المحاضرة 1: إِنْقَاذُ الظَوَاهِرِ - خدمات ليجونير
 

المحاضرة 1: إِنْقَاذُ الظَوَاهِرِ

إِحْدَى الْحِكَايَاتِ الْمُفَضَّلَةِ لَدَيَّ هِيَ قِصَّةُ عَالِمِ الْفَلَكِ الَذِي كَانَ يَتَحَدَّثُ مَعَ لاهُوتِيٍّ، فَقَالَ عَالِمُ الْفَلَكِ لِلَاهُوتِيِّ: "هُنَاكَ شَيْءٌ لا أَفْهَمُهُ! لِمَاذَا أَنْتُمْ اللَاهُوتِيِّينَ تَخُوضُونَ فِي التَعْقِيداتِ اللَاهُوتِيَّةِ، وَتَتَجَادَلُونَ حَوْلَ التَعْيِينِ الْمُسْبَقِ، وَالتَرْتِيبِ الْمَنْطِقِيِّ لأَحْكَامِ اللهِ، وَكُلُّ تِلْكَ الأُمُورِ التِقَنِيَّةِ الَتِي لا يَأْبَهُ لَهَا تَمَامًا الشَخْصُ الْعَادِيُّ؟ فَبِالنِسْبَةِ إِلَيَّ، الدِينُ بَسِيطٌ. فَهُوَ الْقَاعِدَةُ الذَهَبِيَّةُ: ‘عَامِلِ الآخَرِينَ كَمَا تُرِيدُ أَنْ يُعَامِلُوكَ’". فَفَكَّرَ اللَاهُوتِيُّ لِبُرْهَةٍ وَقَالَ: "أَظُنُّ أَنِّي أَفْهَمُ قَصْدَكَ تَمَامًا، لأَنِّي أُعَانِي مِنَ الإِحْبَاطِ نَفْسِهِ مَعَكُمْ أَنْتُمْ يَا عُلَمَاءَ الْفَلَكِ. فَإِنَّكُمْ تُبْهِرُونَنَا دَائِمًا بِذَلِكَ الْكَلامِ التِقَنِيِّ عَنِ انْفِجَارِ الْمُسْتَعِرَاتِ، وَالنُجُومِ الزَائِفَةِ النَابِضَةِ، وَالاضْطِرَابَاتِ الْفَلَكِيَّةِ. فِي الْوَاقِعِ، بِالنِسْبَةِ إِلَيَّ، عِلْمُ الْفَلَكِ بَسِيطٌ. فَهُوَ أُغْنِيَةُ "لَأْلِئِي لَأْلِئِي يَا نَجْمَةُ" (twinkle twinkle little star).

حَسَنًا، هُنَاكَ مَنْ يُرِيدُونَ تَبْسِيطَ اللاهُوتِ أَكْثَرَ مِنَ اللازِمِ، وَكَذَلِكَ مَنْ يُرِيدُونَ تَبْسِيطَ الْعِلْمِ أَكْثَرَ مِنَ اللَازِمِ، بَيْنَمَا فِي الْوَاقِعِ كِلا هَذَيْنِ الْمَجَالَيْنِ الدِرَاسِيَّيْنِ فِي غَايَةِ التَعْقِيدِ. نَعِيشُ فِي زَمَنٍ صَارَ هُنَاكَ احْتِرامٌ كَبِيرٌ فِيهِ لِلْمُجْتَمَعِ الْعِلْمِي. فَحِينَ نُرِيدُ أَنْ نَقُولَ إِنَّ مُشْكِلَةً مَا لَيْسَتْ عَسِرَةً، أَيْ إِنَّهَا بَسِيطَةٌ، لَا نَقُولُ: "لا تَتَطَلَّبُ الإِجَابَةُ عَنْ هَذَا السُّؤالِ لاهُوتِيًّا"، بَلْ نَقُولُ: "لَيْسَتْ هَذِهِ مُعْضِلَةً عِلْمِيَّةً"، وَبِهَذَا نُعَبِّرُ عَنْ شُعُورِنَا بِالرَهْبَةِ تُجَاهَ الْعِلْمِ الْحَدِيثِ.

