المحاضرة 5: المَلائِكَةُ الرُسُلُ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 5: المَلائِكَةُ الرُسُلُ

نُتَابِعُ الْآنَ دِرَاسَتَنَا لِلْعَقِيدَةِ الْكِتَابِيَّةِ عَنِ الْمَلَائِكَةِ. وَبَيْنَمَا نَسْتَكْمِلُ الدِرَاسَةَ الْيَوْمَ، سَنَتَنَاوَلُ بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ وَظِيفَتَهُمْ كَرُسُلٍ فِي تَارِيخِ الْفِدَاءِ. وَإِذَا سَمَحَ الْوَقْتُ، سَنَتَنَاوَلُ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَسِيحِ، لِأَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ تَبْرُزُ فِي صَفَحَاتِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ.

لَكِنْ لِنَعُدْ إِلَى الْأَصْحَاحِ 1 مِنْ إِنْجِيلِ لُوقَا، حَيْثُ نَجِدُ الرِوَايَاتِ الْأَكْثَرَ اكْتِمَالًا عَنْ طُفُولَةِ الْمَسِيحِ فِي الْأَنَاجِيلِ كُلِّهَا. وَسَنَبْدَأُ مِنْ الْأَصْحَاحِ 1، وَالْآيَةِ 5، حَيْثُ نَقْرَأُ:

كَانَ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ مَلِكِ الْيَهُودِيَّةِ كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، وَامْرَأَتُهُ مِنْ بَنَاتِ هارُونَ وَاسْمُهَا أَلِيصَابَاتُ. وَكَانَا كِلَاهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ، سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلَا لَوْمٍ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ، إِذْ كَانَتْ أَلِيصَابَاتُ عَاقِرًا. وَكَانَا كِلَاهُمَا مُتَقَدِّمَيْنِ فِي أَيَّامِهِمَا. فَبَيْنَمَا هُوَ يَكْهَنُ فِي نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ أَمَامَ اللهِ، حَسَبَ عَادَةِ الْكَهَنُوتِ، أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى هَيْكَلِ الرَّبِّ وَيُبَخِّرَ. وَكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلُّونَ خَارِجًا وَقْتَ الْبَخُورِ. فَظَهَرَ لَهُ مَلَاكُ الرَّبِّ وَاقِفًا عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ. فَلَمَّا رَآهُ زَكَرِيَّا اضْطَرَبَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ خَوْفٌ.

تَعْلَمُونَ مَا يَجْرِي هُنَا: فَفِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ مِنَ التَارِيخِ كَانَ زَكَرِيَّا لَاوِيًّا - كَاهِنًا لَاوِيًّا - وَكَانَ لَدَى الْيَهُودِ مَوْضِعُ عِبَادَةٍ مَرْكَزِيٍّ فِي هَيْكَلِ أُورْشَلِيمَ. وَكَانَتْ الْقُرْعَةُ تُلْقَى بَيْنَ الْكَهَنَةِ الْمَحَلِّيِّينَ مِنْ مُخْتَلِفِ الْمَنَاطِقِ فِي الْأُمَّةِ، فَيَتِمُّ اخْتِيَارُهُمْ، إِنْ كَانُوا سَعِيدِي الْحَظِّ كِفَايَةً، مَرَّةً وَاحِدَةً خِلَالَ حَيَاتِهِمْ، لِلْخِدْمَةِ فِي هَيْكَلِ أُورُشَلِيمَ. إِذَنْ، كَانَ أَوَّلُ شُعَاعِ نُورٍ، إِنْ جَازَ التَعْبِيرُ، فِي حَيَاةِ زَكَرِيَّا هُوَ أَنَّهُ فَازَ بِالْقُرْعَةِ، وَرَبِحَ الْجَائِزَةَ الْكُبْرَى. وَبِالنِسْبَةِ إِلَيْهِ، كَانَ الصُعُودُ إِلَى أُورْشَلِيمَ وَالْمُشَارَكَةُ فِي الْخِدْمَةِ فِي الْهَيْكَلِ خِبْرَةً لَا تُنْسَى. وَكَانَ دَوْرُهُ أَنْ يَدْخُلَ وَيَرْفَعَ الصَلَاةَ عِنْدَ مَذْبَحِ الْبَخُورِ فِي الْمَقْدِسِ، أَيْ فِي الْقُدْسِ. وَعِنْدَمَا يَدْخُلُ الْكَاهِنُ، كَانَ يُصَلِّي لِأَجْلِ الْأُمَّةِ، وَلِذَا كَانَ ذَلِكَ يَجْذِبُ دَائِمًا عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ النَاسِ، الَذِينَ يُحِيطُونَ بِالْهَيْكَلِ وَيُرَاقِبُونَ الْكَاهِنَ وَهُوَ يَدْخُلُ، وَيَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ. يَكَادُ هَذَا يُشْبِهُ شَعْبَ رُومَا عِنْدَ انْتِخَابِ الْبَابَا. تَتَكَتَّلُ جُمُوعُ الشَعْبِ الْغَفِيرَةُ حَوْلَ الْفَاتِيكَانِ، وَيُرَاقِبُونَ الْمَدْخَنَةَ لِيَرَوْا الدُخَانَ الْمُتَصَاعِدَ مِنْهَا، إِنْ كَانَ أَسْوَدَ أَمْ أَبْيَضَ اللَوْنِ. فَإِنْ كَانَ أَسْوَدَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ التَصْوِيتَ أَخْفَقَ فِي انْتِخَابِ بَابَا جَدِيدٍ. وَإِنْ كَانَ أَبْيَضَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ تَمَّ انْتِخَابُ بَابَا جَدِيدٍ، فَيَثُورُ حَمَاسُ الشَعْبِ حِينَ يَرَوْنَ الْعَلَامَةَ.

