المحاضرة 7: إِرَادَةٌ مُنْقَسِمَةٌ؟ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 7: إِرَادَةٌ مُنْقَسِمَةٌ؟

فِي مُحَاضَرَةِ الْيَوْمِ، سَنَتَنَاوَلُ نَظْرَةَ كَنِيسَةِ رُومَا الْكَاثُولِيكِيَّةِ إِلَى الْإِرَادَةِ، وَعَلَاقَتَهَا بِالْخَطِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ. وَبِوُصُولِنَا إِلَى هَذَا الْجُزْءِ مِنِ اسْتِطْلَاعِنَا التَارِيخِيِّ، نَصْطَدِمُ فِي الْحَالِ بِمُشْكِلَةٍ، لِأَنَّ هُنَاكَ بَعْضَ الْغُمُوضِ فِي الْفَهْمِ الْكَاثُولِيكِيِّ لِعَلَاقَةِ إِرَادَةِ الْإِنْسَانِ بِالْخَطِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ. تَزْدَادُ الْمُشْكِلَةُ تَعْقِيدًا لِلسَبَبِ التَالِي: رَأَيْنَا أَنَّهُ فِي الْجَدَلِ الْبِيلَاجِيِّ/الْأُوغُسْطِينِيِّ، أَدَانَتِ الْكَنِيسَةُ بِيلَاجْيُوسْ بِالْهَرْطَقَةِ، وَبَرَّأَتْ أُوغُسْطِينُوسْ. وَلَمْ تَكْتَفِ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ بِإِدَانَةِ بِيلَاجْيُوسْ آنَذَاكَ، لَكِنَّهَا كَرَّرَتْ تِلْكَ الْإِدَانَةَ بِاسْتِمْرَارٍ وَوُضُوحٍ عَبْرَ تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ. وَفِي الْوَاقِعِ، إِنَّ الْإِقْرَارَاتِ الثَلَاثَةَ الْأُولَى الَتِي صَدَرَتْ فِي الْجَلْسَةِ السَادِسَةِ مِنْ مَجْمَعِ تْرِنْتْ عَنِ التَبْرِيرِ بَذَلَتْ جُهْدًا مُضَاعَفًا لِإِعَادَةِ التَأْكِيدِ عَلَى رَفْضِ الْكَنِيسَةِ لِلْبِيلَاجِيَّةِ الْبَحْتَةِ. وَرَأَيْنَا مُؤَخَّرًا أَيْضًا، فِي مُحَاضَرَةٍ سَابِقَةٍ، أَنَّ الْكَنِيسَةَ الْكَاثُولِيكِيَّةَ أَدَانَتْ شِبْهَ البِيلَاجِيَّةِ فِي سِنُودِسْ أُورَانْجْ لِعَامِ 529. وَبِهَذَا الرَفْضِ الشَدِيدِ، مُنْذُ قُرُونٍ مَضَتْ، لِلْبِيلَاجِيَّةِ وَشِبْهِ البِيلَاجِيَّةِ، رُبَّمَا نَتَوَقَّعُ اسْتِمْرَارَ الْكَنِيسَةِ فِي قُبُولِهَا لِلرَأْيِ الْأُوغُسْطِينِيِّ. لَكِنْ فِي عَصْرِ الْإِصْلَاحِ، وَفِي أَيَّامِ مَجْمَعِ تْرِنْتْ، يَبْدُو أَنَّ الْكَنِيسَةَ، بِإِدَانَتِهَا لِلُوثَرَ وَلِرَأْيِ الْمُصْلِحِينَ فِي هَذَا الشَأْنِ، رَفَضَتْ بِالتَبَعِيَّةِ الرَأْيَ الْأُوغُسْطِينِيَّ أَيْضًا. وَفِي حَالِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي تْرِنْتْ فِي الْقَرْنِ السَادِسَ عَشَرَ، صَارَ وَاضِحًا تَمَامًا، فِي الْقَرْنِ السَابِعَ عَشَرَ، فِيمَا سُمِّيَ بِالْجَدَلِ الْيَنْسِينِيِّ (Jansenist controversy)، الَذِي سَنَتَنَاوَلُهُ بَعْدَ قَلِيلٍ، أَنَّ رُومَا أَدَانَتْ أَيْضًا رَأْيَ أُوغُسْطِينُوسْ. يَتْرُكُنَا هَذَا أَمَامَ سُؤَالٍ. فَإِنَّهُ يَبْدُو، بِحَسْبِ الظَاهِرِ عَلَى الْأَقَلِّ، أَنَّ كُلَّ الْخِيَارَاتِ الْمُتَاحَةِ لِفَهْمِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْإِرَادَةِ وَالْخَطِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ أُدِينَتْ فِي وَقْتٍ أَوْ آخَرَ مِنْ تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، فَمَا الرَأْيُ الَذِي تَبَنَّتْهُ إِذَنْ؟