نَعِي جَمِيعًا أَنَّهُ فِي الْعَصْرِ الَذِي نَعِيشُ فِيهِ، ثَمَّةَ شُعُورٌ قَوِيٌّ بِوُجُودِ نِزَاعٍ بَيْنَ الدِينِ وَالْعِلْمِ. لَمْ يَكُنِ الْحَالُ هَكَذَا دَائِمًا، لَكِنَّهُ قَطْعًا صَارَ كَذَلِكَ. فَإِنَّنَا نَنْقَسِمُ عَادَةً إِلَى فَرِيقَيْنِ مُتَنَافِسَيْنِ، وَالْحِوَارُ وَالْجِدَالُ بَيْنَ الْمَجْمُوعَتَيْنِ يَشُوبُهُ نَوْعٌ مِنَ التَشَكُّكِ وَالارْتِيَابِ. يَجِبُ أَلَّا يَكُونَ الْحَالُ هَكَذَا. فَأَنَا، مَثَلًا، مُهْتَمٌّ بِتَطَوُّرِ الْبَحْثِ الْعِلْمِي. وَيَجِبُ أَنْ أَقُولَ إِنِّي مُنْبَهِرٌ بِشِدَّةٍ بِالإِنْجَازَاتِ الَتِي تَحَقَّقَتْ فِي مَجَالِ الْعُلُومِ الطَبِيعِيَّةِ. أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ، مَثَلًا. لا أَعْرِفُ الرَقْمَ الدَقِيقَ. إِنَّ مَا بَيْنَ 95-99% مِنَ النَاسِ الْيَوْمَ فِي الْوِلايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ يَنْعَمُونَ بِمُسْتَوَى مَعِيشَةٍ أَعْلَى ممَّا كَانَ الْمُلُوكُ يَنْعَمُونَ بِهِ مُنْذُ ثَلاثِمائَةِ سَنَةٍ. وَحَتَّى الْفُقَرَاءُ فِي هَذَا الْبَلَدِ يَنْتَفِعُونَ مِنَ الطِبِّ الْحَدِيثِ، فِي إِطَالَةِ أَعْمَارِهِمْ فِي أَوْقَاتِ الْمَرَضِ. كَمَا يَنْتَفِعُونَ مِنَ الْمِصْبَاحِ الْكَهْرَبَائِيِّ، وَالسِبَاكَةِ الدَاخِلِيَّةِ، وَأَجْهِزَةِ التِلْفَازِ، إِلَى آخِرِهِ. وَإِنْ خَرَجْنَا مِنَ الْعَصْرِ وَالْقَرْنِ الْحَالِيَّيْنِ، وَتَطَلَّعْنا إِلَى حَيَاةِ النَاسِ فِي الْمَاضِي، وَرَأَيْنَا إِنْجَازَاتِ الْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ وَالْبَحْثَ الْعِلْمِيَّ بِرُمَّتِهِ، يَجِبُ أَنْ نَقِفَ مَشْدُوهِينَ. وَحِينَ أَقْرَأُ تَارِيخَ الْعِلْمِ، وَأَتَأَمَّلُ فِي فِكْرِ أَشْخَاصٍ مِثْلِ نْيُوتَن وَكِيبْلَر (Kepler)، وَكُوبِرْنِيكُوس (Copernicus) وَأَيْنِشْتَايْن، يَبْدُو لِي أَنَّ هَؤُلاءِ كَانُوا بَشَرًا خَارِقِينَ، وَشَدِيدِي الْبَرَاعَةِ فِي النَظَرِيَّاتِ الَتِي وَضَعُوهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

فِي الْمَاضِي، كَانَ هُنَاكَ نَوْعٌ مِنَ التَعَاوُنِ بَيْنَ اللَاهُوتِ وَالْعِلْمِ، لَكِنَّ الثَوْرَةَ الْكُوبِرْنِيكِيَّةَ، وَالصِرَاعَ الَذِي نَشَأَ بَيْنَ الْكَنِيسَةِ وَالْمُجْتَمَعِ الْعِلْمِيِّ وَلَّدَ شَرْخًا بَيْنَ الاثْنَيْنِ، لا يَزالُ قَائِمًا إِلَى الْيَوْمِ. لَكِنْ مِنَ الأُمُورِ الَتِي أَوَدُّ أَنْ نَتَنَاوَلَها فِي هَذِهِ السِلْسِلَةِ هُوَ أَوْجُهِ التَلاقِي بَيْنَ الْعُلُومِ الطَبِيعِيَّةِ وَاللاهُوتِ، وَالاهْتِمَامَاتِ وَالأَهْدَافِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمَا، وَإِمْكَانِيَّةِ تَعَاوُنِهِمَا مَعًا فِي عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ.