حَسَنًا، كَانَ الْأَمْرُ ذَاتُهُ يَحْدُثُ حِينَ يَجْتَمِعُ النَاسُ حَوْلَ الْهَيْكَلِ وَيَنْتَظِرُونَ عَوْدَةَ الْكَاهِنِ، لِأَنَّهُ إِنْ خَرَجَ سَرِيعًا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الصَلَوَاتِ رُفِعَتْ، وَأَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ لِتَشَفُّعِ الْكَاهِنِ. لَكِنْ هُنَا، حَدَثَ تَأْخِيرٌ، وَكَانَ سَبَبُ التَأْخِيرِ هُوَ ذَلِكَ الْحَدَثُ الْفَاصِلُ وَالْمُفَاجِئُ تَمَامًا فِي حَيَاةِ زَكَرِيَّا، الَذِي وَقَعَ وَهُوَ يَخْدُمُ فِي الْهَيْكَلِ. فَفَجْأَةً، ظَهَرَ لَهُ مَلَاكٌ. وَلَاحِظُوا رَدَّ الْفِعْلِ الَذِي سَجَّلَهُ النَصُّ الْكِتَابِيُّ، قَائِلًا: "فَلَمَّا رَآهُ زَكَرِيَّا اضْطَرَبَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ خَوْفٌ".

هَذَا جَدِيرٌ بِالْمُلَاحَظَةِ لِهَذَا السَبَبِ. فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَنْظُورَ الْكِتَابِيَّ لَا يُفْهَمُ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَعْلِيمِ الْكِتَابِيِّ عَنْ حَقِيقَةِ عَالَمِ الْمَلَائِكَةِ. لَكِنْ فِي مُجْتَمَعِنَا وَعَصْرِنَا هَذَا، هُنَاكَ نَوْعٌ مِنَ التَشَكُّكِ تُجَاهَ هَذِهِ الْأُمُورِ، لِأَنَّ النَاسَ يَقُولُونَ إِنَّ رُؤْيَةَ الْمَلَائِكَةِ لَيْسَتْ جُزْءًا مِنْ خِبْرَتِنَا الْمُعْتَادَةِ. ثُمَّ نَأْتِي إِلَى الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَنَرَى هَذِهِ الْأَحْدَاثَ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَنَفْتَرِضُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا يَظْهَرُونَ كُلَّ 15 دَقِيقَةً عَبْرَ الْعَهْدَيْنِ الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ. لَيْسَ هَذَا صَحِيحًا. فَمَعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا يَظْهَرُونَ بِالْفِعْلِ مِنْ آنٍ لِآخَرَ، كَانَ الظُهُورُ الْمَنْظُورُ لِأَحَدِ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ الرُوحِيَّةِ نَادِرًا بِصُورَةٍ لَافِتَةٍ، كَمَا رَأَيْنَا فِي الْمُحَاضَرَةِ السَابِقَةِ، أَنَّهُمْ كَانُوا عَادَةً غَيْرَ مَرْئِيِّينَ، مِثْلَمَا حَدَثَ مَعَ أَلِيشَعَ وَغُلَامِهِ، إِذِ اضْطُرَّ أَنْ يُصَلِّيَ لِتَنْفَتِحَ عَيْنَا غُلَامِهِ فَيَرَى الْوَاقِعَ الْقَائِمَ، الَذِي كَانَ عَادَةً غَيْرَ مَرْئِيٍّ. وَحِينَ نَرَى أَنَّ الْخَوْفَ تَمْلَّكَ مِنْ هَذَا الْكَاهِنِ لَدَى ظُهُورِ الْمَلَاكِ، يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ إِلَى نُدْرَةِ هَذَا النَوْعِ مِنَ الْخِبْرَاتِ، حَتَّى آنَذَاكَ. إِذَنْ، بِتَعْبِيرٍ آخَرَ، لَمْ يَكُنْ زَكَرِيَّا مُعْتَادًا عَلَى لِقَاءِ الْمَلَائِكَةِ وَالتَّكَلُّمِ مَعَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ.

