كيف نقرأُ الرَّسائلَ الرَّعويَّة؟
۲۰ فبراير ۲۰۲٦
كيف تقرأ الأناجيل
۱۳ مارس ۲۰۲٦
كيف نقرأُ الرَّسائلَ الرَّعويَّة؟
۲۰ فبراير ۲۰۲٦
كيف تقرأ الأناجيل
۱۳ مارس ۲۰۲٦

كيف تقرأ الأدب الأبوكاليبتيّ الرؤيويّ

 تعرض الكتابات الأبوكاليبتيّة الرؤيويّة الصُّوَرَ والتعاليمَ المرتبطةَ بالأزمنةِ الأخيرةِ، وغالبًا بصورةٍ رمزيّة جدًّا. وقد وضعَتْ "جمعيّة الأدب الكتابيّ" (Society of Biblical Literature)، في مشروع الأساليب والأنواع الأدبيّة الذي أشرفَتْ عليه، تعريفًا معياريًا لهذا الأدب: "هو النوع الأدبيّ المُستخدم في الكتابات  المعلنة ضمن إطار روائيّ قِصَصيّ، يُقدَّم فيه الإعلان من كائن خارج عالمنا   لمستلم بشريّ، ليكشف حقيقةً فائقةً." ويمكن أن تساعدنا المبادئ التالية في تفسير الأدب الرؤيويّ مع أخذ السمات الأدبيّة لهذا النوع الأدبيّ الكتابيّ في عين الاعتبار. 

1. تذكَّر دائمًا أنَّ الأدب الرؤيويّ هو فئة فرعيّة من الكتابات النبويّة في الكتاب المُقدَّس.

يُشار عدّة مرّات في سفر الرؤيا إلى أنّ النوع الأدبيّ المضمون  هو "النبوّة" (انظر رؤيا 22: 7، 10، 18، 19). تتضمّن الكتابات النبويّة في العهد القديم مخاطَبة ظروف شعب الله الحاليّة والإنباء بالمستقبل. كما أنّ لدى يسوع كلامٌ للكنيسة في زمنه (رؤيا 2-3)، ويصف السّفر عودة الربّ يسوع المجيدة في نهاية الزمن، والأحداث التي ستسبقه والتي ستتبعه، ليصل إلى  ذروة  الحالة الأبديّة (أي السماء الجديدة والأرض الجديدة). ولهذا السبب، علينا ألّا نقلِّل من قيمة البُعد التاريخيّ في تفسير الأدب الرؤيويّ، على الرغم من المحتوى الرمزيّ في هذه الأسفار. 

2. يجب التفريق  بين الرموز والإشارات التي تدّل على  النواحي الحقيقيّة في الحياة.

 تقدِّم الكتابات الرؤيويّة كثيراً رؤىً تصويريّة، بل دراماتيكيّة أيضًا، لأحداث الأيّام الأخيرة. ولكنْ مع كون هذه الرؤى حقيقيّة، فإنه كثيرًا  يُشار إلى شخصيّاتٍ أو أحداثٍ تاريخيّة تُقدَّم بصورة رمزيّة. وهذا يستدعي التفريق الحذر بين الرمز الحقيقي وما يُشار إليه، أي الشخص أو الحدث الذي يُصوَّر بالرمز ذي الصلة. 

ورؤيا 12-13 مثالٌ بسيط على هذه الحالة، حيث تظهر شخصيّتان رمزيّتان هما تنّين وامرأة. يصوِّر التنّين الشيطان (إبليس) بوصفه قوّة وحشيّة، بينما ترمز المرأة إلى الكنيسةِ، أو بلغة أكثر عموميّة إلى شعبِ الله، التي تلد ابنًا ذكرًا هو المسيّا. وفي ما يختصّ بالتنّين، يقدِّم النصّ نفسه تفسيرًا له: "فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ الْعَالَمَ كُلَّهُ" (رؤيا 12: 9). وفي حالاتٍ أخرى، لا يُعطى تفسير للرموز، فيكون على المفسِّر أن يحدِّد المُشار إليه الأكثر احتمالاً. 

