المحاضرة 6: ضَرُورَةُ وُجُودِ اللهِ - خدمات ليجونير
 

المحاضرة 6: ضَرُورَةُ وُجُودِ اللهِ

مُنْذُ بِضْعِ سَنَوَاتٍ شَارَكْتُ فِي تَأْلِيفِ كِتَابٍ عَنِ الدِفَاعِيَّاتِ مَعَ آرْثَرْ لِينْسْلِي (Arthur Lindsley) وَعَلَى رَأْسِنَا د. جُونْ جِيرْسْتْنَرْ (John Gerstner) بِعُنْوَانِ "الدِفَاعِيَّاتُ الْكِلَاسِيكِيَّةُ" (Classical Apologetics). وَجُزْءٌ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ اقْتَضَى مِنِّي كِتَابَةَ الْأَجْزَاءِ الِافْتِتَاحِيَّةِ عَنْ نَظَرِيَّةِ الْمَعْرِفَةِ الْمَسِيحِيَّةِ، وَمُحَاوَلَةِ الْإِجَابَةِ عَنْ سُؤَالِ: "كَيْفَ نَعْرِفُ مَا نَعْرِفُهُ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَعَلَّمَ مَا نَتَعَلَّمُهُ؟" وَأَفْرَزْتُ بَعْضَ الْأُمُورِ غَيْرِ الْقَابِلَةِ لِلتَفَاوُضِ، قَائِلًا إِنَّ ثَمَّةَ مَبَادِئَ مُعَيَّنَةً عَلَى الْمَسِيحِيِّينَ أَوْ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ أَلَّا يَتَفَاوَضُوا الْبَتَّةَ بِشَأْنِهَا إِذَا كَانُوا مُهْتَمِّينَ بِجِدِّيَّةٍ بِاكْتِشَافِ الْحَقِّ. وَذَكَرَتُ أَنَّ تِلْكَ الْفَرَضِيَّاتِ أَوْ الِافْتِرَاضَاتِ الْمَعْرِفِيَّةَ الْأَسَاسِيَّةَ تَشْمَلُ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ. الْأَمْرُ الْأَوَّلُ هُوَ قَانُونُ عَدَمِ التَنَاقُضِ، الَذِي تَحَدَّثْنَا عَنْهُ فِي الْمَنْطِقِ - أَيْ نِصْفُ الْمَنْهَجِ الْعِلْمِيِّ. الْأَمْرُ الثَانِي هُوَ قَانُونُ السَبَبِيَّةِ، الَذِي سَنَتَنَاوَلُهُ الْيَوْمَ. وَالثَالِثُ هُوَ افْتِرَاضُ الْمَوْثُوقِيَّةِ الْأَسَاسِيَّةِ لِلْإِدْرَاكِ الْحِسِّيِّ. وَالرَابِعُ هُوَ الِاسْتِخْدَامُ التَشْبِيهِيُّ لِلُغَةِ، الَذِي سَنَتَخَطَّاهُ الْيَوْمَ تَمَامًا، لَكِنَّهُ شَرْطٌ أَسَاسِيٌّ حَتَّى يَتَسَنَّى لِلنَاسِ أَنْ يَتَكَلَّمُوا مَعًا، وَأَنْ تَكُونَ لَدَيْهِمْ أَرْضِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ، وَإِطَارٌ مَرْجِعِيٌّ مُشْتَرَكٌ.

تَنَاوَلْنَا حَتَّى الْآنَ دَوْرَ الْمَنْطِقِ فِي كُلِّ هَذَا الْجَدَلِ حَوْلَ عِلْمِ الْكَوْنِيَّاتِ. وَحِينَ أَتَحَدَّثُ عَنِ الْمَوْثُوقِيَّةِ الْأَسَاسِيَّةِ لِلْإِدْرَاكِ الْحِسِّيِّ، أُدْرِكُ، مِثْلَمَا تُدْرِكُونَ جَمِيعًا، أَنَّهُ يُمْكِنُ لِحَوَاسِّنَا أَنْ تَخْدَعَنَا، وَلِبَصَرِنَا أَنْ يَخْذُلَنَا، وَلَسَمْعِنَا أَن يكون ثقيلاً، إِلَى آخِرِهِ. وَأَنَّنَا عُرْضَةٌ لِلْخَطَأِ فِي تَصَوُّرِنَا عَنِ الْعَالَمِ الْخَارِجِيِّ. وَلِلْأَسَفِ، نَحْنُ عَالِقُونَ، لِأَنَّ وَسِيلَةَ الِانْتِقَالِ الْوَحِيدَةَ مِنْ ذِهْنِي إِلَى الْعَالَمِ الَذِي