فَقَالَ لَهُ الْمَلَاكُ: "لَا تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لِأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا. وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلَادَتِهِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لَا يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". فَقَالَ زَكَرِيَّا لِلْمَلَاكِ: "كَيْفَ أَعْلَمُ هَذَا، لِأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟". فَأَجَابَ الْمَلَاكُ وَقَالَ لَهُ: "أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ اللهِ، وَأُرْسِلْتُ لِأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهَذَا. وَهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا وَلَا تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّمَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ هَذَا، لِأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلَامِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ".

إِذَنْ، عَرَّفَ الْمَلاكُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الْمَلَاكُ جِبْرَائِيلُ. فَقَطْ مَلَاكَانِ فِي كُلِّ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ ذُكِرا بِالِاسْمِ - مِيخَائِيلُ، الَذِي تَحَدَّثْنَا عَنْهُ قَبْلًا، وَالْآنَ جِبْرَائِيلُ الَذِي ظَهَرَ. وَقِيلَ إِنَّ كُلًّا مِنْ مِيخَائِيلَ وَجِبْرَائِيلَ كَانَا مَبْعُوثَيْنِ مُرْسَلَيْنِ مِنْ مَحْضَرِ اللَّهِ، وَهُمَا مِنْ رُتْبَةِ رُؤَسَاءِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ قَادَةِ جُنْدِ السَمَاءِ. وَلَاحِظُوا أَنَّ أَوَّلَ وَظِيفَةٍ تَوَلَّاهَا جِبْرَائِيلُ فِي هَذَا السِيَاقِ هِيَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا رَسُولًا. فَقَدْ سَلَّمَ رِسَالَةً، وَأَعْلَنَ خَبَرًا. فَقَدِ اطْلَعَ زَكَرِيَّا عَلَى مَا سَيَحْدُثُ. لَكِنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ رِسَالَةً فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا نَطَقَ بِأَمْرِ اللَّهِ. إِذَنْ، هُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَسُولٍ، أَوْ عَامِلِ تَوْصِيلٍ، يُرْسَلُ لِنَقْلِ بَعْضِ الْمَعْلُومَاتِ، لَكِنَّهُ جَاءَ مِنْ مَحْضَرِ اللَّهِ حَامِلًا سُلْطَانَ التَفْوِيضِ الْإِلَهِيِّ، لِيَأْمُرَ زَكَرِيَّا بِفِعْلِ أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ. وَأَحَدُ الْأَشْيَاءِ الَتِي أَمَرَهُ بِهَا هُوَ أَنَّ هَذَا الطِفْلَ الَذِي سَيُولَدُ يَجِبُ أَنْ يَتَّبِعَ سُلُوكًا مُعَيَّنًا فِي حَيَاتِهِ، شَبِيهًا بِنَمَطِ حَيَاةِ النَذِيرِ، وَأَنَّ اسْمَهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ يُوحَنَّا. وَفِي التَقْلِيدِ الْيَهُودِيِّ، تَدُلُّ تَسْمِيَةُ أَحَدِهِمْ لِشَخْصٍ أَوْ شَيْءٍ عَلَى سُلْطَانِهِ عَلَى ذَلِكَ الشَيْءِ أَوْ ذَلِكَ الشَخْصِ.