3. لا تنساق بالتفاصيل والمخططات  الأخرويّة  وسيناريوهات الأزمنة الأخيرة المحكَمة، بل ركّز على القصد الرئيسيّ للنصّ. 

يسهل أن  نترك الفرصة لفضولنا أن يسيطر علينا، ولكنْ كما قال يسوع لأتباعه: "لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ" (أعمال الرسل 1: 7). فالقصد الرئيسي لسفر الرؤيا هو ’ثيودوسيّ‘، أي إظهار عدالة الله وبرّه. فمؤكَّدٌ أنَّ الله سيُنصِف المؤمنين بالمسيح  ويدين غير المؤمنين. فتهدف الكتابات الرؤيويّة إلى أن تؤكِّد للمؤمنين على أنّه مع أنّهم يعانون ألمًا ويواجهون اضطهادًا في الحاضر، فسيوصل الله التاريخَ إلى ختامِهِ، حينَ سيعود يسوع في كلّ مجده، ويقاضي الأشرار، ويُدخِل المؤمنين إلى محضر الله، حيث سيحيون إلى الأبد. وفي الوقت نفسه، يُظهِر سفر الرؤيا أنَّ الله أعطى غير المؤمنين فُرَصًا كثيرة ليؤمنوا بيسوع المسيح، وأنّه بسبب إصرارهم على رفض الإيمان به سيُدانون أخيرًا. 

4. فسِّر الكتابات الرؤيويّة ضمن إطار قانون الكتاب المُقدَّس وتاريخ الفداء.

يوجد للكتابات الرؤيويّة دورٌ مهمّ ضمن شموليّة قانون الكتاب المُقدَّس.  فهي تمثِّل الطرفَ الختاميَّ للكتاب المُقدَّس، الذي بدأ في "جنّة" ولكنّه سينتهي في "مدينة." فبدأَتْ القصّة الكتابيّة برجلٍ واحد وامرأةٍ واحدة، ويُختَتم بعددٍ لا حصر له من الناس المجتمعين حول عرش الله. وبين دفّتي الكتاب ، نجد أن الجنس البشري يتمرَّد على الخالق، الذي نفّذ عمليّة إنقاذ عظيمة بلغت ذروتها في المجيء الأول ليسوع بوصفه "حمل" الله الذي يرفض خطيّة العالم (يوحنا 1: 29، 36). وبعد فترةٍ من الخدمة الإرساليّة وسط الأمم، يصوِّر السفر الرؤيويّ في العهد الجديد المجيء الثاني المجيد والمنتصر ليسوع المسيح، واصفًا إيّاه بأنّه "الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا" (رؤيا 5: 5). 

وبعد أن يقدِّم سفر الرؤيا صُورًا أبوكاليبتيّة رؤيويّة للنهاية الكارثيّة للأرض، وكأنّها نوعٌ من المُحرَقة النووية، يصوِّر ذروة التاريخ العهديّ لله مع شعبه. وهكذا، فإنّ الإعلان الوارد في نهاية السفر يمثِّل خاتمةً ملائمة: "هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ" (رؤيا 21: 3).

هذه المقالة واحدةٌ من سلسلة مقالاتٍ في علم التفسير. 


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

أندرياس كوستنبرجر
أندرياس كوستنبرجر
الدكتور أندرياس كوستنبرجر هو أستاذ وباحث في العهد الجديد واللاهوت الكتابي بكليَّة اللاهوت المعمدانيَّة الجنوبيَّة الشرقيَّة في مدينة ويك فورست، بولاية نورث كارولاينا. وقد ألَّف العديد من الكتب، بما في ذلك "يسوع بحسب الأناجيل" (The Jesus of the Gospels) و"دليل إرشادي للرسالة إلى العبرانيين حتى سفر الرؤيا" (Handbook on Hebrews through Revelation).