المحاضرة 7: إرادة منقسمة

في محاضرتنا اليوم، سأتكلم عن النظرة الكاثوليكية وبعض التصريحات التي قامت بها روما في ما يتعلق بمفهوم الإرادة الحرة وارتباطها بالخطية الأصلية. وسنتطرق بدايةً إلى مجمع ترانت في القرن السادس عشر. أود أن أكرس بعض الوقت لقراءة القانون الكنسي الرابع من الجلسة السادسة في مجمع ترانت. تذكروا أني قلت منذ قليل إن القوانين الثلاثة الأولى هي قوانين الشجب والحِرم التي تفرضها الكنيسة على الأخطاء والهرطقات، وهي تتألف من البنية نفسها، وهي تبدأ دائمًا بالجملة الآتية: "إن قال أحدهم"، ثم تكرر قوله، وتختم بالجملة الآتية: "فليكن أناثيما".

وكما ذكرت، إن قوانين ترانت الثلاثة الأولى تنكر البيلاجيوسية، وفي القانون الرابع يبدو أن الهجوم كان موجهًا ضد المصلحين. لكننا نجد نوعًا من الغموض في هذا القانون بالذات، وقد جاء فيه ما يلي "إن قال أحد إن إرادة الإنسان الحرة، عندما يحركها الله ويستحثها للقبول بدعوة الله وعمله، لا تتعاون أبدًا بما يجعلها تستعد وتميل لنيل نعمة التبرير، ولا تستطيع رفض القبول بها إذا أرادت ذلك، بل هي بليدة لا تفعل شيئًا وهي هامدة تمامًا؛ فليكن أناثيما". لا أعلم إلى أي مدى استطعتم أن تتبعوا ذلك بانتباه، لأنه معقّد نوعًا ما. وإحدى المشاكل التي نواجهها على جميع المستويات في الأحكام المطلقة ضد المصلحين في مجمع ترانت في القرن السادس عشر، هي أن عددًا كبيرًا من هذه الحرم يتضمن نوعًا من الضرب بالخردق، بحيث أن بعض الخردق يفوته موقف المصلحين تمامًا، لكن عددًا قليلًا من الخردق الآخر يصيب الهدف تحديدًا.

والآن، فلنتكلم بدقة عن عناصر هذا التصريح: "إن قال أحد إن إرادة الإنسان الحرة، عندما يحركها الله ويستحثها للقبول بدعوة الله وعمله، لا تتعاون أبدًا بما يجعلها تميل وتستعد لقبول نعمة التبرير..." دعوني أتوقف هنا. أحد الأمور التي حافظت روما عليها هو أن على الإرادة أن تتعاون مع نعمة الله التي أُعطيت لها من خلال التبرير لكي تخلص. وقد تم توضيح الأمر قبل ذلك في المجمع حين قيل إن التبرير يتم بشكل أولي عندما ينال الإنسان فريضة المعمودية. وفريضة المعمودية، من بين سائر الأشياء الأخرى، يهدف إلى تطهير النفس من الخطية الأصلية. وخلال نعمة التبرير – بحسب روما – تنسكب النعمة في النفس. ومن دون هذه النعمة لا يقدر الإنسان أبدًا أن يفعل أي شيء يرضي الرب. أكرر، هذا منافٍ تمامًا للبيلاجيوسية. النعمة ضرورية للخلاص، النعمة ضرورية للتبرير. لكن لكي يتم التبرير – بحسب روما – لا بد لهذه النعمة التي تنسكب في النفس، أن تلقى تجاوبًا من قبل هذا الإنسان. وتعرّف روما هذا التجاوب على أنها تعاون مع هذا التبرير وقبول له – والكلمتان هما "كووبيراري" و"أسينتاري". يجب أن يكون مدى التعاون والقبول كبيرًا بما يسمح لهذا الإنسان، وبمساندة النعمة، أن يصبح بارًا ضمنيًا. ولا يعلنه الله بارًا، إلا عندما يصبح بارًا ضمنيًا.

