
لماذا تُدعى الجمعةُ العظيمةُ “عظيمةً”
۵ ديسمبر ۲۰۲۵
عقيدة الله في اللاهوت المُصلَح
۲٦ ديسمبر ۲۰۲۵لمَاذا الله – الإنسان؟
في القرن الحادي عشر، كتب أنسلم، رئيس أساقفة كانتربري، وهو أحد ألمع مُفكِّري الكنيسة، ثلاثة كتب مهمّة ما تزال تؤثِّر بالكنيسة حتّى اليوم. ففي مجال الفلسفة المسيحيّة، أعطانا كتابيه "المنولوجيّ" (Monologium)، و"الخِطاب إلى الله" (Proslogium). وفي مجال اللاهوت النظامي كتب كتابه الكلاسيكيّ المسيحيّ العظيم "لماذا صار الله إنسانًا؟" (Cur Deus Homo).
عرض أنسلم في هذا الكتاب الأُسس الفلسفيّة واللاهوتيّة لناحية مهمّة في فهم الكنيسة لكفّارة المسيح، خاصّة نظرية الاسترضاء في الكفارة. وقد حاجَّ أنسلم في هذا الكتاب إلى أنّ الكفّارة كانت ضروريّة لإرضاء عدالة الله. وقد أصبح هذا المنظور محور عقيدة الكنيسة المسيحية الكلاسيكية في العصور الوسطى فيما يخص فهم عمل المسيح الكفاري. ومع ذلك، لم تخلُ نظرية الاسترضاء منذ ذلك الحين من النقد والاعتراض.
في العصور الوسطى، أُثيرت أسئلة حول مدى صوابية التفكير بأنّ كفَّارة يسوع كانت ضرورية بسبب قانونٍ مجردٍ في الكون يتطلَّب استرضاء عدالة الله والوفاء بمتطلَّباتها. وقد أثار هذا ما يُدعى بمسألة "من دون قانون" (Ex Lex). طُرِح السؤال عمّا إذا كانت إرادة الله تعمل بمعزل عن أي قانون أو خارج أي قانون (ex lex)، أم أنّ إرادة الله نفسها خاضعة لبعض المعايير الخاصة بالبرّ أو القانون الكوني الذي يجب على الله اتباعه، وبالتالي كانت إرادته تعمل ضمن قانون أو تحتَ قانون (sub lego). فكان السؤال: هل الله من دون قانون أم تحتَ قانون؟
كان ردّ الكنيسة على هذه المعضلة هو الإحباط من الموقفين ورفضهما، وإعلان أنَّ الله ليس من دون قانون ولا تحت القانون بأيٍّ من هذه المعاني. وردّت الكنيسة بالتأكيد على أنَّ الله من دون قانون وتحتَ قانون إذ لا يمكن فرض أيّة ضوابط عليه من قانونٍ ما موجود خارجه. وبهذا المعنى، هو من دون قانون وليس تحتَ قانون. ولكن في الوقت نفسه، ليس الله اعتباطيًّا أو نزويًّا، فهو يعمل بحسب قانونِ طبيعته هو. وهكذا، أعلنت الكنيسة أن الله هو قانون نفسِه. لا يعكس هذا روح "اللاقانون" في الله، بل يؤكِّد على حقيقة أنَّ معيار سلوك الله وإرادته مبنيّ على ما دعاه لاهوتيّو القرن السابع عشر مُستقيمي الفكر "قانون الله الطبيعيّ."
لا يساوم الله أبدًا في كمال كيانه أو طبيعته وصفاته في ما يعمل.
قانون الله الطبيعيّ، باعتباره تعبيرًا لاهوتيًّا، يمكن أن يُساء فهمه بسهولة أو يُختلط مع المفهوم الأوسع الذي نلتقي به في النظرية السياسية وفي لاهوت ما يُسمّى بـ"قانون الطبيعة" (lex naturalis). بحسب هذا المعنى لهذه العبارة، يُشير "قانون الطبيعة" إلى الأشياء التي يُعلِنها الله في عالم الطبيعة بشأن بعض المبادئ الأخلاقيّة. وعلى النقيض من هذا الاستخدام الشائع لمصطلح قانون الطبيعة، فإنّ ما كان يقصده لاهوتيو وستمنستر في القرن السابع عشر حين تحدّثوا عن قانون الله الطبيعيّ هو ما يلي: أن الله يعمل وفقًا لقانون طبيعته هو. بمعنى آخر، لا يتصرّف الله أبدًا بطريقة تتعارض مع قداسته، أو برّه، أو عدله، أو قدرته الكلّيّة غير المحدودة، وما إلى ذلك. فلا يساوم الله أبدًا في كمال كيانه أو طبيعته وصفاته في ما يعمل.
