
ما معنى حقيقة كون يسوع نورَ العالم؟
۱۳ فبراير ۲۰۲٦
كيف تقرأ الأدب الأبوكاليبتيّ الرؤيويّ
٦ مارس ۲۰۲٦كيف نقرأُ الرَّسائلَ الرَّعويَّة؟
تُعَدُّ الرَّسائلُ الرعويَّةُ الثَّلاثُ فريدةً بين رسائلِ بولسَ الرَّسولِ الثَّلاثَ عشرة، لأنَّها وُجِّهَت إلى معاونيه في الخدمةِ الرَّسوليَّة، تيموثاوسَ وتيطُسَ، اللَّذَيْنِ كانا يُمارسانِ الإشرافَ الرعويَّ على الكنائسِ. كان كلٌّ منهما يواجهُ المُعلِّمينَ الكَذَبةَ وتحدِّياتٍ أُخرى جعلتِ الخدمةَ الرعويَّةَ شاقَّةً. ومع أنَّ هذه الرَّسائلَ وُجِّهَت إلى تيموثاوسَ وتيطُسَ، فإنَّ بولسَ يَختِمُها بعبارةِ البركة: "ٱلنِّعْمَةُ مَعَ جَمِيعِكُمْ"، بصيغةِ الجمعِ كما في الأصلِ اليوناني، ما يدلُّ على طابعِها شِبهِ العَلَني. لقد تَوَقَّعَ بولسُ أن تُقرَأَ هذه الرَّسائلُ على جماعةِ الكنيسةِ كلِّها. وعلى هذا الأساس، دعونا نتأمَّلْ في أربعِ نصائحَ لقراءةِ الرَّسائلِ الرعويَّة.
- اقرأ الرسائلَ الرعويَّةَ بوصفِكَ عضوًا في جسدِ المسيح ومشاركًا فيه
فَقَدْ كثيرٌ من المؤمنينَ في أيّامِنا إحساسَهم بأهمِّيَّةِ الكنيسةِ، إذ باتتِ الحياةُ المسيحيَّةُ لديهم تتمحورُ حولَ العلاقةِ الشخصيَّةِ مع المسيحِ، أكثرَ مِنْ كونِهم أعضاءَ فاعلينَ في جسدِ المسيحِ. لكنَّ اهتمامَ بولسَ في هذه الرسائلِ منصبٌّ على سلامةِ الكنيسةِ وأمانتِها. فالكنيسةُ هي الموضعُ الذي يُغذِّي فيهِ الربُّ شعبَهُ ويُنمِّيهِ في الإيمانِ. ولهذا خَصَّ بولسُ حَيِّزًا كبيرًا لشرحِ مؤهّلاتِ القادةِ الأتقياءِ، سواءَ الشيوخِ (١ تيموثاوس ٣: ١–٧؛ تيطس ١: ٥–١٦) أو الشمامسةِ (١ تيموثاوس ٣: ٨–١٣). ومن هنا أيضًا حَثُّهُ المتكرِّرُ لتيموثاوسَ على أن يُواظبَ على التعليمِ والتبشيرِ في الكنيسةِ، إذ يقولُ له: "إِلى أَنْ أَجِيءَ، اعْكُفْ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالْوَعْظِ وَالتَّعْلِيمِ" (١ تيموثاوس٢؛ ٤: ١٣). إنَّ الكنيسةَ الصحيحةَ تتغذَّى على المَنِّ السماويِّ، أي على الكلمةِ المقروءَةِ والموعوظِ بها.
