المحاضرة 5: الملائكة كحاملي رسالة

نتابع الآن دراستنا لعقيدة الملائكة الكتابية. وبينما نتابع الدراسة اليوم، سنلقي نظرة وجيزة على مهمتهم كحاملي رسالة في تاريخ الفداء. وإذا سمح الوقت سنتطرق إلى العلاقة بين الملائكة والمسيح، كونها مسألة مهمة تبرز على صفحات العهد الجديد.

لكن فلنرجِع إلى الفصل الأول من إنجيل لوقا، حيث نجد السرد الأكثر اكتمالًا لطفولة المسيح في الأناجيل كافة. وسنبدأ بالفصل الأول والآية 5، حيث نقرأ هذه الكلمات:

كَانَ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ مَلِكِ الْيَهُودِيَّةِ كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، وَامْرَأَتُهُ مِنْ بَنَاتِ هارُونَ وَاسْمُهَا أَلِيصَابَاتُ. وَكَانَا كِلَاهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ، سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلَا لَوْمٍ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ، إِذْ كَانَتْ أَلِيصَابَاتُ عَاقِرًا. وَكَانَا كِلَاهُمَا مُتَقَدِّمَيْنِ فِي أَيَّامِهِمَا. فَبَيْنَمَا هُوَ يَكْهَنُ فِي نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ أَمَامَ اللهِ، حَسَبَ عَادَةِ الْكَهَنُوتِ، أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى هَيْكَلِ الرَّبِّ وَيُبَخِّرَ. وَكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلُّونَ خَارِجًا وَقْتَ الْبَخُورِ. فَظَهَرَ لَهُ مَلَاكُ الرَّبِّ وَاقِفًا عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ. فَلَمَّا رَآهُ زَكَرِيَّا اضْطَرَبَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ خَوْفٌ.

أنتم تعرفون ما يجري هنا، وهو أنه في تلك الحقبة التاريخية كان زكريا لاويًا – كاهنًا لاويًا – وكان لدى اليهود مقدس رئيسي في الهيكل في أورشليم، إذًا، كان يتم إلقاء القرعة بين الكهنة المحليين من مختلف المناطق في الأمة، عن طريق القرعة، ليتم اختيار واحد بينهم ليكون له دور، إن كان محظوظًا كفاية، في حياته للخدمة في هيكل أورشليم. إذًا، أول انطلاقة كانت لزكريا، إذا جاز التعبير، هي أنه فاز في القرعة، فاز في اليانصيب. وبالنسبة إليه، كان لاختبار لا ينسى أن يصعد إلى أورشليم وأن يشارك في الخدمة في الهيكل، وفي هذه الحالة، الدخول وتقديم الصلاة عند مذبح البخور في المقدس، في المكان المقدس.

وفي المناسبات، حين كان الكاهن يدخل كان يصلي لأجل الأمة، فكان الأمر يجذب دائمًا عددًا كبيرًا من الناس الذين يحيطون بالهيكل ويراقبون الكاهن حين يدخل وينتظرون خروجه. ويشبه الأمر تقريبًا الشعب في روما حين يتم انتخاب البابا. تتجمع حشود الناس الغفيرة حول الفاتيكان، ويراقبون المدخنة لرؤية الدخان المتصاعد من المدخنة، سواء كان أسود أو أبيض. إن كان أسود، فهذا يعني أن التصويت فشل في انتخاب بابا جديد، وإن كان أبيض، فهذا يعني أنه تم انتخاب بابا جديد. ويتحمّس الناس كثيرًا حين يرون تلك العلامة. كان الأمر نفسه يحدث حين يتجمع هؤلاء حول الهيكل وينتظرون عودة الكاهن، لأنه إن خرج سريعًا، فهذا يعني أنه الصلوات رُفعت وأن الله رضي بتشفع الكاهن.