أَعِيشُ فِيهِ هُوَ جَسَدِي. هَذِهِ هِيَ الْوَسِيلَةُ الْوَحِيدَةُ لِلتَوَاصُلِ مَعَ الْوَاقِعِ الْخَارِجِيِّ. وَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَيْنَا جَمِيعًا. لَكِنْ مَا يَعْنِينِي الْيَوْمَ بِالْأَكْثَرِ هُوَ الْأَمْرُ الثَانِي: قَانُونُ السَبَبِيَّةِ. لِأَنِّي قُلْتُ إِنَّ مُعْظَمَ مُنْتَقِدِي فِكْرَةِ نَشْأَةِ الْكَوْنِ نَتِيجَةَ فِعْلِ خَلْقٍ إِلَهِيٍّ يَلْجَؤُونَ إِمَّا إِلَى مَبْدَأِ اللاحَتْمِيَّةِ فِي فِيزْيَاءِ الْكَمِّ أَوْ إِلَى نَقْدٍ فَلْسَفِيٍّ لِلسَبَبِيَّةِ. وَتَبْدَأُ الْحُجَّةُ عَادَةً بِاحْتِكَامٍ إِلَى الْفَيْلَسُوفِ الِاسْتِثْنَائِيِّ دَيْفِيدْ هْيُومْ، الَذِي عَاشَ فِي اسْكُتْلَنْدَا فِي الْقَرْنِ الثَامِنَ عَشَرَ، وَالَذِي قَادَ فِي الْأَسَاسِ التَجْرِيبِيَّةَ الْبْرِيطَانِيَّةَ إِلَى مَا يُسَمَّى بِمَقْبَرَةِ الشُكُوكِيَّةِ، مِمَّا أَيْقَظَ "كَانَتْ" مِنْ سُبَاتِهِ الْعَقِيدِيِّ لِصِيَاغَةِ مَنْهَجِيَّةٍ فَلْسَفِيَّةٍ جَدِيدَةٍ. لَكِنْ مَا كَانَ اسْتِفْزَازِيًّا بِشِدَّةٍ فِي عَمَلِ دَيْفِيدْ هْيُومْ هُوَ تَحْلِيلُهُ النَقْدِيُّ لِلسَبَبِيِّةِ. لَا وَقْتَ لَدَيْنَا لِلْخَوْضِ فِي التَفَاصِيلِ، لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ نَتَمَكَّنَ عَلَى الْأَقَلِّ مِنْ اسْتِيعَابِ الْفِكْرَةِ الْأَسَاسِيَّةِ لِمَا كَانَ دَيْفِيدْ هْيُومْ يَقُولُهُ.

كَانَتْ فَرْضِيَّتُهُ الْأَسَاسِيَّةُ كَالتَّالِي: أَنَّنَا لَا نَحْظَى الْبَتَّةَ بِإِدْرَاكٍ مُبَاشِرٍ لِلسَبَبِيَّةِ. نَحْنُ نَظُنُّ غَيْرَ ذَلِكَ، وَنَبْحَثُ بِاسْتِمْرَارٍ عَنْ أَسْبَابِ الْأَشْيَاءِ، وَنُلَاحِظُ مَا يَحْدُثُ مِنْ حَوْلِنَا. مَثَلًا، حِينَ نَشْهَدُ الْحَدَثَ الْمُعْتَادَ لِسُقُوطِ الْأَمْطَارِ وَتَبَلُّلِ الْعُشْبِ. مَاذَا نَفْتَرِضُ؟ وَمَا الِاسْتِنْتَاجُ الَذِي نَسْتَخْلِصُهُ؟ نَسْتَنْتِجُ أَنَّ سَبَبَ تَبَلُّلِ الْعُشْبِ هُوَ سُقُوطُ الْأَمْطَارِ، لِأَنَّهُ قَبْلَ سُقُوطِ الْأَمْطَارِ، لَمْ يَكُنِ الْعُشْبُ مُبْتَلًّا، وَبَعْدَ سُقُوطِهَا تَبَلَّلَ. وَالْأَمْطَارُ نَفْسُهَا هي بَلَلٌ. لَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ عَالِمًا فَذًّا حَتَّى تَسْتَنْتِجَ وُجُودَ عَلَاقَةٍ سَبَبِيَّةٍ هُنَا. لَكِنَّ "هْيُومْ" يَقُولُ: "مَهْلًا، رُبَّمَا يَبْدُو الْأَمْرُ هَكَذَا لِلْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ، لَكِنْ رُبَّمَا تَجْرِي شَتَّى أَنْوَاعِ الْأُمُورِ غَيْرِ الْمَنْظُورَةِ الَتِي نَعْجِزُ عَنْ إِدْرَاكِهَا". وَهُوَ قَطْعًا كَانَ يَدْحَضُ بِهَذَا بَعْضَ النَظَرِيَّاتِ الَتِي