والآن فلنعد إلى القانون الرابع: "إن قال أحد إن إرادة الإنسان الحرة لا تتعاون أبدًا بما يجعلها تستعد وتميل لقبول نعمة التبرير..." إليكم الغموض، إنهم يتكلمون عن نعمة التبرير، هل يتكلمون عن نعمة التجديد الضرورية لإحياء الإنسان من الموت الروحي؟ أم إنهم يتكلمون عن التعاون الذي يتم بعد التجديد؟ دعوني أحاول أن أشرح ذلك لئلا أسبب لكم تشويشًا. بالنسبة إلى المصلحين، الإنسان ميت في الخطايا والذنوب وهو قد مال تمامًا عن أمور الله، إنه مقيد بالخطية، وهو عاجز معنويًا عن أن يستحث نفسه أو يعدّها بأي طريقة كانت بما يجعله يُقبِل إلى أمور الله، إلى أن يحييه الله من الموت الروحي عبر التجديد. والسؤال هو الآتي: "هل تقول روما إنه لكي يتجدد الإنسان، يجب أن يتعاون مع هذه النعمة التي يمنحه الله إياها؟ أم أن هذه النعمة التي تقيمه من الموت إلى الحياة تعمل بشكل أحادي" – كما قلنا في المحاضرة السابقة – "وتنقل هذا الإنسان فعليًا من الموت الروحي إلى الحياة الروحية؟ أم أن نعمة الله تعمل ببساطة على مساعدة الإنسان الساقط على نيل الفداء بالتعاون والتوافق مع إرادته؟" هذا هو موضع الخلاف.

ما يزيد الأمر تشويشًا هو أنه جاء: "أيضًا أنها لا تتعاون أبدًا بما يجعلها تستعد وتميل لنيل نعمة التبرير، ولا تستطيع رفض قبولها إذا أرادت ذلك". أجد أن الأمر واضح، ويوافق معظم المؤرخين على أن المقصود بهذه الفقرة هي الفكرة القديمة التي تقول إنه لا يمكن مقاومة النعمة – وهي فكرة تعود إلى أوغسطينوس. حيث علّم أوغسطينوس أن النعمة التي تعمل على تحرير الإنسان من الموت الروحي وعلى تحريره من القيود المعنوية، هي عمل يقوم به الله وحده، وهو فعال تمامًا. وعندما يغير الله قلب الإنسان، فإن قلب الإنسان يتجاوب مع هذه الحياة الروحية. ولاحقًا، عُرف هذا المفهوم بـ"النعمة التي لا تُقاوَم".

إن مفهوم النعمة التي لا تُقاوَم – وكما سنكتشف لاحقًا عندما نتكلم عن جون كالفين – لا يعني أن النعمة التي ينقلنا بها الله من الموت الروحي إلى الحياة الروحية لا يمكن أن يقاومها الخطاة الساقطون. لو أن القرار يعود إلينا لكنا قاومناها بقوة وعنف كبيرين. لكن السؤال هو ما إذا كانت النعمة التي يبديها الله فعالة، وهل تتغلب على مقاومة الإنسان الذي هو في حالة السقوط، أم أنه يوجد تعاون بين النعمة الممنوحة وتجاوب الإنسان بحيث أن هذا التجاوب، هذا التجاوب الإيجابي، وعدم مقاومة هذه النعمة، هو مطلب أساسي للتجديد الروحي. أما بالنسبة إلى أوغسطينوس، فهو قال إن نعمة الله فعالة. وأنا أظن أن توماس أكوايناس علّم الأمر نفسه، وهو أن أول خطوة نعمة، المبادرة الإلهية، هي ما يُعرف بالتجديد الذي يقوم الله من خلاله بعمل فوري وفائق للطبيعة يؤول إلى تغيير ميل النفس البشرية، بما يجعل الإنسان يتجاوب دائمًا مع الله والمسيح.