تَذَكَّرُوا أَنَّ أَوَّلَ مُهِمَّةٍ كَلَّفَ بِهَا اللَّهُ الْبَشَرَ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ هِيَ تَسْمِيَةُ الْحَيَوَانَاتِ، وَهُوَ مَا يُبَيِّنُ سِيَادَةَ الْبَشَرِ عَلَى مَمْلَكَةِ الْحَيَوَانِ. لَمْ تُسَمِّ الْحَيَوَانَاتُ آدَمَ وَحَوَّاءَ، بَلْ آدَمُ وَحَوَّاءُ سَمَّيَا الْحَيَوَانَاتِ. وَعَبْرَ التَارِيخِ، عَبْرَ التَارِيخِ الْكِتَابِيِّ، حِينَ كَانَ الْأَوْلَادُ يُولَدُونَ، كَانَ وَالِدَا الطِفْلِ هُمَا مَنْ يَتَمَتَّعَانِ بِسُلْطَةِ تَسْمِيَتِهِ. لَكِنْ فِي ظُرُوفٍ نَادِرَةٍ، كَانَ الْوَالِدَانِ يُحْرَمَانِ مِنْ هَذِهِ السُلْطَةِ، إِذْ يَتَدَخَّلُ اللَّهُ فِي الْمَوْقِفِ بِشَكْلٍ مَا قَائِلًا: "هَذَا الْوَلَدُ سَيَخْدُمُنِي بِطَرِيقَةٍ خَاصَّةٍ، وَلِهَذَا فَإِنِّي أَحْتَفِظُ لِنَفْسِي بِالْحَقِّ فِي تَسْمِيَتِهِ. لِذَا لَنْ تُسَمُّوه". إِذَنْ، أَتَى الْمَلَاكُ مِنْ مَحْضَرِ اللَّهِ وَقَالَ: "اسْمَعْ، لَنْ تُسَمِّيَ ابْنَكَ زَكَرِيَّا الصَغِيرَ، وَلَنْ تَدْعُوَهُ عَلَى اسْمِ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ، بَلْ يَكُونُ اسْمُهُ يُوحَنَّا".

بِالطَبْعِ، كَانَ مَا حَدَثَ مُذْهِلًا. فَقَدِ ارْتَبَكَ زَكَرِيَّا فِي عَدَمِ إِيَمانٍ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَ. وَلِهَذَا قَالَ الْمَلاكُ: "وَهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ هَذَا". تَذْكُرُونَ بَقِيَّةَ الْقِصَّةِ. فَبَعْدَمَا أَنْجَبَتْ زَوْجَتُهُ الطِفْلَ، وَاجْتَمَعَ الأَطْفَالُ - أَقْصِدُ اجْتَمَعَتِ الْعَائِلَةُ كُلُّهَا لِتَسْمِيَةِ الْوَلَدِ، مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّهُمْ اقْتَرَحُوا أَسْمَاءً مُخْتَلِفَةً. لَكِنْ بِلُغَةِ الإِشَارَةِ، طَلَبَ زَكَرِيَّا لَوْحًا وَكَتَبَ عَلَيْهِ: "يَكُونُ اسْمُهُ يُوحَنَّا"، خَاضِعًا بِهَذَا لِسُلْطَةِ التَكْلِيفِ الَذِي تَلقَّاهُ مِنْ جِبْرَائِيلَ. وَحِينَ أَظْهَرَ طَاعَتَهُ، اسْتَعَادَ قُدْرَتَهُ عَلَى الْكَلامِ.