وَضَعَهَا سَابِقًا فِي الْقَرْنِ السَابِعَ عَشَرَ عَقْلَانِيُّونَ مِثْلُ دِيكَارْتْ وَلِيبْنِيزْ (Leibniz) وَسْبِينُوزَا (Spinoza). لَا أَبْغِي التَكَلُّمَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآنَ. كَانَ هْيُومْ يَقُولُ: "كُلُّ مَا نَرَاهُ هُنَا هُوَ عَلَاقَةُ تُلَاصُقٍ"، أَوْ مَا أَسْمَاهُ عَلَاقَةً اعْتِيَادِيَّةً. الْعَلَاقَةُ الِاعْتِيَادِيَّةُ هِيَ عَلَاقَةٌ يَبْدُو أَنَّنَا نَرَاهَا تَتَكَرَّرُ كَثِيرًا جِدًّا، وَنَعْتَادُ عَلَى افْتِرَاضِ اسْتِمْرَارِهَا كَمَا كَانَتْ فِي الْمَاضِي. فَإِنَّنَا مُعْتَادُونَ، حِينَ نَخْلُدُ إِلَى النَوْمِ لَيْلًا، عَلَى افْتِرَاضِ أَنَّ الشَمْسَ الَتِي غَابَتْ سَتُشْرِقُ مُجَدَّدًا فِي الصَبَاحِ. لَسْنَا عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّ الشَمْسَ سَتُشْرِقُ غَدًا، لَكِنَّنَا نَفْتَرِضُ ذَلِكَ فِي ثِقَةٍ بِنَاءً عَلَى الْعَدَدِ الْهَائِلِ مِنْ مَرَّاتِ اخْتِبَارِ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ الِاعْتِيَادِيَّةِ فِي الْمَاضِي. لَكِنْ قَالَ هْيُومْ إِنَّنَا لَسْنَا عَلَى يَقِينٍ. لَسْنَا نَعْرِفُ حَقًّا سَبَبَ ذَلِكَ. وَكُلُّ مَا نَرَاهُ هُوَ عَلَاقَةُ تَلَاصُقٍ. تُشِيرُ عَلَاقَةُ التَلَاصُقِ إِلَى عَلَاقَةٍ يَتْبَعُ فِيهَا حَدَثٌ الْآخَرَ، أَوْ يَتْبَعُ فِيهَا فِعْلٌ الْآخَرَ، بِدَرَجَةٍ عَالِيَةٍ مِنَ التَوَقُّعِيَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ.

أَوْضَحَ هْيُومْ ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ مِثَالِهِ التَوْضِيحِيِّ الشَهِيرِ عَنْ كُرَاتِ الْبِلْيَارْدُو عَلَى طَاوِلَةِ الْبِلْيَارْدُو. لِنَتَأَمَّلْ قَلِيلًا فِي لُعْبَةِ الْبِلْيَارْدُو، ونَرَ مَا يَجْرِي فِيهَا. لَدَيْنَا الطَاوِلَةُ وَالْجُيُوبُ وَالْكُرَاتُ وَمَا إِلَى ذَلِكَ. وَالْهَدَفُ هُوَ ضَرْبُ الْكُرَةِ الْمَنْشُودَةِ لِتَسْقُطَ فِي أَحَدِ الْجُيُوبِ. إِذَنْ، أَبْدَأُ بِاسْتِعْمَالِ عَصَا الْبِلْيَارْدُو. هَذِهِ هِيَ الْأَدَاةُ، أَوْ "الْأُورْجَانُونْ"، لِلُعْبَةِ الْبِلْيَارْدُو. فَإِنِّي لَا أَقِفُ وَأُلْقِيَ بِالْكُرَاتِ فِي أَرْجَاءِ الطَاوِلَةِ، أَوْ أَنْفُخُ عَلَيْهَا، بَلْ أَسْتَعْمِلُ عَصَا الْبِلْيَارْدُو. إِذَنْ أَنَا أَقُومُ بِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ. يُحَرِّكُ ذِرَاعِي عَصَا الْبِلْيَارْدُو، فَأَضْرِبُ الْكُرَةَ الْبَيْضَاءَ بِعَصَا الْبِلْيَارْدُو. وَحِينَ أَضْرِبُ الْكُرَةَ الْبَيْضَاءَ. مَاذَا يَحْدُثُ؟ تَبْدَأُ بِالتَدَحْرُجِ فَوْقَ الطَاوِلَةِ، ثُمَّ تَصْطَدِمُ الْكُرَةُ الْبَيْضَاءُ بِالْكُرَةِ الْمَنْشُودَةِ. وَبَعْدَمَا تَصْطَدِمُ الْكُرَةُ الْبَيْضَاءُ بِالْكُرَةِ الْمَنْشُودَةِ، مَاذَا يَحْدُثُ لِلْكُرَةِ الْمَنْشُودَةِ؟ تَبْدَأُ بِالتَحَرُّكِ، وَنَحْنُ آمِلُونَ أَنْ تَتَحَرَّكَ بِاتِّجَاهِ الْجَيْبِ لِتَخْتَفِيَ دَاخِلَهُ، فَنَكُونَ قَدْ سَجَّلْنَا النُقْطَةَ الَتِي نُحَاوِلُ تَسْجِيلَهَا. كُلُّ هَذَا يَتَطَلَّبُ أَفْعَالًا وَتَفَاعُلَاتٍ نَفْتَرِضُ نَحْنُ أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ مَعًا بِفِعْلِ السَبَبِيَّةِ. لَكِنْ يَقُولُ هْيُومْ إِنَّ مَا نَرَاهُ هُوَ شَخْصٌ يُمْسِكُ بِعَصًا، ثُمَّ يَتَحَرَّكُ الشَخْصُ وَالْعَصَا، ثُمَّ تَضْرِبُ الْعَصَا الْكُرَةَ، وَتَبْدَأُ الْكُرَةُ بِالتَحَرُّكِ، وَتَصْطَدِمُ الْكُرَةُ بِالْكُرَةِ الْمَنْشُودَةِ، ثُمَّ تَبْدَأُ الْكُرَةُ الْمَنْشُودَةُ بِالتَحَرُّكِ وَتَتَدَحْرَجُ لِتَسْقُطَ فِي الْجَيْبِ. وَمَاذَا نَفْتَرِضُ؟ نَفْتَرِضُ أَنَّنَا نَحْنُ مَنْ تَسَبَّبَ فِي ذَلِكَ. مِنْ أَيْنَ نَعْلَمُ مَثَلًا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ مُنْذُ الْأَزَلِ بِأَنَّهُ فِي اللَحْظَةِ نَفْسِهَا مِنَ التَارِيخِ الَتِي سَأُحَرِّكُ فِيهَا هَذِهِ الْعَصَا، سَيَبْدَأُ هُوَ بِتَحْرِيكِ الْكُرَةِ الْبَيْضَاءِ؟ وَمِنْ أَيْنَ نَعْلَمُ أَنَّ رُوحًا شِرِّيرًا غَيْرَ مَنْظُورٍ لَمْ يُحَرِّكِ الْكُرَةَ مِنْ تَحْتِ الطَاوِلَةِ بَعْدَ اصْطِدَامِ الْكُرَةِ الْبَيْضَاءِ بِالْكُرَةِ الْمَنْشُودَةِ؟ وَمِنْ أَيْنَ نَعْلَمُ أَنَّ حَرَكَةَ الْكُرَةِ الْبَيْضَاءِ هِيَ مَا تَسَبَّبَ فِي حَرَكَةِ الْكُرَةِ الْمَنْشُودَةِ؟

قَدْ يَبْدُو هَذَا سَخِيفًا لِلْغَايَةِ. وَتَبْدُو الْفَلْسَفَةُ أَحْيَانًا سَخِيفَةً تَمَامًا. لَكِنَّ هْيُومْ قَامَ هُنَا بِتَحْلِيلٍ جَادٍّ لِشَيْءٍ أَسَاسِيٍّ لِلْمَعْرِفَةِ وَلِلْعِلْمِ، لِأَنَّنَا مُنْشَغِلُونَ كَثِيرًا فِي الْعِلْمِ بِمَسْأَلَةِ الْأَسْبَابِ. وَحِينَ نَتَحَدَّثُ عَنِ السَبَبِ الْأَسَاسِيِّ لِكُلِّ الْوَاقِعِ وَكُلِّ الْكَوْنِ، فَإِنَّنَا نَتَحَدَّثُ عَنِ السَبَبِيَّةِ بِكُلِّ جِدِّيَّةٍ. يَقُولُ هْيُومْ إِنَّنَا لَا نَرَى السَبَبَ الْمُبَاشِرَ، بَلْ نَرَى عَلَاقَاتٍ مِنْ التَلَاصُقِ، أَيْ أَحْدَاثًا مُتَلَاصِقَةً، أوْ مُتَتَابِعَةً. لَسْنَا نَرَى الصِلَةَ، بَلْ كُلُّ مَا نَرَاهُ هُوَ تَسَلْسُلٌ مِنَ الْأَحْدَاثِ. أَتَفْهَمُونَ ذَلِكَ؟ فَهُوَ يَقُولُ إِنَّنَا نَفْتَرِضُ السَبَبِيَّةَ. وَهَذَا أَمْرٌ طَبَّقَهُ الْعِلْمُ مُنْذُ أَيَّامِ طَالِيسْ، وَحَتَّى قَبْلَ طَالِيسْ، فِي الْيُونَانِ الْقَدِيمَةِ. فَنَحْنُ مَنِ ابْتَدَعَ فِكْرَةَ السَبَبِيَّةِ.