لكن في هذه الحالة، حدث تأخير، وسبب التأخير هو ذلك اللقاء غير المتوقّع إطلاقًا في حياة زكريا حين ذهب ليخدم في الهيكل. فجأة، ظهر له ملاك، ولاحظوا ردّ فعله الذي يذكره الكتاب المقدس. مكتوب "فَلَمَّا رَآهُ زَكَرِيَّا اضْطَرَبَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ خَوْفٌ". هذا الأمر جدير بالملاحظة للسبب الآتي؛ قلنا إن النظرة الكتابية غير مفهومة بمعزل عن التعليم الكتابي لحقيقة العالم الملائكي، لكن في ثقافتنا وفي أيامنا يوجد شعور بالشك تجاه هذه الأمور، لأن الناس يقولون إن رؤية الملائكة لا تشكل جزءًا من اختبارنا الشائع، ثم نرجع إلى الكتاب المقدس ونراقب هذه الأحداث في الكتاب المقدس ونلاحظ أن الملائكة كانوا يظهرون كل 15 دقيقة في جميع أنحاء العهدَين القديم والجديد. ليست هذه الحال. رغم أن الملائكة كانوا يظهرون من حين إلى آخر، وكان الإظهار المنظور لإحدى تلك الكائنات الروحية نادرًا بصورة ملحوظة، كما رأينا في المحاضرة السابقة، وهو أنهم كانوا غير منظورين عادة، كما حدث مع أليشع وخادمه حيث كان عليه أن يصلي أن تنفتح عيون خادمه لكي يرى الحقيقة القائمة، لكن هذه الحقيقة كانت غير منظورة عادة. وحين نرى أن الخوف تملّك هذا الكاهن لدى ظهور الملاك، يجب أن يوقظنا ذلك على ندرة ذلك الاختبار، حتى في ذلك الحين. إذًا، بتعبير آخر، لم يكن زكريا معتادًا على لقاء الملائكة والتكلّم معهم كل يوم.

فَقَالَ لَهُ الْمَلَاكُ: «لَا تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لِأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا. وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلَادَتِهِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لَا يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلَهِهِمْ. وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الْآبَاءِ إِلَى الْأَبْنَاءِ، وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الْأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا». فَقَالَ زَكَرِيَّا لِلْمَلَاكِ: «كَيْفَ أَعْلَمُ هَذَا، لِأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟». فَأَجَابَ الْمَلَاكُ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ اللهِ، وَأُرْسِلْتُ لِأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهَذَا. وَهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا وَلَا تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّمَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ هَذَا، لِأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلَامِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ».

إذًا، عرّف الملاك عن نفسه على أنه الملاك جبرائيل. ملاكان فقط في الكتاب المقدس كله تم التعريف عنهما بالاسم؛ ميخائيل الذي تكلّمنا عنه سابقًا، والآن، مع ظهور جبرائيل. وقيل إن ميخائيل وجبرائيل كانا مبعوثَين مرسلَين مباشرة من محضر الله برتبة رئيس ملائكة أو رئيس جند السماء. ولاحظوا أن أول مهمة اضطلع بها الملاك جبرائيل في هذا الإطار هي أن يكون حامل رسالة أولًا. نقل رسالة وقام بإعلان وأطلع زكريا على ما سيجري، لكنه لم ينقل رسالة فحسب، لكنه أعلن أمر الله أيضًا. إذًا، هو ليس مجرد رسول أو عامل تسليم مرسل لنقل بعض المعلومات، لكنه جاء من محضر الله متمتّعًا بسلطان التفويض الإلهي ليأمر زكريا بالقيام بأمور معينة.