حَسَنًا، غَالِبِيَّةُ الْبْرُوتِسْتَانْتِيِّينَ يَعْتَبِرُونَ أَنَّ اللَاهُوتَ الْكَاثُولِيكِيَّ عَادَ إِلَى تَبَنِّي شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ شِبْهِ البِيلَاجِيَّةِ، فِي تَعَارُضٍ إِذَنْ مَعَ مَاضِيهِ. لَكِنْ مُجَدَّدًا، تُعَانِي كَنِيسَةُ رُومَا مِنْ مُشْكِلَةٍ بِسَبَبِ ادِّعَائِهَا الْعِصْمَةَ. وَبِادِّعَائِهَا عِصْمَةَ تَعْلِيمِهَا، هِيَ تُعَانِي مِنْ هِيمُوفِيلْيَا لَاهُوتِيَّةٍ. فَإِنْ خَدَشْتَهَا، سَتَنْزِفُ حَتَّى الْمَوْتِ. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ أَيَّةُ كَنِيسَةٍ مَعْصُومَةً، تَكُونُ عَاجِزَةً عَنِ ارْتِكَابِ أَخْطَاءٍ فِي تَعْرِيفِهَا الرَسْمِيِّ لِلْعَقَائِدِ. لَكِنْ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْكَنِيسَةُ قَدْ أَدَانَتْ عَبْرَ التَارِيخِ كُلَّ الْخِيَارَاتِ الْمُتَاحَةِ، فَهِيَ عَلَى الْأَرْجَحِ قَدِ ارْتَكَبَتْ خَطَأً، وَهَذَا يَتَعَارَضُ مَعَ عِصْمَتِهَا.

لَكِنْ، لِنَصْرِفْ بِضْعَ لَحَظَاتٍ فِي النَظَرِ إِلَى بَعْضِ التَصْرِيحَاتِ الَتِي أَدْلَتْ بِهَا رُومَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِفَهْمِ عَلَاقَةِ حُرِّيَّةِ الْإِرَادَةِ بِالْخَطِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ. وَسَنَتَطَرَّقُ أَوَّلًا إِلَى مَجْمَعِ تْرِنْتْ فِي الْقَرْنِ السَادِسَ عَشَرَ. أَوَدُّ أَنْ أُخَصِّصَ وَقْتًا لِقِرَاءَةِ الْإِقْرَارِ الرَابِعِ مِنَ الْجَلْسَةِ السَادِسَةِ لِمَجْمَعِ تْرِنْتْ. تَذَكَّرُوا أَنِّي أُشَرْتُ مُنْذُ قَلِيلٍ إِلَى الْإِقْرَارَاتِ الثَلَاثَةِ الْأُولَى، الَتِي تَضَمَّنَتِ الْحِرْمَانَ وَالْأَنَاثِيمَا الَذِي فَرَضَتْهُ الْكَنِيسَةُ عَلَى الْبِدَعِ وَالْهَرْطَقَاتِ. وَهِيَ تَتْبَعُ التَنْسِيقَ نَفْسَهُ، وَتَبْدَأُ دَائِمًا بِعِبَارَةِ: "إِنْ قَالَ أَحَدٌ"، ثُمَّ تُكَرِّرُ مَا قِيلَ، وَتَخْتَتِمُ بِقَوْلِهَا: "فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا".

كَمَا ذَكَرْتُ قَبْلًا، شَجَبَتْ إِقْرَارَاتُ تْرِنْتْ الثَلَاثَةُ الْأُولَى الْبِيلَاجِيَّةَ. وَفِي الْإِقْرَارِ الرَابِعِ، يَبْدُو أَنَّ الْهُجُومَ كَانَ مُوَجَّهًا ضِدَّ الْمُصْلِحِينَ. لَكِنَّنَا نَجِدُ بَعْضَ الْغُمُوضِ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ بِالذَاتِ. وَهُوَ يَقُولُ: "إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ حُرِّيَّةَ إِرَادَةِ الْإِنْسَانِ، حِينَ يَدْفَعُهَا اللَّهُ وَيُنَبِّهُهَا، لِتَقْبَلَ دَعْوَةَ اللَّهِ وَعَمَلَهُ، لَا تَتَعَاوَنُ بِأَيِّ حَالٍ فِي الِاسْتِعْدَادِ وَالْتَأَهُّبِ لِلْحُصُولِ عَلَى نِعْمَةِ التَبْرِيرِ، وَإِنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ الرَفْضَ إِذَا أَرَادَتْ ذَلِكَ، بَلْ تَكُونُ جَامِدَةً لَا تَفْعَلُ شَيْئًا، وَسَلْبِيَّةً تَمَامًا، فَلْيَكُنْ مَحْرُومًا".

لَا أَعْلَمُ إِلَى أَيِّ مَدًى اسْتَطَعْتُمْ مُتَابَعَةَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مُعَقَّدٌ نَوْعًا مَا. وَإِحْدَى الْمُشْكِلَاتِ الَتِي نُوَاجِهُهَا مَعَ أَحْكَامِ الْحِرْمَانَاتِ الَتِي صَدَرَتْ ضِدَّ الْمُصْلِحِينَ، فِي مَجْمَعِ تْرِنْتْ فِي الْقَرْنِ السَادِسَ عَشَرَ، هِيَ أَنَّ الْكَثِيرَ جِدًّا مِنْ هَذِهِ الْحِرْمَانَاتِ انْطَوَتْ عَلَى نَوْعٍ مِنْ إِطْلَاقِ النَارِ الْعَشْوَائِيِّ. فَبَعْضُ الرَصَاصَاتِ لَا تُصِيبُ أَبَدًا رَأْيَ الْمُصْلِحِينَ، لَكِنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الرَصَاصَاتِ الْأُخْرَى يُصِيبُ الْهَدَفَ تَمَامًا.

وَالْآنَ، لِنَتَنَاوَلْ بِعِنَايَةٍ عَنَاصِرَ هَذَا التَصْرِيحِ: "إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ حُرِّيَّةَ إِرَادَةِ الْإِنْسَانِ، حِينَ يَدْفَعُهَا اللَّهُ وَيُنَبِّهُهَا، لِتَقْبَلَ دَعْوَةَ اللَّهِ وَعَمَلَهُ، لَا تَتَعَاوَنُ بِأَيِّ حَالٍ فِي الِاسْتِعْدَادِ وَالْتَأَهُّبِ لِلْحُصُولِ عَلَى نِعْمَةِ التَبْرِيرِ". دَعُونِي أَتَوَقَّفُ هُنَا. أَحَدُ الْأُمُورِ الَتِي أَكَّدَتْهَا رُومَا هُوَ أَنَّ الْإِرَادَةَ يَجِبُ أَنْ تَتَعَاوَنَ مَعَ نِعْمَةِ اللَّهِ، الَتِي تُعْطَى فِي التَبْرِيرِ، حَتَّى تَخْلُصَ. ذُكِرَ هَذَا سَابِقًا فِي الْمَجْمَعِ، فِي الْحَدِيثِ عَنْ وُقُوعِ التَبْرِيرِ أَوَّلًا عِنْدَ نَوَالِ الشَخْصِ سِرَّ الْمَعْمُودِيَّةِ. فَمِنْ أَهْدَافِ سِرِّ الْمَعْمُودِيَّةِ تَطْهِيرُ النَفْسِ مِنَ الْخَطِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ. وَفِي الْمَعْمُودِيَّةِ، بِحَسَبِ رُومَا، تُغْرَسُ النِعْمَةُ دَاخِلَ النَفْسِ، أَوْ تُسْكَبُ دَاخِلَ النَفْسِ. وَدُونَ هَذِهِ النِعْمَةِ، لَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا يُرْضِي بِهِ الرَبَّ. مَرَّةً أُخْرَى، هَذَا نَقِيضُ الْبِيلَاجِيَّةِ تَمَامًا. فَالنِعْمَةُ ضَرُورِيَّةٌ لِلْخَلَاصِ، وَالنِعْمَةُ ضَرُورِيَّةٌ لِلتَبْرِيرِ. لَكِنْ كَيْ يَحْدُثَ التَبْرِيرُ، بِحَسْبِ كَنِيسَةِ رُومَا، لَا بُدَّ لِهَذِهِ النِعْمَةِ الَتِي تُغْرَسُ فِي النَفْسِ أَنْ تُقَابَلَ بِاسْتِجَابَةٍ مِنَ الشَخْصِ. وَتُعَرِّفُ رُومَا تِلْكَ الِاسْتِجَابَةَ بِأَنَّهَا "التَعَاوُنُ مَعَ" وَ"قُبُولُ" هَذَا التَبْرِيرِ. وَالْكَلِمَتَانِ هُمَا "كُوُوبِيرَارِي" (cooperare) وَ"أَسِينْتَارِي" (assentare). وَيَجِبُ أَنْ يَصِلَ التَعَاوُنُ وَالْقُبُولُ إِلَى حَدِّ أَنْ يَصِيرَ الشَخْصُ، بِمُسَاعَدَةِ النِعْمَةِ، بَارًّا بِطَبِيعَتِهِ. وَفَقَطْ عِنْدَمَا يَكُونُ بَارًّا بِطَبِيعَتِهِ، يُعْلِنُ اللَّهُ أَنَّهُ بَارٌّ.

لِنَعُدِ الْآنَ إِلَى الْإِقْرَارِ الرَابِعِ: "إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ حُرِّيَّةَ إِرَادَةِ الْإِنْسَانِ لَا تَتَعَاوَنُ بِأَيِّ حَالٍ فِي الِاسْتِعْدَادِ وَالْتَأَهُّبِ لِلْحُصُولِ عَلَى نِعْمَةِ التَبْرِيرِ...". هُنَا يَكْمُنُ الْغُمُوضُ. فَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ نِعْمَةِ التَبْرِيرِ. لَكِنْ هَلْ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ نِعْمَةِ التَجْدِيدِ اللَازِمَةِ لِإِحْيَاءِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْمَوْتِ الرُوحِيِّ؟ أَمْ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ تَعَاوُنٍ يَتِمُّ بَعْدَ التَجْدِيدِ؟ دَعُونِي أُحَاوِلُ تَوْضِيحَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْأَمْرُ عَلَيْكُمْ.