لَدَى الْعِلْمِ وَاللَاهُوتِ الْعَدِيدُ مِنَ الْقَوَاسِمِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَسَنَبْدَأُ الْيَوْمَ بِتَناوُلِ اثْنَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْقَوَاسِمِ شَدِيدَةِ الأَهَمِّيَّةِ. أَوَّلًا، كلٌّ مِنَ اللَاهُوتِ وَالْعِلْمِ مَعْنِيَّانِ بِالْخَلَاصِ. رُبَّما يُفَاجِئُكُمْ اهْتِمَامُ الْعِلْمِ بِالْخَلاصِ. دَعُونِي أَتَمَادَى أَكْثَرَ وَأَقُولُ إِنَّ خُلاصَةَ الأَمْرِ هِي أَنَّ الْعَمَلَ الأَسَاسِيَّ لِلْعِلْمِ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ الْخَلاصِ. لَكِنْ بِاسْتِخْدَامِي كَلِمَةَ "خَلاصٍ"، وَتَطْبِيقِها عَلَى الْعِلْمِ، لَسْتُ أَسْتَخْدِمُها بِالطَرِيقَةِ الْمُعْتَادَةِ الَتِي تُسْتَخْدَمُ بِهَا فِي الْمَجَالِ الدِينِيِّ أَوِ اللاهُوتِيِّ. فَفِي اللَاهُوتِ، حِينَ نَتَحدَّثُ عَنِ الْخَلاصِ، نَقْصِدُ مُصَالَحَةَ الإِنْسَانِ مَعَ الله،ِ وَفِدَاءَ النَفْسِ الْبَشَرِيَّةِ الَتِي سَتَحْيَا إِلَى الأَبَدِ، إِلَى آخِرِهِ. لَكِنْ لَيْسَ هَذَا هُوَ الاهْتِمَامُ الرَئِيسِيُّ لِلْعَالِمِ. فَالْعَالِمُ مُهْتَمٌّ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الْخَلاصِ، وَهُوَ نَوْعٌ كَانَ الْفَيْلَسُوفُ أَفْلَاطُونُ هُوَ أَوَّلُ مَنْ تَحَدَّثَ عَنْهُ مُنْذُ قُرُونٍ مَضَتْ.

أَظُنُّ أَنَّنَا جَمِيعًا مُلِمُّونَ بِدَرَجَةٍ مَا بِعَمَلِ هَذَا الْفَيْلَسُوفِ الأَثِينِي، الَذِي شَارَكَ فِي الأَلْعَابِ الأُولُمْبِيَّةِ. وَإِذْ كَانَ عَرِيضَ الْمَنْكِبَيْنِ، سُمِّيَ أَفْلاطُونُ. وَحَصَلَ وَالِدُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَرْضٍ مِنْ رَجُلٍ يُدْعَى "أَكَادِيمِي"، وَكَانَتْ بِهَا حُقُولُ الزَيْتُونِ. ثُمَّ بَنَى أَفْلاطُونُ أَكَادِيمِيَّتَهُ هُنَاكَ فِي "الْحُقُولِ الأَكَادِيمِيَّةِ"، وَمِنْ هُنَا جَاءَ ذَلِكَ التَعْبِيرُ الدَارِجُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. وَعِنْدَ مَدْخَلِ الأَكَادِيمِيَّةِ، عَلَّقَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عَلَى الْبَابِ: "مَمْنُوعٌ الدُخُولُ إِلَّا لِلْمُتَخَصِّصِينَ فِي عِلْمِ الْهَنْدَسَةِ". لا يُشْبِهُ ذَلِكَ الْكِتَابَةَ الَتِي دُوِّنَتْ عَلَى بَوَّابَةِ الْجَحِيمِ، وَفْقَ دَانْتِي، الَتِي تَقُولُ: "أَيُّهَا الدَاخِلُون، تَخَلَّوْا عَنْ كُلِّ أَمَلٍ". قَالَ أَفْلاطُونُ: "مَمْنُوعٌ الدُخُولُ إِلَّا لِلْمُتَخَصِّصِينَ فِي عِلْمِ الْهَنْدَسَةِ". وَمَعَ ذَلِكَ، حِينَ نُفَكِّرُ فِي أَفْلاطُونَ وَأَكادِيمِيَّتِهِ، نَجِدُهَا مَدْرَسَةً فِي مَجَالِ الْفَلْسَفَةِ، وَلَيْسَ فِي عِلْمِ الْهَنْدَسَةِ، أَوِ الرِيَاضِيَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ. لِمَ إِذَنْ وُضِعَتْ تِلْكَ الْكِتَابَةُ عَلَى الْبَابِ؟ بِحَسَبِ أَفْلاطُونَ، "الْمُتَخَصِّصُ فِي عِلْمِ الْهَنْدَسَةِ" لَيْسَ شَخْصًا مُهْتَمًّا بِفَرْعٍ وَاحِدٍ مِنْ فُرُوعِ الرِيَاضِيَّاتِ الْمُتَقدِّمَةِ، لَكِنَّهُ مُهْتَمٌّ بِمَفْهُومِ الشَكْلِ، أَوْ مَا قَدْ نُسَمِّيهِ "الْحَقِيقَةَ الشَكْلِيَّةَ". فَهُوَ، كَفَيْلَسُوفٍ، كَانَ مُهْتَمًّا بِالْمَفَاهِيمِ وَبِالأَفْكارِ الَتِي يُمْكِنُها بِشَكْلٍ مَا أَنْ تُفَسِّرَ كُلَّ الْعَنَاصِرِ الْمُتَبَايِنَةِ لِلْعَالَمِ الْمَادِّيِّ الَتِي نُصَادِفُهَا كُلَّ يَوْمٍ. فَقَدْ كَانَ يَبْحَثُ وَراءَ الْمَادَّةِ عَنِ الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَعَنِ الْمَبَادِئِ الَتِي يَجِبُ فَهْمُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ خِلالِها. وَلِذَا، فَبِالنِسْبَةِ إِلَيْهِ، كَانَ عِلْمُ الْهَنْدَسَةِ نَوْعًا مِنَ الْفَلْسَفَةِ. دَعُونِي أُضِيفُ هَذِهِ الْفِكْرَةَ: فَإِنْ دَرَسْتُمْ تَارِيخَ الْفَلْسَفَةِ وَتَارِيخَ اللَاهُوتِ، سَتُدْرِكُونَ أَنَّهُ عَلَى مَرِّ الْقُرُونِ عَبْرَ تَارِيخِ الْحَضَارَةِ الْغَرْبِيَّةِ، الْبَعْضُ مِنْ أَهَمِّ الْفَلاسِفَةِ وَالْبَعْضُ مِنْ أَهَمِّ الإِنْجَازَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ تَحَقَّقَتْ عَلَى يَدِ عُلَمَاءَ لَمْ يَكُونُوا فَقَطْ فَلاسِفَةً، بَلْ كَانُوا مُتَخَصِّصِينَ فِي الرِيَاضِيَّاتِ، أَوْ فِي فَرْعٍ مَا مِنْ فُرُوعِ الْعُلُومِ الطَبِيعِيَّةِ.