عبارة "لا تستطيع أن يرفض قبولها"، أو "لا تستطيع..." ماذا جاء تحديدًا في هذه العبارة؟ "لا تستطيع رفض قبولها إذا أرادت ذلك". لم يقل أحد أبدًا إن الخاطئ لا يقدر أن يرفض النعمة إن أراد أن يرفض النعمة. من الواضح أنه إن أراد الخاطئ رفض نعمة الله فإن هذا الخاطئ سيرفض نعمة الله. لكن ما كان أوغسطينوس يقوله هنا، وما قاله المصلحون في القرن السادس عشر، هو أن ما تفعله النعمة هو تغيير ميول النفس. فقبل ذلك، لم تشأ النفس التعاون مع الله، ولم تشأ قبول الله، ولم تكن ترغب في التجدد، لكن ما يفعله الله أثناء التجديد هو تغيير شهوة القلب. وبالتالي، فإن الله لا يجذب إليه إنسانًا لا يريد الإقبال إليه، بل إن عمل التجديد يغير شهوة القلب بحيث أن الإنسان الذي لم يكن راغبًا في الإقبال إلى المسيح هو الآن لا يرغب في الأمر فحسب، بل إنه يسرع إلى المسيح لأن هذا ما يريده تمامًا. لذا فإن الدينونة تأتي على الإنسان الذي يقدم حججًا وهمية. لكن عندما نصل إلى نهاية الحكم، فإننا نصل إلى أمر يتناول مباشرة مسألة القرن السادس عشر.

"بل هي بليدة، لا تفعل شيئًا، وهي هامدة تمامًا، فليكن أناثيما". لم يؤمن أي من أوغسطينوس أو المصلحين بأن إرادة الإنسان الساقط هامدة، بل هي حية بيولوجيًا. إنها ميتة روحيًا، لكنها ليست شيئًا جامدًا لا قوة له. إنها فعّالة وهي تعمل وتختار وتتخذ القرارات. إذًا، في هذا الإطار، إنها حية وليست خاملة. ولكن شدد أوغسطينوس والمصلحون على أنه لدى التقاء نعمة الله المجددة وتحرير الخاطئ من الخطية الأصلية، تكون النفس هامدة تمامًا. سبق أن أعطيت مثلًا في الماضي عن همود لعازر عندما أُقيم من الموت. عندما وقف المسيح أمام قبر لعازر، فهو لم يلاطف لعازر لكي يخرج، ولم يمد له يد العون لكي يخرج من القبر، حتى إنه لم يدخل إلى القبر ليقوم بإنعاشه من خلال الفم منتظرًا موافقة لعازر وقبوله وتعاونه مع قوة المسيح لكي يقوم من الموت. فعندما نادى المسيح لعازر ليخرج من القبر، كان لعازر ميتًا وكان هامدًا تمامًا. ولم يصبح هذا الجثمان الهامد فعالًا إلا عندما تم إحياؤه.

إذًا، بالنسبة إلى أوغسطينوس والمصلحين، بالاستناد إلى هذا التشبيه فإن هذا يعني أن الإنسان المقيد روحيًا والميت روحيًا يبقى هامدًا إلى أن يقيمه الله الروح القدس من الموت الروحي. وما إن يقوم الله بعمل النعمة الفائق للطبيعة، فإن هذا الإنسان لا يعود هامدًا. والإنسان الذي أحياه الروح القدس روحيًا أصبح الآن يعمل. إنه يتحرك ويختار ويشتهي، وهو يقبل المسيح لأنه تحرر من حالة السبات تلك. لكن في الخطوة الأولى، في المبادرة الإلهية، يصرّ أوغسطينوس على أن الخطوة الأولى أحادية؛ الله وحده يقوم بالعمل، والإنسان يبقى هامدًا إلى أن يتم هذا العمل في داخله.

ثم ننتقل إلى مرحلة لاحقة في تاريخ الكنيسة، إلى القرن السابع عشر حيث وقعت تطورات أخرى في الكنيسة الكاثوليكية. ففي البداية، كان يوجد لاهوتي يُدعى مايكل بايوس، وقد دانته الكنيسة في القرن السابع عشر. وتمت إدانة 79 فرضية بموجب بيان بابوي، أصدره البابا بايوس الخامس. ومن بين هذه الفرضيات التي دانتها الكنيسة لدى بايوس نذكر الفرضيات الآتية: أولًا، الإرادة من دون النعمة تقدر أن ترتكب الخطية فحسب. ثانيًا، لا يمكن للخاطئ أن يتحرك ويحيا إلا من خلال الله وحده. وقصد بايوس القول، استنادًا إلى ما قاله أوغسطينوس قبل قرون، إنه من دون النعمة المحيية كل ما يقوى عليه الخاطئ هو ارتكاب الخطية. هذه الفرضية التي كان أوغسطينوس أول من أعلنها، ثم كررها بايوس في القرن السابع عشر، تمت إدانتها بموجب منشور بابوي عام.