إِذَنْ مَرَّةً أُخْرَى، مَا أُرِيدُ أَنْ نَرَاهُ هُنَا لَا يَتَعَلَّقُ كَثِيرًا بِزَكَرِيَّا، بَلْ بِمَعْرِفَةِ أَنَّ الْمَلَاكَ هُوَ رَسُولٌ. لَكِنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ رَسُولٍ. فَهُوَ مُتَحَدِّثٌ رَسْمِيٌّ، يَحْمِلُ مَا لَا يَقِلُّ عَنْ سُلْطَانِ اللَّهِ. وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الْوَحِيدُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الَذِي نَرَى فِيهِ الْمَلَائِكَةَ يَعْمَلُونَ بِهَذِهِ الطَرِيقَةِ. وَسَنَتَنَاوَلُ لَاحِقًا ...

حَسَنًا، أَوَّلًا، لِنَرَ رَدَّ فِعْلِ الشَعْبِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. فِي الْآيَةِ 21: "وَكَانَ الشَّعْبُ مُنْتَظِرِينَ زَكَرِيَّا وَمُتَعّجِّبِينَ مِنْ إِبْطَائِهِ فِي الْهَيْكَلِ. فَلَمَّا خَرَجَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ، فَفَهِمُوا أَنَّهُ قَدْ رَأَى رُؤْيَا فِي الْهَيْكَلِ. فَكَانَ يُومِئُ إِلَيْهِمْ وَبَقِيَ صَامِتًا".

ثُمَّ نَقْفِزُ إِلَى الآيَةِ 26، حَيْثُ نَقْرَأُ: "وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلَاكُ مِنَ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ، إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ. وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ. فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلَاكُ وَقَالَ: "سَلَامٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءٍ"".

هَذِهِ أَوَّلُ مَرَّةٍ نَقْرَأُ فِيهَا مَا صَارَ يُعْرَفُ لَاحِقًا بِصَلَاةِ "السَلَامُ عَلَيْكِ يَا مَرْيَمُ"، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ صَلَوَاتِ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ. "السَلَامُ عَلَيْكِ يَا مَرْيَمُ، يَا مُمْتَلِئَةً نِعْمَةً، الرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ بَيْنَ النِسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ، يَسُوعُ. يَا قِدِّيسَةُ مَرْيَمُ، يَا وَالِدَةَ اللَّهِ، صَلِّ لِأَجْلِنَا نَحْنُ الْخَطَأَةَ، الْآنَ وَفِي سَاعَةِ مَوْتِنَا، آمِينَ". هَذَا جُزْءٌ أَسَاسِيٌّ مِنَ الصَلَوَاتِ فِي الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ هَذَا النَصِّ مُبَاشَرَةً، حَيْثُ قَالَ الْمَلَاكُ: "آفِي مَارِيَّا". وَمَا مَعْنَى ذَلِكَ؟ "آفِي" هِيَ التَرْجَمَةُ الرُومَانِيَّةُ أَوِ اللَاتِينِيَّةُ لِلتَحِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ، مِثْلُ "مَرْحَبًا"، أَوْ حِينَ نَقُولُ "سَلَامٌ" لِأَحَدِهِمْ. وَإِنْ كُنْتَ تَعِيشُ فِي جَنُوبِ الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ، لَا تَقُولُ "Hello"، وَلَا "Hail"، بَلْ مَاذَا؟ "Hey". إِذًا، كَانَتْ هَذِهِ هِيَ التَحِيَّةُ، كَمَا لَوْ أَنَّهُ يَقُولُ: "مَرْحَبًا يَا مَرْيَمُ". وَصَلَاةُ "آفِي مَارِيَّا" هَذِهِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ هَذَا الْمَقْطَعِ الْكِتَابِيِّ، عَنْ زِيَارَةِ الْمَلَاكِ جِبْرَائِيلَ لِلْفَتَاةِ الرِيفِيَّةِ، مَرْيَمَ، حِينَ جَاءَ ثَانِيَةً مِنْ مَحْضَرِ اللَّهِ لِيُعْلِنَ الْمِيلَادَ الْوَشِيكَ لِلْمَسِيَّا.

"سَلَامٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ". فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلَامِهِ، وَفَكَّرَتْ: "مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ!"". إِذَنْ، هِيَ أَيْضًا تَمَلَّكَهَا الْخَوْفُ فِي ذَلِكَ اللِقَاءِ.

فَقَالَ لَهَا الْمَلَاكُ: "لَا تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لِأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هَذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الْإِلَهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الْأَبَدِ، وَلَا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ". فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلَاكِ: "كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟". فَأَجَابَ الْمَلَاكُ وَقَالَ لَها: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذَلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهَذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الْمَدْعُوَّةِ عَاقِرًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ".