لِنُفَكِّرْ، مَثَلًا، فِي سْبِينُوزَا (Spinoza) وَدِيكَارْتْ؛ فَكِلَاهُمَا كَانَ مُتَخَصِّصًا فِي الرِيَاضِيَّاتِ؛ وَكَذَلِكَ بْلِيزْ بَاسْكَالْ (Blaise Pascal). وَلْنُفَكِّرْ أَيْضًا فِي إِيمَانُوِيلْ كَانَتْ، الَذِي كَانَ يُحْسَبُ أَعْظَمَ عِمْلَاقٍ فِي تَارِيخِ الْفَلْسَفَةِ، وَهُوَ كَتَبَ أَيْضًا فِي مَجَالِ عِلْمِ الْفَلَكِ وَالْفِيزْيَاءِ. فَإِذْ رَأَى هَؤُلَاءِ وَحْدَةً بَيْنَ الْعَالَمِ الْمَادِّيِّ وَعَالَمِ الْأَفْكَارِ، لَمْ يَعْتَبِرُوا الْفَلْسَفَةَ وَالْعِلْمَ فِي تَنَافُسٍ أَوْ انْفِصَالٍ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ.

لِنَعُدْ مُجَدَّدًا إِلَى فِكْرَةِ الْخَلَاصِ. فَبِالنِسْبَةِ إِلَى أَفْلَاطُونَ، كَانَ اهْتِمَامُهُ الرَئِيسِيُّ، الَذِي وَصَفَهُ بِأَنَّهُ سَبَبُ وُجُودِ كُلِّ بَحْثٍ عِلْمِيٍّ وَكُلِّ بَحْثٍ فَلْسَفِيٍّ، هُوَ مُهِمَّةُ الْبَاحِثِ بِأَنْ "يُنْقِذَ الظَوَاهِرَ". إِنْقَاذُ الظَوَاهِرِ. وَمَا الَذِي كَانَ يَقْصِدُهُ بِذَلِكَ؟ نَسْتَخْدِمُ كَلِمَةَ "ظَوَاهِرَ" اسْتِخْدَامَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَقَدْ أَرَى شَيْئًا يَحُوزُ إِعْجَابِي لِكَوْنِهِ اسْتِثْنَائِيًّا لِلْغَايَةِ، أَوْ رَائِعًا، أَوْ عَظِيمًا. فَرُبَّمَا أَقُولُ مَثَلًا عَنْ إِمْكَانِيَّاتِ مَايْكِلْ جُورْدَانْ فِي كُرَةِ السَلَّةِ "إِنَّهُ ظَاهِرةٌ!" مُسْتَخْدِمِينَ الْكَلِمَةَ كَنَعْتٍ لِوَصْفِ الْعَظَمَةِ، أَوْ لِوَصْفِ شَيْءٍ يُذْهِلُنَا. لَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَصْلِيَّ لِكَلِمَةِ "ظَوَاهِرَ"، وَهِيَ صِيغَةُ الْجَمْعِ لِكَلِمَةِ "ظَاهِرَةٍ"، يُشِيرُ إِلَى الْأَشْيَاءِ الَتِي تَظْهَرُ لِلْحَوَاسِّ الْخَارِجِيَّةِ. أَيُّ شَيْءٍ نُبْصِرُهُ، أَوْ نَرَاهُ، أَوْ نَسْمَعُهُ، أَوْ نَتَذَوَّقُهُ، أَوْ نَلْمِسُهُ، أَوْ نَشْتَمُّهُ. فَأَيُّ شَيْءٍ نُصَادِفُهُ فِي الْعَالَمِ الْمَادِّيِّ الْخَارِجِيِّ هُوَ جُزْءٌ مِنْ ظَوَاهِرِ الْوَاقِعِ. وَمَا كَانَ أَفْلَاطُونُ مُهْتَمًّا بِهِ حِينَ تَكَلَّمَ عَنْ مُحَاوَلَةِ إِنْقَاذِ الظَوَاهِرِ هُوَ هَذَا: فَقَدْ قَالَ إِنَّهُ، بِصِفَتِهِ عَالِمًا وَفَيْلَسُوفًا، مُهْتَمًّا بِالتَوَصُّلِ إِلَى نِظَامٍ فَلْسَفِيٍّ أَوْ نِظَامٍ نَظَرِيٍّ يُمْكِنُ أَنْ يُفَسِّرَ بِطَرِيقَةٍ مُتَرَابِطَةٍ وَمَنْطِقِيَّةٍ كُلَّ تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ الَّتِي نَعِيشُهَا. وَقَالَ إِنَّ هَذِهِ هِيَ مُهِمَّةُ الْعَالِمِ، وَهِيَ إِنْقَاذُ الظَوَاهِرِ، أَيْ فَهْمُ الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِنَا.

إِنْ تَتَبَّعْتُمْ تَارِيخَ عِلْمِ الْكَوْنِيَّاتِ وَتَارِيخَ الْعِلْمِ، سَتَرَوْنَ أَنَّهُ فِي كُلِّ جِيلٍ تَحْدُثُ تَغَيُّرَاتٌ فِي النَظَرِيَّاتِ السَّائِدَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ مَا قَدْ نُسَمِّيهِ بِالصِيَغِ الْعِلْمِيَّةِ أَوْ نَمَاذِجِ الْعَصْرِ. أحيانًا تَكُونُ هَذِهِ التغيُّراتُ تَدْرِيجِيَّةً، وَتَبْدُو طَفِيفَةً وَضَئِيلَةً. وَفِي أَحْيانٍ أُخْرَى، تَكُونُ كَارِثِيَّةً وَجَذْرِيَّةً. لَكِنْ عِنْدَ حُدُوثِ نَقْلَةٍ نَوْعِيَّةٍ، تُوضَعُ نَظَرِيَّةٌ تُفَسِّرُ الظَوَاهِرَ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ.