أيضًا في القرن السابع عشر رأينا ما يُعرف بالجدل الينسيني. والجدل الينسيني – وكما يبيّن اسمه – يعود إلى لاهوتي يُدعى ينسن. والينسينيون، الذين كان مقر فريقهم الأقوى في فرنسا، كانوا فريقًا من المفكرين، كانوا فريقًا من مفكرين كاثولييين عملوا على إعادة إحياء دراسة القديس أوغسطينوس. وعلى غرار المصلحين في القرن السادس عشر، حاولوا صون الموقف الأوغسطيني المتعلق بهذه المسائل. ألّف ينسن كتابًا يختصر فيه نقاط اتفاق عدة مع القديس أوغسطينوس – اعترض عليها اليسوعيون في ذلك الوقت. وفي العام 1653، دان البابا إينوسينت العاشر خمسًا من فرضيات ينسن. دعوني أذكر بعضًا من هذه الفرضيات: "أولًا، بعض وصايا الله يستحيل على الأبرار إطاعتها عبر النضال والمجاهدة من خلال القدرة التي يملكونها، كما أنهم يفتقرون إلى النعمة التي تجعل الطاعة ممكنة" – هذه الفرضية دانتها روما. "ثانيًا، كل من هو في حالة الطبيعة الساقطة لا يقدر أبدًا أن يقاوم النعمة الداخلية". مجددًا، أكّد ينسن على فكرة نعمة الله العاملة التي تجدد وتحيي، وتمت إدانته على ذلك. "لكي يكتسب الإنسان استحقاقًا أو عدم استحقاق في حالة الطبيعة الساقطة فهو لا يستلزم حرية بالضرورة" – سأشرح هذا المفهوم لاحقًا – "الحرية من الإكراه فعالة". في هذه النقطة، ساوى ينسن نفسه بلوثر وتمت إدانته على ذلك.

في النهاية، نصل إلى التصريحات الأخيرة التي قامت بها الكنيسة الكاثوليكية في ما يتعلق بالإرادة، ونجدها في كتاب التعليم الديني الجديد الذي تم نشره في العام 1994. توجد أجزاء عدة في كتاب التعليم الديني تعالج مسألة حرية الإنسان ومسؤوليته. وأريد لفت انتباهكم إلى هذا التصريح، وجاء فيه: "الحرية هي القوة الراسخة في العقل والإرادة لتعمل أو لتمتنع عن العمل، لتفعل هذا الأمر أو ذاك. وبالتالي، للقيام بأعمال مدروسة يتحمل المرء مسؤوليتها من خلال الإرادة الحرة، يوجّه المرء مجرى حياته. الحرية البشرية هي قوة تساعد على النضوج في الحق والصلاح، وهي تبلغ الكمال حين تتجه نحو الله. وما دامت الحرية لم ترتبط بشكل نهائي بالصلاح المطلق، أي بالله، فمن المحتمل أن تختار بين الخير والشر، وأن تنمو إما في الكمال، أو في الفشل والخطية. هذه الحرية تميّز الأفعال البشرية كما ينبغي، وهي أساس إما الحمد أو اللوم، وإما الاستحقاق أو التأنيب".

وإليكم النقطة الحرجة: بحسب التعليم الديني، لا يزال الإنسان يملك القدرة على الاختيار بين الخير والشر. والقدرة على الاختيار بين هذين الأمرين لم تتغير بعد السقوط. هذا التصريح منافٍ تمامًا لتعليم أوغسطينوس وللمصلحين البروتستانتيين الذين يقولون إن الإنسان لا يزال يملك الحرية لاختيار ما يشاء، لكن هذه الحرية تتخذ اتجاهًا واحدًا: حرية الاختيار بين شرور متعاقبة. لكنها لا تملك القدرة على الاختيار بين الخير والشر بالتساوي. في الواقع، لا يبدو هذا التصريح نصف بيلاجيوسي فحسب، بل إنه بيلاجيوسي، ما أدى إلى ظهور بعض اللاهوتيين الذين قالوا إن روما لم تتخطّ البيلاجيوسية يومًا.