تَوَصَّلَ الْبَعْضُ إِلَى الِاسْتِنْتَاجِ بِأَنَّ تَحْلِيلَ هْيُومِ الدَقِيقَ لِلسَبَبِيَّةِ وَالشُكُوكِيَّةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِدْرَاكِ الْحِسِّيِّ يَهْدِمُ مَبْدَأَ أَوْ قَانُونَ السَبَبِ وَالنَتِيجَةِ، لِدَرَجَةِ أَنَّهُ يُمْكِنُنَا الْقَوْلُ الْآنَ، وَفْقَ مَنْهَجِنَا الْعِلْمِيِّ الْمُتَطَوِّرِ، إِنَّهُ يُمْكِنُ لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ، وَيُمْكِنُ لِأَيّ شَيْءٍ أَنْ يَحْدُثَ، وَلِلْأُمُورِ أَنْ تَحْدُثَ دُونَ سَبَبٍ. وَيُمْكِنُ لِلْأَشْيَاءِ الْمَادِّيَّةِ أَنْ تَظْهَرَ دُونَ سَبَبٍ. لِأَنَّ دَيْفِيدْ هْيُومْ أَثْبَتَ ذَلِكَ فِي مَجَالِ الْفَلْسَفَةِ. يَحْتَكِمُ هَؤُلَاءِ إِلَى هْيُومْ لِدَعْمِ لُجُوئِهِمْ إِلَى الْعَدَمِ أَوِ الصُدْفَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. أَتَذْكُرُونَ مَا قَالَهُ "هْيُومْ" عَنِ الصُدْفَةِ؟ قَرَأْتُ لَكُمُ الْمَقْطَعَ الَذِي قَالَ فِيهِ "هْيُومْ" إِنَّ الصُدْفَةَ هِيَ بِبَسَاطَةٍ كَلِمَةٌ بَدِيلَةٌ عَنْ جَهْلِنَا بِالْأَسْبَابِ الْحَقِيقِيَّةِ. يَكْشِفُ لَنَا ذَلِكَ أَمْرًا عَنْ هْيُومْ نَغْفُلُ عَنْهُ عَادَةً. لَمْ يَقْضِ هْيُومْ عَلَى السَبَبِيَّةِ. وَلَمْ يَقْضِ عَلَى قَانُونِ السَبَبِ وَالنَتِيجَةِ. وَلَمْ يُنْكِرْ وُجُودَ أَسْبَابٍ لِلْأَشْيَاءِ. بَلْ كُلُّ مَا قَالَهُ هُوَ إِنَّنَا نَجْهَلُ السَبَبَ الْمُحَدَّدَ فِي لَحْظَةٍ مُعَيَّنَةٍ. هَذَا نَوْعٌ مِنَ الشُكُوكِيَّةِ. لَكِنَّهَا خُطْوَةٌ جَرِيئَةٌ، وَقَفْزَةٌ نَوْعِيَّةٌ، أَنْ نَقُولَ إِنَّهُ يُمْكِنُ وُجُودُ نَتَائِجَ دُونَ أَسْبَابٍ.

ذَكَرْتُ مُنْذُ قَلِيلٍ كِتَابِي بِعُنْوَانِ "الدِفَاعِيَّاتُ الْكْلَاسِيكِيَّةُ"، الَذِي قَدَّمَتْ إِحْدَى الْمَجَلَّاتِ الْأَكَادِيمِيَّةِ نَقْدًا لَهُ، وَكَتَبَ أَحَدُ الْفَلَاسِفَةِ مُثْنِيًا بِشِدَّةٍ عَلَى الْكِتَابِ، لَكِنَّهُ قَالَ إِنَّ لَدَيْهِ اعْتِرَاضًا وَاحِدًا. وَأَرْسَلَ إِلَيَّ نُسْخَةً مِنْ مَقَالِهِ النَقْدِيِّ الَذِي نُشِرَ، وَالَذِي تَضَمَّنَ اعْتِرَاضًا وَاحِدًا فَحَسْبُ بِشَأْنِ الْكِتَابِ. وَأَدْلَى بِهَذَا التَصْرِيحِ وَقَالَ: "مُشْكِلَةُ سْبْرُولْ" - هُوَ يَعْنِينِي - قَالَ: "مُشْكِلَةُ سْبْرُولْ هِيَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ بِنَتِيجَةٍ بِلَا سَبَبٍ". قَرَأْتُ ذَلِكَ، وَفَكَّرْتُ فِي تَفَجُّرِ الْكَوْنِ إِلَى حَيِّزِ الْوُجُودِ، وَالْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ مِنَ اللَاشَيْءِ، إِلَى آخِرِهِ. ثُمَّ كُتِبَتُ لَهُ رِسَالَةً لَطِيفَةً، شَكَرْتُهُ فِيهَا عَلَى ثَنَائِهِ، وَقُلْتُ: "لَكِنْ عَلَيَّ الِاعْتِرَافُ بِخَطَئِي: سْبْرُولْ لَا يَقْبَلُ بِنَتِيجَةٍ بِلَا سَبَبٍ. أَنْتَ مُحِقٌّ تَمَامًا فِي ذَلِكَ". وَقُلْتُ: "لَكِنَّكَ ذَكَرْتَ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ انْتِقَادٌ، فِي حِينِ ظَنَنْتُ أَنَّهُ مِنَ الْجَيِّدِ أَلَّا أَقْبَلَ بِوُجُودِ نَتِيجَةٍ بِلَا سَبَبٍ. سَأَتُوبُ قَطْعًا عَنْ هَذِهِ الرَذِيلَةِ فَقَطْ إِنْ كَرَّسْتَ الْوَقْتَ لِتُقَدِّمَ لِي مِثَالًا وَاحِدًا فِي كُلِّ الْوَاقِعِ وَكُلِّ التَارِيخِ لِنَتِيجَةٍ بِلَا سَبَبٍ". لَمْ أَتَلَقَّ رَدًّا قَطُّ، وَلَا أَظُنُّ أَنِّي سَأَتَلَقَّاهُ يَوْمًا، لِأَنَّ تِلْكَ حَالَةٌ غَفَا فِيهَا هَذَا الْفَيْلَسُوفُ وَاسِعُ الِاطِّلَاعِ وَالضَلِيعُ وَالْبَارِعُ. فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ نَتِيجَةٌ بِلَا سَبَبٍ. وَلِمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ نَتِيجَةٌ بِلَا سَبَبٍ؟ لِأَنَّ كَلِمَةَ "نَتِيجَةٍ" -بِحُكْمِ تَعْرِيفِهَا - هِيَ مَا يَنْتِجُ عَنْ سَبَبٍ سَابِقٍ. وَبِحَسْبِ قَانُونِ السَبَبِيَّةِ - "لِكُلِّ نَتِيجَةٍ سَبَبٌ، أَوْ لِكُلِّ سَبَبٍ نَتِيجَةٌ" - يَكُونُ هَذَا التَعْرِيفُ صَحِيحًا تَحْلِيلِيًّا. فَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ شَيْءٌ يَزِيدُ عَمَّا تَضَمَّنَهُ الْمُبْتَدِئُ بِالْفِعْلِ. يُشْبِهُ ذَلِكَ قَوْلَنَا: "لِكُلِّ الْمُثَلَّثَاتِ ثَلَاثَةُ أَضْلَاعٍ"، أَوْ قَوْلَنَا "الْعَازِبُونَ رِجَالٌ غَيْرُ مُتَزَوِّجِينَ". لَا جَدِيدَ أُضِيفَ هُنَا. فَقَانُونُ السَبَبِيَّةِ لَيْسَ سِوَى مَبْدَأٍ رَسْمِيٍّ. وَهُوَ لَيْسَ سِوَى أَحَدِ تَطْبِيقَاتِ قَانُونِ عَدَمِ التَنَاقُضِ. لِأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ النَتِيجَةُ نَتِيجَةً، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ لَهَا سَبَبًا. وَإِذَا كَانَ شَيْءٌ مَا سَبَبًا بِالْحَقِيقَةِ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ أَثْمَرَ نَتِيجَةً. وَإِنْ لَمْ يُثْمِرْ نَتِيجَةً، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ نُسَمِّيَهُ سَبَبًا. وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ بِلَا سَبَبٍ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ نُسَمِّيَهُ بِالنَتِيجَةِ. هَلْ هَذَا وَاضِحٌ؟ أَعْنِي أَنَّ الْأَمْرَ بَسِيطٌ!

لَكِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ بِهَذِهِ الْبَسَاطَةِ، لِأَنَّ الْخَلْطَ اللُغَوِيَّ يَحْدُثُ هُنَا مُجَدَّدًا لَدَى الْبَعْضِ مِنْ أَبْرَزِ الْمُفَكِّرِينَ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ. أُفَكِّرُ مَثَلًا فِي رَجُلٍ كَانَ عِمْلَاقًا حَقِيقِيًّا فِي مَجَالِ الرِيَاضِيَّاتِ وَالْفَلْسَفَةِ فِي إِنْجِلْتِرَا فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ - وَهُوَ بِرْتِرَانْدْ رَاسِلْ (Bertrand Russell). أَلَّفَ رَاسِلْ كِتَابًا صَغِيرًا بِعُنْوَانِ "لَمَ لَسْتُ مَسِيحِيًّا؟" (Why I am Not a Christian)، وَهُوَ كِتَابٌ لَافِتٌ وَمُذْهِلٌ، يُبْدِي بَعْضَ الِاعْتِرَاضَاتِ الْمُهِمَّةِ عَلَى الْإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ. لَكِنْ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ رَوَى عَنِ اخْتِبَارٍ مَرَّ بِهِ فِي شَبَابِهِ. قَالَ إِنَّهُ نَشَأَ مُفْتَرِضًا وُجُودَ اللَّهِ. وَكَانَ يَتَطَلَّعُ إِلَى الطَبِيعَةِ وَيَسْتَنْتِجُ وُجُوبَ وُجُودِ عِلَّةٍ أَزَلِيَّةٍ لِكُلِّ هَذَا. هَذَا جَيِّدٌ حَتَّى الْآنَ. وَحِينَ بَلَغَ الثَامِنَةَ عَشَرَ مِنْ عُمْرِهِ، قَرَأَ مَقَالًا بِقَلَمِ جُونْ سْتِيوَارْتْ مِيلْ، اعْتَرَضَ فِيهِ "مِيلْ" عَلَى الْحُجَّةِ الْكَوْنِيَّةِ الْمُؤَيِّدَةِ لِوُجُودِ اللَّهِ، أَيِ الْفِكْرَةِ الْقَائِلَةِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْعِلَّةُ الْأُولَى لِكُلِّ مَا هُوَ مَوْجُودٌ. وَالِاعْتِرَاضُ الَذِي أَبْدَاهُ جُونْ سِتِيوَارْتْ مِيلْ فِي هَذَا الْمَقَالِ كَانَ: إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ سَبَبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ نَفْسِهِ سَبَبٌ. وَمَا سَبَّبَ اللَّهَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَبَبٌ. وَبِهَذَا نَضِيعُ فِي رُجُوعٍ لَانِهَائِيٍّ لِلْوَرَاءِ. وَتِلْكَ هِيَ مُشْكِلَةُ الْخَلْقِ الذَاتِيِّ أَوْ الْكَائِنِ غَيْرِ الْمَحْدُودِ، إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ. إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ سَبَبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ، فَلَا بُدَّ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ سَبَبٌ. وَلَاحِقًا، أَدْلَى رَاسِلْ بِهَذَا التَعْلِيقِ الْقَائِلِ: "إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ سَبَبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ، فَلَا بُدَّ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ سَبَبٌ. وَإِذَا كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ لِشَيْءٍ أَنْ يَكُونَ بِلَا سَبَبٍ، فَمَا يَنْطَبِقُ عَلَى اللَّهِ يَنْطَبِقُ عَلَى الْعَالَمِ".