فمع أنّ الرسائلَ الرعويَّةَ كُتِبَت لأفرادٍ، إلّا أنّ غايتَها بناءُ كنيسةِ المسيحِ وتشجيعُ الحياةِ الجماعيَّةِ النَّشِطةِ. ويشملُ ذلك العبادةَ الجماعيَّةَ (١ تيموثاوس ٢؛ ٤: ١٣)، والعملَ والخدمةَ معًا (٢ تيموثاوس ٢: ٢١؛ تيطس ٣: ١)، والسَّخاءَ تجاه الإخوةِ المُحتاجينَ في الكنيسةِ (١ تيموثاوس ٦: ١٧–١٩)، وخدمةَ بعضِنا بعضًا بأمانةٍ. تُقَدِّمُ الرسائلُ الرعويَّةُ فكرَ بولسَ حول الكنيسةِ على أنّها مركزُ الحياةِ المسيحيَّةِ، لا مجرَّدُ إضافةٍ ثانويَّةٍ لها.
- أدرِكْ خطورةَ التعليمِ الكاذبِ ووجوبَ التصدّي له
لقد خصَّصَ بولسُ حيِّزًا أكبرَ في الرسائلِ الرعويَّةِ لمواجهةِ التعليمِ الكاذبِ مقارنةً بأيِّ موضوعٍ آخر. ففي رسالةِ تيموثاوس الأولى، تناولَ هذا الأمرَ في ثلاثِ فقراتٍ مختلفة. بل إنَّه بدأَ الرسالةَ – عِوَضًا عن الشكرِ المعتادِ في مستهلِّ رسائلِه – مباشرةً بذِكرِ المُعلِّمينَ الكَذَبةِ في أفسس، قائلًا: "كَمَا طَلَبْتُ إِلَيْكَ أَنْ تَمْكُثَ فِي أَفَسُسَ، إِذْ كُنْتُ أَنَا ذَاهِبًا إِلَى مَكِدُونِيَّةَ، لِكَيْ تُوصِيَ قَوْمًا أَنْ لاَ يُعَلِّمُوا تَعْلِيمًا آخَرَ" (١ تيموثاوس ١: ٣-١١)، ثمَّ عادَ إليهم في الأصحاحِ الرابع، ومرةً أخرى في الأصحاحِ السادس. كذلك يُبرِزُ هذا الموضوعُ في رسالتََي تيموثاوس الثانية وتيطس.
لكن لماذا يُواجِهُ بولسُ التعليمَ الكاذبَ بهذه القوَّةِ، حتَّى مع تَجاهُلِ التقاليدِ الاجتماعيَّةِ في كتابةِ الرسائل؟ لأنَّ التعليمَ الكاذبَ قضيَّةُ حياةٍ أو موت، إذ إنَّ الخلاصَ والحياةَ الأبديَّةَ يَعتمِدانِ على الإيمانِ والتمسُّكِ بالحقِّ الذي أعلنهُ اللهُ في المسيح. ولذلكَ عاملهُ بولسُ كأمرٍ خطيرٍ ومُهلِك. كما كتبَ في رسالتِه إلى غلاطية: "خَمِيرَةٌ صَغِيرَةٌ تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ" (غلاطية ٥: ٩).
لكن في مقابلِ مواجهةِ الباطل، لا بدَّ من التمسُّكِ بتعليمِ الحق، وهذا يقودُنا إلى النصيحةِ الثالثة.