وأحد الأمور التي أمره بها هي أن على هذا الطفل الذي سيولد أن يتّبع سلوكًا معينًا في حياته، مشابهًا للاختبار النذير، وأنه سيدعى يوحنا. ومعنى ذلك هو أنه في التقليد اليهودي إن سمّى أحدهم إنسانًا أو شيئًا، فهذا يدلّ على سلطانه على ذلك الشيء أو ذلك الإنسان. تذكروا أن أول مهمة أوكل الله البشر بها في جنة عدن هي تسمية الحيوانات، ما يظهر تسلّط البشر على مملكة الحيوانات. لم يسمِّ الحيوانات آدم وحواء، بل آدم وحواء أسميا الحيوانات. وتاريخيًا، وخلال تاريخ الكتاب المقدس، حين كان الأولاد يولدون كان والدا الطفل هما من يملكان السلطان لتسمية الولد، لكن في ظروف نادرة، تم حجب هذا السلطان عن الوالدين، حيث يتدخل الله في الوضع نظرًا للقول "هذا الولد سيخدمني بطريقة مميزة، لذا أنا أحتفظ لنفسي بحق تسميته". إذًا، جاء الملاك من محضر الله وقال "اسمع، لن تسمّي ابنك زكريا الصغير، أو لن تطلق عليه اسم عمّه إبراهيم، سيكون اسمه يوحنا".

بالطبع، هذه قصة رائعة عما جرى، لأن زكريا كان مصابًا بعدم الإيمان ولم يعرف ما يفعله. ولهذا السبب قال الملاك "وَهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتاً إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ هَذَا". وتذكرون القصة، وهي أنه بعد أن حملت زوجته الطفل، واجتمعت العائلة كلها لتسمية هذا الولد – ومن الواضح أنهم كانوا يقترحون أسماء مختلفة – وبلغة الإشارات أشار زكريا إلى لوح وكتب عليه "اسمه يوحنا"، فخضع لسلطان التفويض الذي تسلّمه من جبرائيل. وحين عبّر عن طاعته للأمر استعاد قدرته على الكلام.

إذًا، مجددًا، ما أريد أن نراه هنا لا يتعلّق كثيرًا بزكريا، بل بالمعرفة أن الملاك هو حامل رسالة. لكنه أكثر من حامل رسالة، إنه متحدث بلسان الله، يتكلم بما لا يقل عن سلطان الله. وليس هذا المكان الوحيد في الكتاب المقدس الذي نرى فيه ملائكة يعملون بهذه الطريقة. سنراجع ذلك لاحقًا.

أولًا، فلنرَ ردّ فعل الشعب في ذلك اليوم. جاء في الآية 21 "وَكَانَ الشَّعْبُ مُنْتَظِرِينَ زَكَرِيَّا وَمُتَعّجِّبِينَ مِنْ إِبْطَائِهِ فِي الْهَيْكَلِ. فَلَمَّا خَرَجَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ، فَفَهِمُوا أَنَّهُ قَدْ رَأَى رُؤْيَا فِي الْهَيْكَلِ. فَكَانَ يُومِئُ إِلَيْهِمْ وَبَقِيَ صَامِتًا". ثم ننتقل سريعًا إلى الآية 26، حيث نقرأ "وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلَاكُ مِنَ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ، إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ. وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ. فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلَاكُ وَقَالَ: «سَلَامٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءٍ»". هذا هو أول تعبير عما أصبح يُعرف لاحقًا بصلاة "السلام عليك يا مريم" كجزء من طقوس الكنيسة الكاثوليكية. "السلام عليك يا مريم، يا ممتلئة نعمة، الرب معك. مباركة أنت بين النساء ومباركة ثمرة بطنك، يسوع. يا قديسة مريم، يا والدة الله، صلِّ لأجلنا نحن الخطأة، الآن وفي ساعة موتنا، آمين".

هذا جزء لا يتجزأ من المسبحة في الكنيسة الكاثوليكية، وقد تم اقتباسه من هذا الدرس هنا حيث يعلن الملاك "آفي ماريا". وما معنى ذلك؟ "آفي" هي الترجمة الرومانية أو اللاتينية للتحية العادية، كما حين نقول "مرحبًا"، أو حين القول لأحدهم "سلام"، أو إن أقمت في جنوب الولايات المتحدة فأنت لا تقول "هاللو" ولا تقول "هيل"، ماذا تقول؟ "هاي". إذًا، كانت هذه الـ"هاي" كما لو أنه يقول "هاي ماري". وصلاة "آفي ماريا" مقتبسة من هذا المقطع في الكتاب المقدس حول زيارة الملاك جبرائيل للفتاة الريفية، مريم، حين جاء مجددًا من محضر الله ليعلن عن ولادة المسيا الوشيكة.

«سَلَامٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ». فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلَامِهِ، وَفَكَّرَتْ: «مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ!». أيضًا، هي أيضًا تملّكها الخوف خلال ذلك اللقاء.

فَقَالَ لَهَا الْمَلَاكُ: «لَا تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لِأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هَذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الْإِلَهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الْأَبَدِ، وَلَا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ». فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلَاكِ: «كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟». فَأَجَابَ الْمَلَاكُ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذَلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهَذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الْمَدْعُوَّةِ عَاقِرًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ».

والآن اسمعوا جواب مريم في الآية 38. "فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ». فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلاَكُ". تلك الآية التي قرأتُها للتو، هي محط جدال كبير في تاريخ الكنيسة، وهذا الجدال مستمر حتى يومنا هذا. وفي الكنيسة الكاثوليكية يوجد فريقان منقسمان تمامًا لاهوتيًا من حيث فهمهما لدور مريم في تاريخ الفداء، ويدعى هذان الفريقان المتطرفون والتقليليون. يعتبر التقليليون أن مريم تلعب دورًا مهمًا لكنهم يريدون التقليل من شأنه، والمتطرفون يؤيدون الشراكة في الفداء وما شابه، وما يسمونه التماثل بين حواء ومريم. في العهد الجديد، لدينا تماثل بين التأثير المدمّر لآدم والتأثير الفدائي للمسيح بصفته آدم الجديد، والأمر سيان بالنسبة إلى التماثل بين حواء ومريم. كما أنه عبر امرأة واحدة وقع العالم في الخراب بسبب عصيانها، والآن، ومن خلال طاعة امرأة أخرى، أي حواء، جاء الفداء إلى العالم. إذًا، هم يريدون الإعلاء من شأن مكانتها.

وفي سياق ذلك الحديث كله توجد إشارة إلى ما يعرف بـ"فيات" مريم. ليست هذه سيارة إيطالية. "فيات" هي ببساطة صيغة الأمر اللاتينية لفعل "كان". ولاحظوا أنه حين أعطى جبرائيل هذا الإعلان لمريم، بأن الروح القدس سيظللها وستلد هذا الطفل الذي سيكون ابن الله وما إلى ذلك، جاء جوابها لجبرائيل كالآتي "لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ"، ليكن كذلك. إذًا، هي قالت "هيا تمّم الأمر". جاء جوابها للملاك بصيغة الأمر، لأن الكلمة اللاتينية "فيات" وردت هنا، "لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ". إذًا، تفيد النظرية بأنه لما استطاع المسيح أن يولد من دون أمر مريم، في حين أن المفهوم البروتستانتي لهذا النص يفيد بأن أسلوب تعبير مريم جاء في إطار التشديد على سلطان الله، والخضوع له بعد أن تسلّمت رسالته. وهذه علامة، ليس على سلطانها على جبرائيل، بل على استعدادها، بوضعية الخادمة أن تطيع هذه الدعوة التي منحها إياها الله.