وحين تقرُّ الكنيسة بضرورة إرضاء مطالب برّ الله وعدله، فليست هذه الضرورة شيئًا فُرِض على الله من الخارج، ولكنّها ضرورة فُرِضت على الله من جوهر طبيعته وصفاته. فضروريّ ومحتوم أن يكون اللهُ اللهَ، فلا يساوم في قداسته أو برّه أو عدالته. بهذا المعنى تظهر ضرورة أن تكون هناك كفّارة ترضي برّه وتفي بمطالب عدالته.
حديثًا، اعترض المفكِّرون المُعاصرون على "نظرية الاسترضاء" في الكفارة على أساس أنّها تُلقي بظلّ على نعمة الله المحرّرة ومحبّته فتخفيهما. فإنْ كان الله إله المحبّة، فلماذا لا يستطيع أن يغفر للناس مجانًا بدافع محبّته ونعمه الخالصة، من دون أيّ اعتبار لاسترضاء شكلٍ من أشكال العدالة، سواء كانت عدالة قانون طبيعته أو عدالة قانون فُرِض من خارجِه؟ ومرّة أخرى، يفشل هذا الاعتراض في فهم أنّ الله لن يفاوِض على برّه، حتّى من منطلق رغبته بأن يُخلِّص الخطاة.
في الكفّارة، نرى اللهَ وهو يُظهِر محبّةَ نعمته السخيّة نحونا، وفي الوقت نفسه وهو يُظهِر التزامه ببرّه وعدالته. ويُحافَظ على العدالة بعمل المسيح الذي يفي بمتطلَّبات برّ الله، وبالتالي يُحافظ على التزام الله تجاه البرّ والعدالة. فقد أوفى الله بمتطلَّبات برّه بإعطائنا بديلًا يقف مكاننا، ويفي بتلك المتطلَّبات بصورة تامّة لأجلنا. يُظهِر هذا نعمة الله بصورة مُدهِشة في وسط ذلك الإرضاء والوفاء بمطالب عدالته وبرّه. وتظهر نعمة الله بالوفاء بمطالب عدالته إذْ هذا عمل يتمّمه مَن عيَّنه الله. فطبيعة الله بوصفه قاضيًا لكلّ العالم تجعله يعمل ما هو صواب. والقاضي الذي يعمل ما هو صواب لا يتجاوز ولا يتعدَّى قوانين برّه الخاصة.
يشرح الكتاب المُقدَّس الصليب من منظور الاسترضاء والإزالة، وهما الإنجازان المتلاصقان والمتلازمان اللذان حقَّقهما يسوع نيابةً عنا. يُشير الاسترضاء بصورة خاصّة إلى عمل إرضاء برّ الله والوفاء بمتطلَّباته. فهو حمل لأجلنا و نيابةً عنّا العقوبة التي تستحقّها خطيّتنا. نحنُ مدينون نعجز عن سداد ديننا الأخلاقي الذي تكبّدناه بتعدّينا على برّ الله، وتمّ الوفاء بمطالب غضب عدالة الله وإرضائها بالذبيحة الكاملة التي صنعها المسيح لأجلنا. ولكنّ هذه إحدى ناحيتَين من عمله. أمّا الناحية الأخرى فهي الإزالة. في الإزالة، تُبعَد خطايانا عنّا، وتُمحى بنقلها إلى المسيح أو حسبانها على المسيح، الذي تألّم لأجلنا وبالنيابة عنّا. فتُرضى مطالب عدالة الله وبره، وتُزال خطيّتنا وتُبعَد عنّا في كفّارة يسوع المسيح الكاملة. وهذا يُتمِّم المعنى المزدوج الذي كان يُرى في التكفير عن الخطيّة في يوم الكفّارة في العهد القديم، وذلك بذبح أحد الحيوانات والنقل الرمزي لخطايا الشعب إلى تيس عزازيل الذي كان يُرسَل إلى البرّيّة آخذًا ومزيلًا ومُبعِدًا الخطايا عن الشعب.
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