نَعْلَمُ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَتْ أَكْبَرُ ثَوْرَةٍ عِلْمِيَّةٍ، وَحَتْمًا الثَوْرَةُ الَتِي أَحْدَثَتْ أَكْبَرَ انْتِفَاضَةٍ، هِيَ الَتِي تُسَمَّى بِالثَوْرَةِ الْكُوبِرْنِيكِيَّةِ، الَتِي انْدَلَعَتْ فِي الْقَرْنِ السَادِسَ عَشَرَ، وَكَانَتْ ثَوْرَةً فِي مَجَالِ عِلْمِ الْكَوْنِيَّاتِ وَعِلْمِ الْفَلَكِ. فَلِمِئَاتِ وَمِئَاتِ السِّنِينَ، وَفِعْلِيًّا طَوَالَ نَحْوِ أَلْفَيْ سَنَةٍ، كَانَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ يَعْمَلُونَ ضِمْنَ إِطَارِ الْفِكْرَةِ نَفْسِهَا، الَتِي تُسَمَّى "نَمُوذَجَ مَرْكَزِيَّةِ الْأَرْضِ"، وَهِيَ الْفِكْرَةُ الْقَائِلَةُ إِنَّ الْأَرْضَ هِيَ الْمَرْكَزُ لَيْسَ فَقَطْ لِلْمَجْمُوعَةِ الشَمْسِيَّةِ الَتِي نَعِيشُ فِيهَا، بَلْ هِيَ مَرْكَزُ الْكَوْنِ بِأَكْمَلِهِ. أَعْطَى هَذَا كَرَامَةً كَبِيرَةً لِلْإِنْسَانِ، لِأَنَّنَا نُحِبُّ أَنْ نَعْتَبِرَ أَنْفُسَنَا مَرْكَزَ هَذَا الْكَوْنِ الْفَسِيحِ. ثُمَّ جَاءَ كُوبِرْنِيكُوسْ، الَذِي عَارَضَ تِلْكَ الْفِكْرَةَ، وَقَالَ: "لَا، الشَّمْسُ، وَلَيْسَ الْأَرْضُ، هِيَ مَرْكَزُ الْمَجْمُوعَةِ الشَمْسِيَّةِ". وَهَكَذَا، ابْتَدَأَ جَدَلٌ سَادَهُ نِزَاعٌ شَرِسٌ. نَعْرِفُ حَادِثَةَ جَالِيلْيُو الَتِي وَجَّهَتْ ضَرْبَةً لِلْكَنِيسَةِ لَا تَزَالُ آثَارُهَا بَاقِيَةً إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. تَذْكُرُونَ قِصَّةَ الْأَسَاقِفَةِ الَذِينَ رَفَضُوا النَظَرَ عَبْرَ عَدَسَةِ تِلِيسْكُوبِ جَالِيلْيُو، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُقْتَنِعِينَ أَنَّ نَظَرِيَّتَهُ حَتْمًا خَاطِئَةٌ، إِذْ بِحَسَبِ رَأْيِهِمْ، عَلَّمَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ بِمَا لَا لُبْسَ فِيهِ بِأَنَّ الْأَرْضَ، وَلَيْسَتِ الشَمْسُ، هِيَ مَرْكَزُ الْكَوْنِ -أَوْ مَرْكَزُ الْمَجْمُوعَةِ الشَمْسِيَّةِ. يَجِبُ أَنْ نَتَذَكَّرَ أَيْضًا أَنَّ جَالِيلْيُو لَقِيَ الْقَدْرَ نَفْسَهُ مِنَ الْهُجُومِ مِنْ عُلَمَاءِ الْفَلَكِ فِي عَصْرِهِ كَمَا مِنَ الْأَسَاقِفَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُهَاجِمُ أَمْرًا مُقَدَّسًا فِي الْمُجْتَمَعِ الْعِلْمِيِّ وَكَذَلِكَ فِي الْمُجْتَمَعِ الدِينِيِّ.

كَيْفَ حَدَثَ كُلُّ هَذَا؟ يَعُودُ ذَلِكَ إِلَى عَصْرِ أَرِسْطُو، وَالْإِسْكَنْدَرِ الْأَكْبَرِ، وَرَجُلٍ يُدْعَى بَطْلِيمُوسَ، الَذِي وَضَعَ النِظَامَ الْقَدِيمَ لِعِلْمِ الْفَلَكِ، الَذِي نُسَمِّيهِ "مَرْكَزِيَّةَ الْأَرْضِ"، مُعْتَبِرًا الْأَرْضَ مَرْكَزَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالسَمَاءَ مِثْلَ مِظَلَّةٍ بِلَّوْرِيَّةٍ فَوْقَ الْأَرْضِ. وَهُنَاكَ أَيْضًا نُجُومٌ، أَوْ تِلْكَ الْأَجْرَامُ السَمَاوِيَّةُ الْمُثَبَّتَةُ فِي هَذِهِ الْقُبَّةِ الزُجَاجِيَّةِ غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ. وَهِيَ تَتَحَرَّكُ، لَكِنَّ حَرَكَتَهَا مُنْتَظِمَةٌ وَمُتَوَقَّعَةٌ، لِأَنَّهَا مُثَبَّتَةٌ فِي تِلْكَ الدَوَائِرِ الْمُتَدَاخِلَةِ مَعًا. الْمُشْكِلَةُ الْكُبْرَى، قَطْعًا، الَتِي وَاجَهَهَا بَطْلَيْمُوسُ تَكْمُنُ فِي الْهَائِمَاتِ، أَوْ تِلْكَ النُجُومِ الْهَائِمَةِ الَتِي سُمِّيَتْ بِالْكَوَاكِبِ، لِأَنَّ كَلِمَةَ "كَوْكَبٍ" (planet) تَعْنِي "هَائِمًا". وَلِتَفْسِيرِ سَبَبِ هِيَامِ تِلْكَ النُجُومِ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَسِّسَ مَجْمُوعَةً مُتَشَابِكَةً وَشَدِيدَةَ التَعْقِيدِ مِنَ الدَوَائِرِ الْبِلَّوْرِيَّةِ الْمُتَدَاخِلَةِ مَعًا، بِهَدَفِ إِنْقَاذِ الظَوَاهِرِ، أَيْ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّنَبُّؤِ بِدِقَّةٍ بِحَرَكَاتِ الْأَجْرَامِ السَمَاوِيَّةِ، الْأَمْرُ الَذِي لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ فُضُولٍ أَكَادِيمِيٍّ، بَلْ كَانَ حَرْفِيًّا مَسْأَلَةَ حَيَاةٍ وَمَوْتٍ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ حَرَكَاتِ النُجُومِ كَانَتْ تُحَدِّدُ مَوَاسِمَ الزَرْعِ وَالْحَصَادِ، نَاهِيكَ عَنْ أَنْظِمَةِ الْمِلَاحَةِ الَتِي تَتَتَبَّعُ حَرَكَةَ النُجُومِ.