وَفْقًا لِلْمُصْلِحِينَ، الْإِنْسَانُ مَيِّتٌ بِالذُنُوبِ وَالْخَطَايَا، وَنَافَرٌ تَمَامًا مِنْ أُمُورِ اللَّهِ، وَمُسْتَعْبَدٌ لِلْخَطِيَّةِ، وَيُعَانِي مِنَ الْعَجْزِ الْأَخْلَاقِيِّ عَنْ أَنْ يَسْتَحِثَّ نَفْسَهُ، أَوْ يَسْتَمِيلَهَا، أَوْ يُنَبِّهَهَا بِأَيِّ شَكْلٍ، لِتُقْبِلَ إِلَى أُمُورِ اللَّهِ، إِلَى أَنْ يُوقِظَهُ اللَّهُ أَوَّلًا مِنَ الْمَوْتِ الرُوحِيِّ بِالتَجْدِيدِ.

وَالسُؤَالُ هُوَ: "هَلْ تَقُولُ رُومَا إِنَّهُ كَيْ يَتَجَدَّدَ أَحَدُهُمْ، يَجِبُ أَنْ يَتَعَاوَنَ مَعَ النِعْمَةِ الَتِي يُعْطِيهِ اللَّهُ إِيَّاهَا؟ أَمْ إِنَّ هَذِهِ النِعْمَةَ الَتِي تُحْيِي مِنَ الْمَوْتِ تَعْمَلُ بِشَكْلٍ أُحَادِيٍّ –كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُحَاضَرَةِ السَابِقَةِ– وَتَنْقُلُ هَذَا الشَخْصَ بِفَاعِلِيَّةٍ مِنَ الْمَوْتِ الرُوحِيِّ إِلَى الْحَيَاةِ الرُوحِيَّةِ؟ أَمْ إِنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ فَقَطْ تُعَيِّنُ الْإِنْسَانَ السَاقِطَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ إِلَى حَالَةِ الْخَلَاصِ، بِتَعَاوُنٍ وَقُبُولٍ مِنَ الْإِرَادَةِ؟" هَذِهِ هِيَ نُقْطَةُ الْخِلَافِ.

مَا يَزِيدُ الْأَمْرَ تَشْوِيشًا هُوَ قَوْلُهُ أَيْضًا: "لَا تَتَعَاوَنُ بِأَيِّ حَالٍ فِي الِاسْتِعْدَادِ وَالْتَأَهُّبِ لِلْحُصُولِ عَلَى نِعْمَةِ التَبْرِيرِ، وَإِنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ الرَفْضَ إِذَا أَرَادَتْ ذَلِكَ". أَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَمْرَ وَاضِحٌ. يَتَّفِقُ مُعْظَمُ الْمُؤَرِّخِينَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ هُوَ الْمَفْهُومُ الْقَدِيمُ عَنِ النِعْمَةِ الَتِي لَا تُقَاوَمُ، الَذِي يُنْسَبُ إِلَى أُوغُسْطِينُوسْ، حَيْثُ عَلَّمَ أُوغُسْطِينُوسْ بِأَنَّ النِعْمَةَ الَتِي يَتَحَرَّرُ بِهَا الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَوْتِ الرُوحِيِّ، وَيُعْتَقُ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، هِيَ عَمَلٌ أُحَادِيٌّ يُجْرِيهِ اللَّهُ، وَهِيَ فَعَّالَةٌ تَمَامًا. وَبِأَنَّهُ حِينَ يُغَيِّرُ اللَّهُ الْقَلْبَ الْبَشَرِيَّ، يَتَجَاوَبُ هَذَا الْقَلْبُ مَعَ الْحَيَاةِ الرُوحِيَّةِ. وَلَاحِقًا، دُعِيَ هَذَا الْمَفْهُومُ "النِعْمَةَ الَتِي لَا تُقَاوَمُ".