اسْمَعُوا الْآنَ رَدَّ مَرْيَمَ فِي الْآيَةِ 38: "فَقَالَتْ مَرْيَمُ: "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ". فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلَاَكُ". تِلْكَ الْآيَةُ بِالذَاتِ الَتِي قَرَأَتُهَا لِتَوِّي هِيَ مَثَارُ جَدَلٍ ضَخْمٍ فِي تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ، وَهَذَا الْجَدَلُ مُسْتَمِرٌّ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا. وَفِي الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، يُوجَدُ فَرِيقَانِ مُنْقَسِمَانِ لَاهُوتِيًّا بِشِدَّةٍ مِنْ حَيْثُ فَهِمُهُمَا لِدَوْرِ مَرْيَمَ فِي تَارِيخِ الْفِدَاءِ. وَيُدْعَى هَذَانِ الْفَرِيقَانِ "الْمُبَالِغينَ وَالتَقْلِيلِيِّينَ". يَرَى التَقْلِيلِيُّونَ أَنَّ مَرْيَمَ تَلْعَبُ دَوْرًا مُهِمًّا، لَكِنَّهُمْ يُبَسِّطُونَ مِنْ هَذَا الدَوْرِ. أَمَّا الْمُبَالِغُونَ، فَيَذْهَبُونَ إِلَى حَدِّ اشْتِرَاكِهَا فِي الْفِدَاءِ، وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُونَ مَا يُسَمُّونَهُ بِالتَوَازِي بَيْنَ حَوَّاءَ وَمَرْيَمَ. فَفِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، لَدَيْنَا تَوَازٍ بَيْنَ التَأْثِيرِ الْمُدَمِّرِ لِآدَمَ، وَالتَّأْثِيرِ الْفِدَائِيِّ لِلْمَسِيحِ بِصِفَتِهِ آدَمَ الْجَدِيدِ. وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي التَّوَازِي بَيْنَ حَوَّاءَ وَمَرْيَمَ. فَكَمَا بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ غَرِقَ الْعَالِمُ فِي الْخَرَابِ بِسَبَبِ عِصْيَانِهَا، الْآنَ بِطَاعَةِ امْرَأَةٍ أُخْرَى، هِيَ مَرْيَمُ، جَاءَ الْفِدَاءُ إِلَى الْعَالِمِ. فَهُمْ يُبَالِغُونَ فِي تَقْدِيرِ مَكَانَتِهَا.

وَفِي سِيَاقِ ذَلِكَ الْجَدَلِ كُلِّهِ، هُنَاكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يُسَمَّى "فِيَاتْ مَرْيَمَ". لَيْسَ هَذَا نَوْعَ سَيَّارَةٍ. بَلْ "فِيَاتْ" هُوَ بِبَسَاطَةٍ صِيغَةُ الْأَمْرِ اللَّاتِينِيَّةِ لِلْفِعْلِ "يَكُونُ". لَاحِظُوا أَنَّهُ حِينَ أَعْطَى جِبْرَائِيلُ هَذَا الْإِعْلَانَ لِمَرْيَمَ، بِأَنَّ الرُوحَ الْقُدُسَ سَيُظَلِّلُهَا، وَسَتَلِدُ الطِفْلَ الَذِي سَيَكُونُ ابْنَ اللَّهِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ، جَاءَ رَدُّهَا كَالتَالِي: "لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ"، لِيَكُنْ ذَلِكَ. إِذَنْ، هِيَ تَقُولُ: "هَيَّا نَفِّذِ الْأَمْرَ". وَجَاءَ رَدُّهَا عَلَى الْمَلَاكِ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ اللَاتِينِيَّةَ "فِيَاتْ" وَرَدَتْ هُنَا. "لِيَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا تَشَاءُ" إِلَى آخِرِهِ.