مَا رَأْيِي فِي هَذِهِ الْحُجَّةِ؟ مَا رَأْيِي فِي الْمَنْطِقِ الَذِي اسْتَخْدَمَهُ رَاسِلْ؟ أَتَذْكُرُونَ أَنَّنَا قُلْنَا إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِلْحُجَجِ أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً أَوْ خَاطِئَةً، وَإِنَّمَا الْحُجَجُ هِيَ إِمَّا مَشْرُوعَةٌ أَوْ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ؟ هَلْ حُجَّةُ رَاسِلْ مَشْرُوعَةٌ؟ نَعَمْ. سَبَقَ أَنْ قُلْتُ إِنَّ الْجَوَابَ هُوَ نَعَمْ. كُنْتُ أَنْتَظِرُ السُؤَالَ. هَا قَدْ تَذَكَّرْتُمْ. حَسَنًا، هَذِهِ حُجَّةٌ مَشْرُوعَةٌ لِأَنَّهُ مِنَ الصَوَابِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ سَبَبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ فَلَا بُدَّ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ سَبَبٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ ثُمَّ تَابَعَ قَائِلًا: "إِذَا كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ لِشَيْءٍ أَنْ يَكُونَ بِلَا سَبَبٍ، فَمَا يَنْطَبِقُ عَلَى اللَّهِ يَنْطَبِقُ عَلَى الْعَالَمِ". الْفَرْضِيَّةُ الثَانِيَةُ يَشُوبُهَا بَعْضُ الرِيبَةِ. لَكِنِّي سَأَقْبَلُ بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنَ الْحُجَّةِ. إِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ سَبَبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ، فَلَا بُدَّ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ سَبَبٌ. الْمُشْكِلَةُ هُنَا هِيَ أَنَّ قَانُونَ السَبَبِيَّةِ لَا يَقُولُ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ سَبَبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ. مَا مِنْ قَانُونٍ يَقُولُ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ سَبَبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ. يَقُولُ الْقَانُونُ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ سَبَبٍ لِكُلِّ نَتِيجَةٍ، بِتَعْبِيرٍ آخَرَ، لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ سَبَبٍ لِكُلِّ كَائِنٍ اعْتِمَادِيٍّ. هَذَا هُوَ مَعْنَى الِاعْتِمَادِيَّةِ. هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مَوْجُودٌ هُوَ اعْتِمَادِيٌّ أَوْ هُوَ نَتِيجَةٌ. فَالْخَلْقُ الذَاتِيُّ اسْتِحَالَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ، لَكِنَّ ذَاتِيَّةَ الْوُجُودِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. وَمَا تُؤَكِّدُهُ الْمَسِيحِيَّةُ هُوَ أَنَّ اللَّهَ كَائِنٌ أَزَلِيٌّ، مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ. فَهُوَ لَيْسَ نَتِيجَةً، وَلَيْسَ اعْتِمَادِيًّا، أَوْ مَخْلُوقًا. وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بِدَايَةٌ، وَلَمْ يُسَبِّبْهُ شَيْءٌ. فَهُوَ أَزَلِيٌّ. هَلْ يَنْتَهِكُ هَذَا الْمَفْهُومُ أَيَّ قَانُونٍ فِي الْمَنْطِقِ؟ لَا. فَمَا مِنْ شَيْءٍ غَيْرِ مَنْطِقِيٍّ فِي وُجُودِ كَائِنٍ أَزَلِيٍّ لَمْ يُسَبِّبْهُ شَيْءٌ. وَفِي الْوَاقِعِ، وَمِثْلَمَا أَثْبَتَ الْأَكْوِينِيُّ، لَيْسَ وُجُودُ كَائِنٍ كَهَذَا مُمْكِنًا فَحَسْبُ، بَلْ مِنَ الضَرُورِيِّ مَنْطِقِيًّا أَنْ يُوجَدَ كَائِنٌ كَهَذَا كَيْ يُوجَدَ أَيُّ شَيْءٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ. فَلَا بُدَّ لِشَيْءٍ مَا أَنْ يَتَمَتَّعَ بِقُوَّةِ الْوُجُودِ بِاسْتِقْلَالٍ عَنْ أَيِّ سَبَبٍ سَابِقٍ، وَإِلَّا لَمَا وُجِدَ شَيْءٌ.