إِنَّ مَفْهُومَ النِعْمَةِ الَتِي لَا تُقَاوَمُ، كَمَا سَنَرَى لَاحِقًا عِنْدَ حَدِيثِنَا عَنْ جُونْ كَالْفِنْ، لَا يَعْنِي أَنَّ الْخُطَاةَ السَاقِطِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ مُقَاوَمَةَ النِعْمَةِ الَتِي يُحْيِينَا بِهَا اللَّهُ مِنَ الْمَوْتِ الرُوحِيِّ إِلَى الْحَيَاةِ الرُوحِيَّةِ. فَلَوْ تُرِكَ الْأَمْرُ لَنَا، لَقَاوَمْنَاهَا بِكُلِّ قُوَّتِنَا. لَكِنْ يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِمَا إِنْ كَانَتِ النِعْمَةُ الَتِي يُمَارِسُهَا اللَّهُ فَعَّالَةً. فَهَلْ تَتَغَلَّبُ عَلَى مُقَاوَمَةِ الْإِنْسَانِ لَهَا فِي حَالَتِهِ السَاقِطَةِ؟ أَمْ هُنَاكَ تَعَاوُنٌ يَتِمُّ بَيْنَ النِعْمَةِ الْمَمْنُوحَةِ وَتَجَاوُبِ الْإِنْسَانِ، بِحَيْثُ يَكُونُ هَذَا التَجَاوُبُ، أَيْ الِاسْتِجَابَةُ الْإِيجَابِيَّةُ، وَعَدَمُ مُقَاوَمَةِ تِلْكَ النِعْمَةِ، شَرْطًا أَسَاسِيًّا لِلتَجْدِيدِ الرُوحِيِّ؟ يَقُولُ أُوغُسْطِينُوسْ إِنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ فَعَّالَةٌ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّ تُومَا الْأَكْوِينِيَّ عَلَّمَ الشَيْءَ ذَاتَهُ، وَإِنَّ الْخُطْوَةَ الْأُولَى لِلنِعْمَةِ، أَيِ الْمُبَادَرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، هِيَ مَا نُسَمِّيهِ بِالتَجْدِيدِ، الَذِي بِهِ يُجْرِي اللَّهُ عَمَلًا فَائِقًا لِلطَبِيعَةِ وَمُبَاشِرًا، لِيُغَيِّرَ مُيُولَ النَفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، بِحَيْثُ يُقَدِّمُ الْإِنْسَانُ حَتْمًا اسْتِجَابَةً إِيجَابِيَّةً لِلَّهِ وَلِلْمَسِيحِ.

نَأْتِي إِلَى عِبَارَةِ "لَا تَسْتَطِيعُ الرَفْضَ"، أَوْ "لَا تَسْتَطِيعُ..." مَا الْمَقْصُودُ تَحْدِيدًا؟ "لَا تَسْتَطِيعُ الرَفْضَ إِذَا أَرَادَتْ ذَلِكَ". حَسَنًا، لَمْ يَقْصِدْ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّ الْخَاطِئَ يَعْجَزُ عَنْ رَفْضِ النِعْمَةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفُضَهَا. فَمِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّهُ إِذَا ظَلَّ الْخَاطِئُ رَاغِبًا فِي رَفْضِ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ سَيَرْفُضُهَا. لَكِنْ مَا يَقْصِدُهُ أُوغُسْطِينُوسْ هُنَا، وَمَا قَالَهُ الْمُصْلِحُونَ فِي الْقَرْنِ السَادِسَ عَشَرَ، هُوَ أَنَّ عَمَلَ النِعْمَةِ يُغَيِّرُ مُيُولَ النَفْسِ، بِحَيْثُ فِي حِينِ لَمْ تَشَأِ النَفْسُ قَبْلًا أَنْ تَتَعَاوَنَ مَعَ اللَّهِ، أَوْ أَنْ تَقْبَلَ اللَّهُ، أَوْ أَنْ تَتَجَدَّدَ، يَقُومُ اللَّهُ فِي التَجْدِيدِ بِتَغْيِيرِ رَغْبَةِ الْقَلْبِ. فَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يُحْضِرُ إِلَيْهِ شَخْصًا لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهِ. لَكِنَّ عَمَلَ التَجْدِيدِ يُغَيِّرُ الرَغْبَةَ، لِدَرَجَةِ أَنَّ الشَخْصَ الَذِي لَمْ يَكُنْ رَاغِبًا قَبْلًا فِي أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْمَسِيحِ صَارَ لَيْسَ فَقَطْ رَاغِبًا فِي ذَلِكَ، لَكِنَّهُ يَهْرَعُ إِلَى الْمَسِيحِ لِأَنَّ هَذَا هُوَ مَا يُرِيدُهُ تَمَامًا.