إِذَنْ، تَقُولُ النَظَرِيَّةُ إِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَكُنْ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يُولَدَ دُونَ الْأَمْرِ، أَوْ فِعْلِ الْأَمْرِ، الَذِي نَطَقَتْ بِهِ مَرْيَمُ، فِي حِينِ أَنَّ الْفَهْمَ الْبْرُوتِسْتَانْتِيَّ لِهَذَا النَصِّ هُوَ أَنَّ تَعْبِيرَ مَرْيَمَ كَانَ تَأْكِيدًا لِخُضُوعِهَا لِسُلْطَانِ اللَّهِ، الَذِي جَاءَتْهَا مِنْهُ رِسَالَةٌ. وَهَذِهِ إِشَارَةٌ، لَا إِلَى سُلْطَانِهَا عَلَى جِبْرَائِيلَ، بَلْ إِلَى اسْتِعْدَادِهَا، كَأَمَةٍ، أَنْ تُطِيعَ تِلْكَ الدَعْوَةَ الَتِي أَعْطَاهَا اللَّهُ إِيَّاهَا. حَسَنًا، نَرَى هُنَا مُجَدَّدًا أَنَّ الْمَلَاكَ أَدَّى دَوْرَ رَسُولٍ وَكَذَلِكَ دَوْرَ نَاقِلٍ مُفَوَّضٍ لِكَلِمَةِ اللَّهِ.

هُنَاكَ مَقْطَعٌ أَخِيرٌ أَوَدُّ أَنْ أَلْفِتَ انْتِبَاهَكُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، يَتَعَلَّقُ بِزِيَارَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَهُوَ مَقْطَعٌ يُمَثِّلُ إِشْكَالِيَّةً وَلُغْزًا إِلَى حَدٍّ مَا. وَهُوَ فِي الْأَصْحَاحِ 5 مِنْ سِفْرِ يَشُوعَ، حِينَ كَانَ يَشُوعُ يُعِدُّ جَيْشَهُ لِلْهُجُومِ عَلَى أَرِيحَا، وَأَدْرَكُوا أَنَّ أَرِيحَا حَصِينَةٌ، وَأَنَّ جُنُودَ أَرِيحَا خُصُومٌ هَائِلُونَ. وَإِذَا أَرَادَ يَشُوعُ وَكَتَائِبُهُ أَنْ يَنْتَصِرُوا فِي غَزْوِ كَنْعَانَ، سَيَكُونُ عَلَيْهِمْ التَغَلُّبُ عَلَى أَرِيحَا. ثُمَّ قَبْلَ الْمَعْرَكَةِ مُبَاشَرَةً، نَقْرَأُ هَذَا الْحَدَثَ الْبَسِيطَ فِي الْأَصْحَاحِ 5، والآيَةِ 13. "وَحَدَثَ لَمَّا كَانَ يَشُوعُ عِنْدَ أَرِيحَا أَنَّهُ رَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ، وَإِذَا بِرَجُلٍ وَاقِفٍ قُبَالَتَهُ، وَسَيْفُهُ مَسْلُولٌ بِيَدِهِ. فَسَارَ يَشُوعُ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: "هَلْ لَنَا أَنْتَ أَوْ لِأَعدَائِنَا؟"".

رَأَى يَشُوعُ هَذَا الرَجُلَ، وَانْصَبَّ تَرْكِيزُهُ أَوَّلًا عَلَى الْإِمْكَانِيَّاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ. فَقَدْ لَاحَظَ أَنَّ الرَجُلَ يَبْدُو مُحَارِبًا مِغْوَارًا، وَهُوَ لَمْ يَرَهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْرِي إِنْ كَانَ وَاحِدًا مِنْ جُنُودِهِ الَذِينَ لَمْ يَلْتَقِ بِهِمْ قَبْلًا، أَمْ هُوَ مُحَارِبٌ جُلِبَ لِلدِفَاعِ عَنْ سُكَّانِ أَرِيحَا. هَذَا مَا أَرَادَ يَشُوعُ مَعْرِفَتَهُ. إِلَى أَيِّ فَرِيقٍ يَنْتَمِي؟ وَفِي صَفِّ مَنْ سَيُحَارِبُ؟ فَجَاءَ إِلَيْهِ وَقَالَ: "هَلْ لَنَا أَنْتَ أَوْ لِأَعْدَائِنَا؟". وَجَاءَ الرَدُّ عَجِيبًا. وَهُوَ "كَلَّا".