- تنَبَّهْ إلى محوريَّةِ خدمةِ الكلمة
رغم أنّ بولسَ أعطى إرشاداتٍ بشأنِ خدماتٍ كثيرةٍ في الكنيسةِ، فإنّ الخدمةَ التي أبرزَها أكثرَ من سواها هي خدمةُ الكلمةِ، أي التعليمُ والوعظُ. فقد قال لتيموثاوس: "ٱكْرِزْ بِٱلْكَلِمَةِ. ٱعْكُفْ عَلَى ذَلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، ٱنْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ. لِأَنَّهُ سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ ٱلتَّعْلِيمَ ٱلصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ ٱلْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ" (٢ تيموثاوس ٤: ٢–٣). فخدمةُ الكلمةِ جوهريّةٌ للإيمانِ، لأنّ "ٱلْإِيمَانُ بِٱلْخَبَرِ، وَٱلْخَبَرُ بِكَلِمَةِ ٱللَّهِ" (رومية ١٠: ١٧ )
وتشملُ خدمةُ الكنيسةِ أيضًا الصلاةَ الجماعيّةَ، من أجلِ المؤمنينَ ومن أجلِ "جَمِيعِ ٱلنَّاسِ، لِأَجْلِ ٱلْمُلُوكِ وَجَمِيعِ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي مَنْصِبٍ" (١ تيموثاوس ٢: ١–٢). وتشملُ أيضًا الخدمةَ العمليّةَ للشيوخِ والشمامسةِ. فالشيوخُ المؤهّلون يُدْعَونَ للاعتناءِ بشعبِ اللهِ روحيًّا كالرعاةِ، أمّا الشمامسةُ فقد أُوكلتْ إليهم خدمةُ الرحمةِ، أي الاهتمامُ بالحاجاتِ الماديّةِ. وعلى الرغمِ من أنّ الشمامسةَ يعملونَ غالبًا في الخلفيّةِ، فإنّ اللهَ وعدهم قائلًا: "لأَنَّ ٱلَّذِينَ تَشَمَّسُوا حَسَنًا يَقْتَنُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَرَجَةً حَسَنَةً وَثِقَةً كَثِيرَةً فِي ٱلْإِيمَانِ ٱلَّذِي بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ" (١ تيموثاوس ٣: ١٣). فجميعُ الخدماتِ ضروريّةٌ لعملِ الكنيسةِ الصحيحِ، ولكنَّ خدمةَ الكلمةِ تبقى هي المركزِ.
- اقرأ الرسائلَ الرعويّةَ بحساسيّةٍ روحيّةٍ تُدركُ أعماقَ قلبِ خادمِ المسيحِ التقيّ
لقد صُوِّرَ بولُسُ عبرَ التاريخِ تصويرًا سلبيًّا في كثيرٍ من الأحيانِ – حتّى في أوساطِ أهلِ الكنيسةِ. فالهيئةُ الجسديّةُ التي شاعَ وصفُهُ بها أنَّه كانَ قصيرًا، أصلعَ، أعرجَ، ذا أنفٍ كبيرٍ، حاجبَيْه متّصلانِ، ووجهُه عابسٌ دائمًا. وقد وُصِفَ أيضًا بأنَّه حادُّ الطبعِ، صعبُ المعشرِ؛ إذِ افترقَ عن برنابا – ابنِ الوعظِ (أو: التشجيع) – ورفضَ أن يمنحَ مرقسَ فرصةً ثانيةً.
لكنّ سفرَ أعمالِ الرسلِ ورسائلَ بولُسَ تُظهِرُ محبّتَه وتعاطفَه الغامرَيْنِ، وهذا يَبرُزُ بوضوحٍ في الرسائلِ الرعويّةِ. فقد دعا تيموثاوُس: "ابني" (٢ تيموثاوس ٢: ١) و"الابنَ الحبيبَ" (٢ تيموثاوس ١: ٢). وسمّى تيطسَ: "الابنَ الصريحَ حسبَ الإيمانِ المشتركِ" (تيطس ١: ٤). غيرَ أنّنا نرى قلبَ بولُسَ تجاهَ الآخرينَ بشكلٍ خاصٍّ في نهايةِ رسالتِه الأخيرةِ، ٢ تيموثاوس، إذ نسمعُ ألمه بسببِ الذينَ تخلَّوا عنه، مثلَ ديماسَ الذي "تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ" (٢ تيموثاوس ٤: ١٠)، ونرى أيضًا محبّتَه لزملائه وأصدقائِه، أمثالَ تيموثاوُس، ولوقا، بل وحتّى مرقسَ الذي قالَ عنه: "خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ، لأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَة" (٢ تيموثاوس ٤: ١١). تُظهِرُ الرسائلُ الرعويّةُ بوضوحٍ أنّ محبّةَ بولُسَ العميقةَ للمسيحِ كانت تفيضُ في محبّتِه للآخرينَ.
هذه المقالةُ واحدةٌ من سلسلةِ مقالاتٍ في علمِ التفسير.
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