لِذَا، يَدِينُ هَذَا الْإِقْرَارُ حُجَّةً وَهْمِيَّةً. لَكِنْ حِينَ نَصِلُ إِلَى نِهَايَةِ الْإِقْرَارِ، نَصِلُ إِلَى أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ بِقَضِيَّةِ الْقَرْنِ السَادِسَ عَشَرَ. "بَلْ تَكُونُ جَامِدَةً لَا تَفْعَلُ شَيْئًا، وَسَلْبِيَّةً تَمَامًا، فَلْيَكُنْ مَحْرُومًا". لَمْ يُؤْمِنْ سَوَاءٌ أُوغَسْطِينُوسْ أَوِ الْمُصْلِحُونَ بِأَنَّ إِرَادَةَ الْإِنْسَانِ السَاقِطِ جَامِدَةٌ. فَهِيَ حَيَّةٌ بَيُولُوجِيًّا، لَكِنَّهَا مَيْتَةٌ رُوحِيًّا. وَمَعَ ذَلِكَ، هِيَ لَيْسَتْ شَيْئًا جَامِدًا بِلَا قُوَّةٍ. لَكِنَّهَا نَشِطَةٌ وَعَامِلَةٌ. فَهِيَ تَخْتَارُ وَتَتَّخِذُ قَرَارَاتٍ. وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، هِيَ حَيَّةٌ وَلَيْسَتْ جَامِدَةً. لَكِنْ شَدَّدَ أُوغَسْطِينُوسْ وَالْمُصْلِحُونَ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ نُقْطَةِ الِالْتِقَاءِ بَيْنَ نِعْمَةِ اللَّهِ الْمُجَدِّدَةِ وَتَحَرُّرِ الْخَاطِئِ مِنَ الْخَطِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ تَكُونُ النَفْسُ سَلْبِيَّةً تَمَامًا.

سَبَقَ أَنِ اسْتَخْدَمْتُ الْمِثَالَ الْمُتَعَلِّقَ بِسَلْبِيَّةِ لِعَازِرَ حِينَ أُقِيمَ مِنَ الْمَوْتِ. فَعِنْدَمَا وَقَفَ الْمَسِيحُ خَارِجَ قَبْرِ لِعَازَرَ، لَمْ يُحَاوِلْ إِقْنَاعَهُ بِالْخُرُوجِ، أَوْ يَمُدَّ لَهُ يَدَ الْمُسَاعَدَةِ لِيَخْرُجَ مِنَ الْقَبْرِ، بَلْ وَلَمْ يَدْخُلْ إِلَى الْقَبْرِ لِإِنْعَاشِهِ مِنْ خِلَالِ الْفَمِ، مُنْتَظِرًا مُوَافَقَةَ لِعَازَرَ، وَقُبُولَهُ، وَتَعَاوُنَهُ مَعَ قُوَّةِ الْمَسِيحِ لِيَقُومَ مِنَ الْمَوْتِ. بَلْ عِنْدَمَا نَادَاهُ الْمَسِيحُ لِيَخْرُجَ مِنَ الْقَبْرِ، كَانَ لِعَازَرُ مَيِّتًا وَسَلْبِيًّا تَمَامًا. وَفَقَطْ حِينَ أُعِيدَ إِلَى الْحَيَاةِ، صَارَ الْجُثْمَانُ السَلْبِيُّ إِيجَابِيًّا.

إِذَنْ، بِحَسَبِ أُوغُسْطِينُوسْ وَالْمُصْلِحِينَ، وَبِحَسْبِ هَذَا التَشْبِيهِ، يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الشَخْصَ الْمُسْتَعْبَدَ رُوحِيًّا، وَالْمَيِّتَ رُوحِيًّا، يَكُونُ سَلْبِيًّا، إِلَى أَنْ يُقِيمَهُ اللَّهُ الرُوحُ الْقُدُسُ مِنَ الْمَوْتِ الرُوحِيِّ.

وَبَعْدَمَا يُجْرِي اللَّهُ عَمَلَ النِعْمَةِ الْفَائِقَ لِلطَبِيعَةِ، لَا يَعُودُ الشَخْصُ سَلْبِيًّا. فَالشَخْصُ الَذِي يُحْيِيهِ الرُوحُ الْقُدُسُ رُوحِيًّا يَبْدَأُ فِي الْعَمَلِ، وَيَتَحَرَّكُ، وَيَخْتَارُ، وَيَرْغَبُ، وَيَقْبَلُ الْمَسِيحَ، لِأَنَّهُ تَحَرَّرَ فِعْلِيًّا مِنْ حَالَةِ الْمَوْتِ. لَكِنْ فِي الْخُطْوَةِ الْأُولَى، وَفِي الْمُبَادَرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، أَصَرَّ أُوغُسْطِينُوسْ عَلَى أَنَّ الْخُطْوَةَ الْأُولَى هِيَ عَمَلٌ أُحَادِيٌّ. فَاللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ مَنْ يَقُومُ بِالْعَمَلِ، وَالْإِنْسَانُ يَكُونُ سَلْبِيًّا، إِلَى أَنْ يُجْرَى فِيهِ هَذَا الْعَمَلُ.