وَهَكَذَا، تَوَصَّلَ إِلَى هَذَا النِظَامِ الْمُعَقَّدِ حِسَابِيًّا، الَذِي يُسَاعِدُ فِي التَّنَبُّؤِ بِالْكُسُوفِ، وَمَرَاحِلِ الْقَمَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَنَجَحَ النِظَامُ. وَظَلَّ نَاجِحًا لِمِئَاتِ وَمِئَاتِ السِنِينَ. فَنِظَامُهُ أَنْقَذَ الظَوَاهِرَ. ثُمَّ جَاءَ كُوبَرْنِيكُوسْ، وَعَارَضَ ذَلِكَ قَائِلًا: "لَا، بَلِ الشَمْسُ هِيَ مَرْكَزُ الْمَجْمُوعَةِ الشَمْسِيَّةِ". إِحْدَى الْمُفَارَقَاتِ التَارِيخِيَّةِ تَكْمُنُ فِي أَوَّلِ نِظَامٍ أَسَّسَهُ كُوبَرْنِيكُوسْ. فَهُوَ لَمْ يَنْجَحْ بِقَدْرِ نِظَامِ بَطْلِيمُوسْ. كَانَ أَقَلَّ تَعْقِيدًا، وَأَبْسَطَ حِسَابِيًّا، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالدِقَّةِ نَفْسِهَا مِنْ حَيْثُ إِمْكَانِيَّةُ التَنَبُّؤِ.

تَطَلَّبَ الْأَمْرُ مِنْ كِيبْلَرْ لَاحِقًا إِجْرَاءَ الْعَدِيدِ مِنَ التَعْدِيلَاتِ الْمُهِمَّةِ لِلْغَايَةِ، فَحَلَّ مُشْكِلَةَ الْحَرَكَةِ التَرَاجُعِيَّةِ لِلْمَرِّيخِ، وَمُشْكِلَةَ الْمَسَارَاتِ الْمَدَارِيَّةِ لِلْكَوَاكِبِ، مُبَيِّنًا أَنَّهَا بَيْضَاوِيَّةٌ وَلَيْسَتْ دَائِرِيَّةً تَمَامًا، وَغَيْرَ ذَلِكَ. لَكِنَّ الْفِكْرَةَ هِيَ أَنَّ هَذَا النِظَامَ اسْتَمَرَّ لِقُرُونٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا لَيْسَ فَقَطْ بِسَبَبِ التَحَيُّزِ، لَكِنَّهُ اسْتَمَرَّ لِأَنَّهُ نَجَحَ. فَقَدْ أَنْقَذَ الظَوَاهِرَ بِطَرِيقَةٍ عَمَلِيَّةٍ.

وَمَا يَحْدُثُ هُوَ أَنَّنَا حِينَ نَعْرِفُ الْمَزِيدَ عَنِ الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِنَا، نُصَادِفُ تَفَاصِيلَ بَسِيطَةً، وَنَعْرِفُ أُمُورًا مُعَيَّنَةً لَا تَتَمَاشَى مَعَ نِظَامِنَا، وَلَا تُلَائِمُ الصِيغَةَ. وَمَاذَا نُسَمِّيهَا؟ نُسَمِّيهَا الشَوَاذَّ. الشَوَاذُّ هِيَ مُعْطَيَاتٌ مِنْ الظَوَاهِرِ لَا تَتَوَافَقُ مَعَ النِظَامِ الْفِكْرِيِّ الْحَالِيِّ. وَإِنْ أَصْبَحَتْ مُزْعِجَةً بِمَا يَكْفِي، تَبْدَأُ فِي إِثَارَةِ الشُكُوكِ بِشَأْنِ النِظَامِ بِأَكْمَلِهِ.