أَصِلُ بِذَلِكَ إِلَى الْجُزْءِ الثَانِي. مَا حَدَثَ هُوَ أَنَّ جُونْ سْتِيوَارْتْ مِيلْ غَيَّرُ تَعْرِيفَ قَانُونِ السَبَبِيَّةِ وَقَالَ: "إِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ سَبَبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ، فَلَا بُدَّ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ سَبَبٌ". يُشْبِهُ ذَلِكَ صَبِيًّا صَغِيرًا سَأَلَهُ أَحَدُهُمْ: "مَنْ سَبَّبِ اللَّهَ؟"، أَوْ "مَنْ صَنَعَ اللَّهَ؟" فَأَجَابَ: "اللَّهُ صَنَعَ نَفْسَهُ" لَا، لَا، لَا! فَحَتَّى اللَّهُ نَفْسُهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَخْلُقَ نَفْسَهُ. وَحَتَّى اللَّهُ نَفْسُهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ وَلَا يَكُونُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ وَفِي الْعَلَاقَةِ نَفْسِهَا. فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ وَقْتٌ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ، فَالتَوَلُّدُ التِلْقَائِيُّ لِلْكَوْنِ، وَالتَوَلُّدُ التِلْقَائِيُّ لِإِلَهٍ غَيْرِ مُمْكِنَيْنِ. وَحَتَّى الْوَقْتُ نَفْسُهُ لَا يَتَمَتَّعُ بِالْقُدْرَةِ الْمُعْجِزِيَّةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِإِلَهٍ مِنَ الْعَدَمِ. كُلُّ مَا هُوَ مَوْجُودٌ إِمَّا مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ أَوْ سَبَّبَهُ شَيْءٌ آخَرُ. هَذَانِ هُمَا الْخِيَارَانِ الْوَحِيدَانِ. لَكِنَّ "مَيْلْ" قَالَ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ سَبَبٍ لِكُلِّ مَا هُوَ مَوْجُودٌ. هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. وَلِلْأَسَفِ، حِينَ كَانَ بِرْتِرَانْدْ رَاسِلْ شَابًّا سَرِيعَ التَّأَثُّرِ، فِي الثَامِنَةَ عَشَرَ، أَقْنَعَتْهُ حُجَّةٌ خَاطِئَةٌ قَدَّمَهَا فَيْلَسُوفٌ بَارِزٌ، هُوَ جُونْ سِتِيوَارْتْ مِيلْ. وَتَمَسَّكَ بِهَذَا الرَّأْيِ طَوَالَ حَيَاتِهِ.

الْجُزْءُ الثَانِي مِنْ تَصْرِيحِهِ هُوَ: "وَإِذَا كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ لِشَيْءٍ أَنْ يُوجَدَ بِلَا سَبَبٍ، فَمَا يَنْطَبِقُ عَلَى اللَّهِ يَنْطَبِقُ عَلَى الْعَالَمِ". ذَكَرْتُ أَنَّنِي لَنْ أَتَحَدَّثَ عَنِ الْبَدِيلِ الْآخَرِ لِتَفْسِيرِ الْخَلْقِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَالَمَ أَزَلِيٌّ. أَخْتَلِفُ مَعَ مَا يَقُولُهُ بِرْتِرَانْدْ رَاسِلْ: "وَإِذَا كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ لِشَيْءٍ أَنْ يُوجَدَ بِلَا سَبَبٍ، فَمَا يَنْطَبِقُ عَلَى اللَّهِ يَنْطَبِقُ عَلَى الْعَالَمِ". هَلْ هَذَا صَحِيحٌ؟ دَعُونِي أُصِيغُ ذَلِكَ كَالتَالِي. إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ شَيْءٍ بِلَا سَبَبٍ - وَنَتَّفِقُ مَعَ بِرْتِرَانْدْ رَاسِلْ، فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ شَيْءٍ بِلَا سَبَبٍ - فَمَا يَنْطَبِقُ عَلَى اللَّهِ يَنْطَبِقُ عَلَى سْبْرُولْ. مَا الْخَطْبُ فِي ذَلِكَ؟ سْبْرُولْ لَهُ بِدَايَةٌ. سْبْرُولْ مَحْدُودٌ. سْبْرُولْ مُسْتَمَدٌّ مِنْ آخَرَ. سْبْرُولْ مُعْتَمِدٌ عَلَى آخَرَ. سْبْرُولْ اعْتِمَادِيٌّ. سْبْرُولْ قَابِلٌ لِلتَغْيِيرِ. سْبْرُولْ يَفْتَقِرُ إِلَى قُوَّةِ الْكَائِنِ الضَرُورِيِّ، مِثْلَمَا يَفْتَقِرُ كُلُّ شَيْءٍ مَادِّيٍّ آخَرَ إِلَى قُوَّةِ الْكَائِنِ الضَرُورِيِّ. إِذَنْ، لَيْسَ صَحِيحًا أَنَّ مَا يَنْطَبِقُ عَلَى اللَّهِ يَنْطَبِقُ عَلَى الْعَالَمِ. نَحْتَاجُ إِلَى كَائِنٍ أَزَلِيٍّ، وَذَاتِيِّ الْوُجُودِ، وَمُسْتَقِلٍّ، لَيْسَ هُوَ نَفْسَهُ نَتِيجَةً. وَلَا شَيْءَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، أَيُّهَا الْأَحِبَّاءُ، يَقْدِرُ أَنْ يُنْقِذَ ظَوَاهِرَ الْكَوْنِ الَذِي نَعِيشُ فِيهِ.