نَنَتَقِلُ إِلَى فَتْرَةٍ لَاحِقَةٍ مِنْ تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ، إِلَى الْقَرْنِ السَابِعَ عَشَرَ، كَمَا ذَكَرْتُ، الَذِي حَدَثَتْ فِيهِ تَطَوُّرَاتٌ أُخْرَى فِي الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ. أَوَّلًا، كَانَ هُنَاكَ لَاهُوتِيٌّ يُدْعَى مَايْكِلْ بَايُوسْ (Michael Baius)، أَدَانَتْهُ الْكَنِيسَةُ فِي الْقَرْنِ السَابِعَ عَشَرَ. فَقَدْ أُدِينَتْ 79 أُطْرُوحَةً لَهُ فِي مَرْسُومٍ بَابْوِيٍّ، أَصْدَرَهُ الْبَابَا بِيُوسْ الْخَامِسُ (Pope Pius V). وَمِنْ أُطْرُوحَاتِ بَايُوسْ الَتِي أَدَانَتْهَا الْكَنِيسَةُ: 1) أَنَّ الْإِرَادَةَ دُونَ النِعْمَةِ لَا يُمْكِنُهَا سِوَى أَنْ تُخْطِئَ؛ 2) أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ مَنْ يَسْتَحِثُّ الْخَاطِئَ وَيُحْيِيهِ. أَرَادَ بَايُوسْ أَنْ يَقُولَ، فِي اعْتِمَادٍ مُبَاشِرٍ عَلَى مَا قَالَهُ أُوغُسْطِينُوسْ قَبْلَ هَذَا بِقُرُونٍ، إِنَّهُ بِدُونِ النِعْمَةِ الْمُجَدِّدَةِ، يَكُونُ الْخَاطِئُ حُرًّا فَقَطْ لِارْتِكَابِ الْخَطِيَّةِ. هَذِهِ الْأُطْرُوحَةُ الَتِي نَادَى بِهَا أُوغُسْطِينُوسْ أَوَّلًا، ثُمَّ رَدَّدَهَا بَايُوسْ فِي الْقَرْنِ السَابِعَ عَشَرَ، أُدِينَتْ بِمُوجِبِ مَنْشُورٍ بَابَوِيٍّ.

فِي الْقَرْنِ السَابِعَ عَشَرَ أَيْضًا، رَأَيْنَا مَا يُعْرَفُ بِاسْمِ الْجَدَلِ الْيَنْسِينِيِّ. وَالْجَدَلُ الْيَنْسِينِيُّ –مِثْلَمَا يُوحِي الِاسْمُ– مُرْتَبِطٌ بِفِكْرِ لَاهُوتِيٍّ يُدْعَى يَنْسِنْ (Jansen). وَالْيَنْسِينِيُّونَ، الَذِينَ كَانَ مَقَرُّهُمْ الرَئِيسِيُّ فِي فَرَنْسَا، كَانُوا حِزْبًا مِنَ الْمُفَكِّرِينَ الْكَاثُولِيكِيِّينَ، الَذِينَ عَمِلُوا عَلَى إِحْيَاءِ فِكْرِ الْقِدِّيسِ أُوغُسْطِينُوسْ. وَنَظِيرَ الْمُصْلِحِينَ فِي الْقَرْنِ السَادِسَ عَشَرَ، حَاوَلُوا التَمَسُّكَ بِالْفِكْرِ الْأُوغُسْطِينِيِّ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. أَلَّفَ يَنْسِنْ كِتَابًا عَرَضَ فِيهِ الْعَدِيدَ مِنْ أَوْجُهِ الِاتِّفَاقِ مَعَ الْقِدِّيسِ أُوغُسْطِينُوسْ، وَالَتِي عَارَضَهَا الْيَسُوعِيُّونَ آنَذَاكَ.

وَفِي عَامِ 1653، أَدَانَ الْبَابَا إِينُوسِنْتْ الْعَاشِرُ خَمْسَ (Pope Innocent X) أُطْرُوحَاتْ لِيَنْسِنْ. دَعُونِي أَذْكُرُ بَعْضَهَا. أَوَّلًا، "مِنَ الْمُسْتَحِيلِ عَلَى الْأَبْرَارِ أَنْ يُطِيعُوا بَعْضَ وَصَايَا اللَّهِ بِاسْتِخْدَامِ إِمْكَانِيَّاتِهِمْ وَقُدُرَاتِهِمْ الَتِي يَمْتَلِكُونَهَا. فَهُمْ يَفْتَقِرُونَ إِلَى النِعْمَةِ الَتِي تَجْعَلُ الطَاعَةَ مُمْكِنَةً". أَدَانَتْ رُومَا هَذَا الْكَلَامَ. ثَانِيًا، "كُلُّ مَنْ هُوَ فِي حَالَةٍ سَاقِطَةٍ لَا يَقْدِرُ الْبَتَّةَ أَنْ يُقَاوِمَ النِعْمَةَ الدَاخِلِيَّةَ". مَرَّةً أُخْرَى، أَكَّدَ يَنْسِنُ فِكْرَةَ نِعْمَةِ اللَّهِ الْمُجَدِّدَةِ وَالْفَعَّالَةِ، وَأُدِينَ لِأَجْلِ ذَلِكَ. "كَيْ يَنَالَ الْإِنْسَانُ اسْتِحْقَاقًا أَوْ عَدَمَ اسْتِحْقَاقٍ فِي حَالَتِهِ السَاقِطَةِ، لَا تَلْزَمُهُ حُرِّيَّةٌ مِنَ الضَرُورَةِ" –سَأَشْرَحُ هَذَا الْمَفْهُومَ لَاحِقًا– "الْحُرِّيَّةُ مِنَ الْإِكْرَاهِ فَعَّالَةٌ". فِي هَذَا، اتَّفَقَ يَنْسِنْ مَعَ لَوثَرَ، وَأُدِينَ لِأَجْلِ ذَلِكَ.

