِي يُعْلِنُهَا الرَسُولُ بُولُسُ، وَالَتِي نُسَمِّيهَا عَادَةً "ثَمَرَ الرُوحِ". وَمُبَاشَرَةً بَعْدَ أَنْ أَمَرَ بُطْرُسُ شَعْبَهُ بِأَنْ يَجْتَهِدُوا لِيُقَدِّمُوا الْفَضِيلَةَ إِلَى الْإِيمَانِ وَاللُطْفِ وَالْمُثَابَرَةِ وَالصَبْرِ وَالْمَحَبَّةِ، وَكُلَّ تِلْكَ الْأُمُورِ الْمُخْتَلِفَةِ الَتِي نُسَمِّيهَا "ثَمَرَ الرُّوحِ"، فِي هَذَا السِيَاقِ نَفْسِهِ يَقُولُ: " لِذَلِكَ اجْتَهِدُوا... أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ"، لِكَيْ تَتَقَدَّمُوا فِي هَذِهِ الْأُمُورِ". إِذًا، السَبَبُ الْعَمَلِيُّ لِدَعْوَتِنَا إِلَى التَيَقُّنِ مِنْ خَلَاصِنَا وَإِلَى أَنْ نَحْسِمَ الْأَمْرَ بِأَنْفُسِنَا، هُوَ أَنْ نَكُونَ مُثْمِرِينَ، وَأَنْ نَكُونَ مُؤْمِنِينَ يُعْطُونَ ثَمَرًا.

فَلْنَرْجِعْ إِلَى الرِسَالَةِ الْأُولَى الَتِي كَتَبَهَا بُطْرُسُ. فِي الْأَصْحَاحِ ٢ وَالْآيَةِ ١ مِنْ رِسَالَتِهِ الْأُولَى يَقُولُ: "فَاطْرَحُوا..." إِنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ هَؤُلَاءِ "مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لَا مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لَا يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الْأَبَدِ"، ثُمَّ يُتابِعُ قَائِلًا: إِذًا، بِمَا أَنَّكُمْ وُلِدْتُمْ ثَانِيَةً،

 فَاطْرَحُوا كُلَّ خُبْثٍ وَكُلَّ مَكْرٍ وَالرِّيَاءَ وَالْحَسَدَ وَكُلَّ مَذَمَّةٍ، وَكَأَطْفَالٍ مَوْلُودِينَ الْآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ، إِنْ كُنْتُمْ قَدْ ذُقْتُمْ أَنَّ الرَّبَّ صَالِحٌ. الَّذِي إِذْ تَأْتُونَ إِلَيْهِ، حَجَرًا حَيًّا مَرْفُوضًا مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ مُخْتَارٌ مِنَ اللهِ كَرِيمٌ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ –كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ– بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ.

ثُمَّ يَقُولُ: "فَلَكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تُؤْمِنُونَ"، هُوَ، أَيْ الْمَسِيحُ، "ثَمِينٌ". سَيَكُونُ هَذَا وَاحِدًا مِنْ أَهَمِّ مَفَاتِيحِ نَيْلِ الْخَلَاصِ، أَنْ نُدْرِكَ كَيْفَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى الْمَسِيحَ. بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكُمْ أَنْتُمْ الَذِينَ تُؤْمِنُونَ، إِنَّهُ ثَمِينٌ.

مَرَّةً أُخْرَى، دَعُونِي أُذَكِّرُكُمْ بِأَنَّ بُطْرُسَ يُوَجِّهُ هَذِهِ الرِسَالَةَ إِلَى الْمُخْتَارِينَ. إِنَّهُ يَكْتُبُ هَذَا التَعْلِيمَ الرَسُولِيَّ لِلْمُخْتَارِينَ، وَيُعَلِّمُ الْمُخْتَارِينَ مَا مَعْنَى أَنْ يَكُونُوا مُخْتَارِينَ، وَمَا يُفْتَرَضُ أَنْ يَبْدُوَ عَلَيْهِ الِاخْتِيَارُ فِي مَسِيرَتِنَا الرُوحِيَّةِ. لِذَا، فِي الرِسَالَةِ الثانِيَةِ عِنْدَمَا يَتَوَجَّهُ إِلَى الْأَشْخَاصِ نَفْسِهِمْ، فَإِنَّهُ يُذَكِّرُهُمْ بِمَدَى أَهَمِّيَّةِ التَيَقُّنِ مِنِ اخْتِيَارِهِمْ. إِذًا، أَنَا مُقْتَنِعٌ مِنْ أَنَّهُ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْلَمَ مَا إِذَا كُنَّا فِي حَالَةِ النِعْمَةِ. لَكِنْ مَا عَلَيْنَا فِعْلُهُ هُوَ أَنْ نَتَعَلَّمَ أَنْ نُمَيِّزَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْيَقِينِ الْحَقِيقِيِّ وَالْيَقِينِ الزَائِفِ، لِأَنَّنَا نُدْرِكُ أَنَّهُ يُوجَدُ يَقِينٌ زَائِفٌ. وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ يَقِينٌ حَقِيقِيٌّ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُمَيِّزَ الْفَرْقَ، وَهَذَا مَا سَنَتَكَلَّمُ عَنْهُ فِي الْمُحَاضَرَاتِ الْمُقْبِلَةِ.