حسنًا، إذًا هنا نرى مجددًا أن الملاك يلعب على حد سواء دور حامل الرسالة والناقل الرسمي لكلمة الله. إليكم المقطع الأخير الذي سألفت الانتباه إليه من العهد القديم، في ما يتعلق بزيارة الملائكة، لكنه أيضًا مقطع يشكّل لغزًا وإشكالية. نجده في الفصل الخامس من سفر يشوع. حين كان يشوع يعدّ جيشه للهجوم على أريحا، وأدركوا أن أريحا قلعة وأن جنود أريحا يشكّلون خصمًا صعبًا. وإن أراد يشوع وجيوشه أن ينتصروا في غزو كنعان سيكون عليهم التغلب على أريحا. إذًا، مباشرة قبل المعركة، وقع هذا الحدث البسيط في الفصل 5 والآية 13. "وَحَدَثَ لَمَّا كَانَ يَشُوعُ عِنْدَ أَرِيحَا أَنَّهُ رَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ، وَإِذَا بِرَجُلٍ وَاقِفٍ قُبَالَتَهُ، وَسَيْفُهُ مَسْلُولٌ بِيَدِهِ. فَسَارَ يَشُوعُ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: «هَلْ لَنَا أَنْتَ أَوْ لِأَعدَائِنَا؟»". أقصد أن يشوع رأى الرجل، وكان يشوع يركّز أولًا على المواهب العسكرية، استطاع أن يرى أن هذا الرجل يبدو كمحارب رهيب، وهو لم يره أبدًا من قبل ولم يكن متأكدًا من أنه كان واحدًا من جنوده الذين لم يلتقيهم يومًا، أو إن كان محاربًا تم إحضاره للدفاع عن سكان أريحا. إذًا، هذا ما يريد يشوع اكتشافه، إلى أي فريق ينتمي؟ لمصلحة أي فريق سيحارب؟ فجاء إليه قائلًا "«هَلْ لَنَا أَنْتَ أَوْ لأَعْدَائِنَا؟»". وجاء الجواب رائعًا، الجواب هو "لا".

اليوم الماضي ذهبت إلى محطة الوقود لأملأ خزاني وقودًا، ودخلت لأدفع وكنت أحمل بطاقة ائتماني، فسألني الشاب "ستدفع نقدًا أو بالدين؟" وأنا لم أسمع ذلك أبدًا من قبل، فقلت "لا أعرف ما تقصده"، قلت "وما الفرق؟" ما زلت لا أعرف الفرق. كان يقصد القول "دين أو ائتمان؟". "ائتمان"، وما الفرق؟ ما زلت لا أعرف. لكن بأي حال أردت القول حين قال "ائتمان أو دين؟" أردت القول "أجل، أمر من الاثنين". وهذا ما كان يشوع يتوقّعه، جواب من اثنين من هذا المحارب. "«هَلْ لَنَا أَنْتَ أَوْ لِأَعدَائِنَا؟» فَقَالَ: «كَلَّا، بَلْ أَنَا رَئِيسُ جُنْدِ الرَّبِّ. الْآنَ أَتَيْتُ». فَسَقَطَ يَشُوعُ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَسَجَدَ، وَقَالَ لَهُ: «بِمَاذَا يُكَلِّمُ سَيِّدِي عَبْدَهُ؟» فَقَالَ رَئِيسُ جُنْدِ الرَّبِّ لِيَشُوعَ: «اخْلَعْ نَعْلَكَ مِنْ رِجْلِكَ، لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ هُوَ مُقَدَّسٌ».

حين رأينا جبرائيل، ورأينا ميخائيل، نرى أنهما يحملان لقب إما رئيس الملائكة أو رئيس الجند السماوي. لكن ثمة أمر أرجو أن نراه في المرة المقبلة، وهو أنه لا يجدر بنا أبدًا أن نعبد الملائكة. وهنا نقرأ أن يشوع سقط على وجهه وسجد عابدًا رئيس جند الرب من دون أن يسمع انتهارًا من الملاك. حين يردّ البشر عابدين الملائكة يوقفهم الملائكة دائمًا، وبما أن هذا الملاك قَبِل أن يعبده يشوع، يعتقد معظم العلماء أن ما نصادفه هنا هو ظهور للمسيح سابق للتجسد، وأن المسيح هو رئيس الجند، وهو ظهر ليشوع. وحين سأله يشوع " هَلْ لَنَا أَنْتَ أَوْ لهم؟" قال "لا، أنا المتسلّط هنا. لست أنا من سيكون لك، بل أنت هل ستكون لي؟" لكن هذا يثير مجددًا مسألة عبادة الملائكة، التي سنتطرق إليها في محاضرتنا المقبلة.