أَخِيرًا، نَصِلُ إِلَى أَحْدَثِ تَصْرِيحَاتِ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ عَنِ الْإِرَادَةِ، وَنَجِدُهَا فِي الدَلِيلِ الْجَدِيدِ لِتَعْلِيمِ الْإِيمَانِ الَذِي نُشِرَ فِي عَامِ 1994. الْكَثِيرُ مِنْ أَقْسَامِ هَذَا الدَلِيلِ تَنَاوَلَتْ مَسْأَلَةَ حُرِّيَّةِ الْإِنْسَانِ وَمَسْؤُولِيَّتِهِ. أَوَدُّ لَفْتَ انْتِبَاهِكُمْ إِلَى أَحَدِ هَذِهِ التَصْرِيحَاتِ، الَذِي يَقُولُ: "الْحُرِّيَّةُ هِيَ الْقُدْرَةُ، الْمُتَأَصِّلَةُ فِي الْعَقْلِ وَالْإِرَادَةِ، عَلَى الْعَمَلِ أَوْ عَدَمِ الْعَمَلِ، وَعَلَى فِعْلِ هَذَا أَوْ ذَاكَ، وَبِالتَالِي، عَلَى الْقِيَامِ بِأَفْعَالٍ مُتَعَمَّدَةٍ يَتَحَمَّلُ الْمَرْءُ مَسْؤُولِيَّتَهَا. فَبِحُرِّيَّةِ الْإِرَادَةِ، يُشَكِّلُ الْمَرْءُ حَيَاتَهُ. وَالْحُرِّيَّةُ الْبَشَرِيَّةُ هِيَ قُوَّةٌ لِأَجْلِ النُمُوِّ وَالتَقَدُّمِ فِي الْحَقِّ وَالصَلَاحِ، وَهِيَ تَبْلُغُ كَمَالَهَا بِاتِّجَاهِهَا نَحْوَ اللَّهِ. وَمَا دَامَتِ الْحُرِّيَّةُ لَمْ تُلْزِمْ نَفْسَهَا نِهَائِيًّا بِخَيْرِهَا الْمُطْلَقِ، وَهُوَ اللَّهُ، فَمِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ تَخْتَارَ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَرِّ، وَأَنْ تَتَقَدَّمَ فِي الْكَمَالِ، أَوْ تُخْفِقَ وَتُخْطِئَ. هَذِهِ الْحُرِّيَّةُ تُمَيِّزُ الْأَفْعَالَ الْبَشَرِيَّةَ، وَهِيَ الْأَسَاسُ سَوَاءٌ لِلْمَدْحِ أَوِ اللَوْمِ، وَسَوَاءٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ أَوِ التَوْبِيخِ".

إِلَيْكُمْ النُقْطَةَ الْفَيْصَلِيَّةَ. فَبِحَسَبِ هَذَا الدَلِيلِ، لَا يَزَالُ الْإِنْسَانُ قَادِرًا أَنْ يَخْتَارَ الشَرَّ أَوِ الْخَيْرَ. وَالْقُدْرَةُ عَلَى الِاخْتِيَارِ بَيْنَهُمَا ظَلَّتْ سَلِيمَةً بَعْدَ السُقُوطِ. هَذَا التَصْرِيحُ مُتَعَارِضٌ تَمَامًا مَعَ تَعْلِيمِ أُوغُسْطِينُوسْ، وَالْمُصْلِحِينَ الْبْرُوتِسْتَانْتِيِّينَ، الَذِينَ قَالُوا إِنَّ الْإِنْسَانَ يَظَلُّ حُرًّا لِيَخْتَارَ مَا يَشَاءُ، لَكِنَّ تِلْكَ الْحُرِّيَّةَ تَذْهَبُ فِي اتِّجَاهٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ بَيْنَ شُرُورٍ بَدِيلَةٍ. لَكِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَمَتَّعُ بِقُدْرَةٍ مُسَاوِيَةٍ عَلَى الِاخْتِيَارِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَرِّ. فِي الْوَاقِعِ، يَبْدُو هَذَا التَصْرِيحُ لَيْسَ فَقَطْ شِبْهَ بِيلَاجِيٍّ، بَلْ بِيلَاجِيًّا، مِمَّا أَدَّى إِلَى تَصْرِيحِ بَعْضِ اللَاهُوتِيِّينَ بِأَنَّ رُومَا لَمْ تَتَخَطَّ الْبِيلَاجِيَّةَ يَوْمًا.