ذَهَبْتُ الْيَوْمَ الْفَائِتَ إِلَى مَحَطَّةِ الْوَقُودِ وَمَلَأْتُ خَزَّانَ سَيَّارَتِي، ثُمَّ دَخَلْتُ لِأَدْفَعَ الْمُقَابِلَ، وَكُنْتُ أَحْمِلُ بِطَاقَةَ ائْتِمَانِي. فَسَأَلَنِي الرَجُلُ: "ائْتِمَانٌ أَمْ بِالْخَصْمِ؟" لَمْ أَكُنْ قَدْ سَمِعْتُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، فَقُلْتُ: "مَاذَا تَقْصِدُ؟ وَمَا الْفَرْقُ؟" مَا زِلْتُ لَا أَعْرِفُ الْفَرْقَ إِلَى الْيَوْمِ بَيْنَ الدَفْعِ بِالِائْتِمَانِ وَالدَفْعِ بِالْخَصْمِ. لَكِنْ عَلَى أَيِّ حَالٍ، حِينَ سَأَلَ: "ائْتِمَانٌ أَمْ بِالْخَصْمِ؟" كَانَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ أَخْتَارَ أَحَدَ الْخِيَارَيْنِ.

وَهَذَا مَا كَانَ يَشُوعُ يَتَوَقَّعُهُ. أَنْ يَخْتَارَ هَذَا الْمُحَارِبُ أَحَدَ الْخِيَارَيْنِ. "هَلْ لَنَا أَنْتَ أَوْ لِأَعدَائِنَا؟ فَقَالَ: "كَلَّا، بَلْ أَنَا رَئِيسُ جُنْدِ الرَّبِّ. الْآنَ أَتَيْتُ". فَسَقَطَ يَشُوعُ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَسَجَدَ، وَقَالَ لَهُ: "بِمَاذَا يُكَلِّمُ سَيِّدِي عَبْدَهُ؟" فَقَالَ رَئِيسُ جُنْدِ الرَّبِّ لِيَشُوعَ: "اخْلَعْ نَعْلَكَ مِنْ رِجْلِكَ، لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ هُوَ مُقَدَّسٌ"".

حِينَ تَحَدَّثْنَا عَنْ جِبْرَائِيلَ، وَعَنْ مِيخَائِيلَ، رَأَيْنَا أَنَّهُمَا يَحْمِلَانِ لَقَبَ إِمَّا رَئِيسَ مَلَائِكَةٍ أَوْ قَائِدَ الْجَيْشِ السَمَاوِيِّ. لَكِنْ سَنَتَحَدَّثُ عَنْ شَيْءٍ، عَلَى مَا أَرْجُو، فِي الْمُحَاضَرَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَبَدًا أَبَدًا السُجُودُ لِلْمَلَائِكَةِ. لَكِنَّنَا نَقْرَأُ هُنَا أَنَّ يَشُوعَ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ وَسَجَدَ لِرَئِيسِ جُنْدِ الرَبِّ، دُونَ أَنْ يَسْمَعَ تَوْبِيخًا مِنَ الْمَلَاكِ. فَعِنْدَمَا يَتَجَاوَبُ الْبَشَرُ بِالسُجُودِ لِلْمَلَائِكَةِ، يَمْنَعُهُمُ الْمَلَائِكَةُ دَائِمًا. وَبِمَا أَنَّ هَذَا الْمَلَاكَ قَبِلَ السُجُودَ مِنْ يَشُوعَ، يَرَى مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ أَنَّنَا نَقْرَأُ هُنَا عَنِ كْرِيسْتُوفَانِي سَابِقٍ لِلتَجَسُّدِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ هَذَا الرَئِيسُ، وَهُوَ الَذِي ظَهَرَ لِيَشُوعَ. وَحِينَ سَأَلَهُ يَشُوعُ: "هَلْ لَنَا أَنْتَ أَوْ لَهُمْ؟" أَجَابَ: "كَلَّا، بَلْ أَنَا الْمُسَيْطِرُ. لَيْسَ السُؤَالُ هَلْ سَأَكُونُ لَكُمْ، بَلْ هَلْ أَنْتُمْ سَتَكُونُونَ لِي؟" لَكِنَّ هَذَا يُثِيرُ مُجَدَّدًا مَسْأَلَةَ عِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ، الَتِي سَنَتَنَاوَلُهَا فِي مُحَاضَرَتِنَا الْمُقْبِلَةِ.