وَهَكَذَا تَتَغَيَّرُ الْأَنْظِمَةُ. فَإِنْ صَادَفْتَ مَا يَكْفِي مِنْ الشَوَاذِّ، يَبْدَأُ النَاسُ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى افْتِرَاضَاتِ الْأَنْظِمَةِ السَابِقَةِ وَالصِيَغِ السَابِقَةِ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَ مُفَكِّرٌ مُبْدِعٌ، وَيَخْرُجَ بِنَظَرِيَّةٍ جَدِيدَةٍ. الْيَوْمَ تَتَغَيَّرُ النَظَرِيَّاتُ بِسُرْعَةٍ تَكَادُ تَكُونُ كَالْبَرْقِ، وَهَذَا يَعُودُ جُزْئِيًّا إِلَى ثَوْرَةِ الْمَعْرِفَةِ الَتِي نَتَمَتَّعُ بِهَا الْيَوْمَ. فَحِينَ أَتَصَفَّحُ كُتُبَ الْفِيزْيَاءِ لِلْمَرْحَلَةِ الثَانَوِيَّةِ، الَتِي كَانَ عَلَيَّ أَنْ أَقْرَأَهَا فِي الْمَرْحَلَةِ الثَانَوِيَّةِ، وَأُرَاجِعَ الْبَعْضَ مِنَ النَظَرِيَّاتِ الْمُؤَكَّدَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِيهَا، يَغْلِبُنِي الضَحِكُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَتَبَنَّى هَذِهِ النَظَرِيَّاتِ. لَكِنْ عَلَى أَيِّ حَالٍ، نَحْنُ نَشْتَرِكُ فِي سَعْيٍ مُشْتَرَكٍ، وَهُوَ سَعْيٌ إِلَى الْإِنْقَاذِ، أَيْ إِلَى فَهْمِ الْعَالَمِ الَذِي نَعِيشُ فِيهِ.

الْقَاسِمُ الْمُشْتَرَكُ الثَانِي بَيْنَنَا، الَذِي سَأَذْكُرُهُ بِشَكْلٍ عَابِرٍ، هُوَ أَنَّ كِلَيْنَا يَدْرُسُ عَالَمَ الطَبِيعَةِ. يُعَلِّمُ اللَاهُوتُ الْكِلَاسِيكِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ يُعْلِنُ عَنْ ذَاتِهِ لَيْسَ فَقَطْ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، بَلْ هُنَاكَ أَيْضًا مَا نُسَمِّيهِ بِالْإِعْلَانِ الْعَامِّ، وَهُوَ إِعْلَانٌ مِنْ اللَّهِ عَنْ ذَاتِهِ بِوَاسِطَةِ الطَبِيعَةِ. أَطْرَحُ عَادَةً هَذَا السُؤَالَ عَلَى طُلَّابِي بِكُلِّيَّةِ اللَاهُوتِ، فَأَقُولُ: "هَلْ تُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ مَعْصُومٌ؟" فَيُجِيبُ مُعْظَمُهُمْ: "نَعَمْ". فَأَقُولُ: "حَسَنًا، هَلْ تُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْإِعْلَانَ الْعَامَّ مَعْصُومٌ؟" فَيَحِكُّونَ رُؤُوسَهُمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ فِي حَيْرَةٍ، فَأَقُولُ: "لِمَ التَرَدُّدُ؟ السَبَبُ الْوَحِيدُ الَذِي يَجْعَلُكُمْ تُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ مَعْصُومٌ هُوَ إِيمَانُكُمْ بِأَنَّ مَصْدَرَهُ هُوَ اللَّهُ. فَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْبَشَرَ مَعْصُومُونَ". ثُمَّ أَقُولُ: "وَمَنْ هُوَ مَصْدَرُ الْإِعْلَانِ الْعَامِّ؟" إِنَّهُ الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ.

وَلِذَا، سَأَتَنَاوَلُ هَذِهِ السِلْسِلَةَ الدِرَاسِيَّةَ الْمُخْتَصَرَةَ مُتَّبِعًا قَنَاعَةَ أُنَاسٍ مِثْلَ الْقِدِّيسِ أُوغَسْطِينُوسَ وَالْقِدِّيسِ تُومَا الْأَكْوِينِي، الَذِينَ عَمِلُوا بِنَاءً عَلَى الِافْتِرَاضِ التَالِي: أَنَّ كُلَّ الْحَقِّ هُوَ حَقٌّ إِلَهِيٌّ، وَكُلَّ الْحَقِّ يَتَلَاقَى فِي النِهَايَةِ. ذَاتَ مَرَّةٍ، أَدْلَى أُوغَسْطِينُوسُ بِتَعْلِيقٍ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ مَسِيحِيٍّ أَنْ يَسْعَى إِلَى أَنْ يَتَعَلَّمَ قَدْرَ الْإِمْكَانِ أَكْبَرَ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنْ الْأُمُورِ، لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ حَقًّا، فَهِيَ سَتُوَجِّهُهُ إِلَى اللَّهِ. وَعَلَى الْمَسِيحِيِّ أَلَّا يَخْشَى الْحَقَّ فِي أَيِّ مَجَالٍ مِنْ مَجَالَاتِ الْبَحْثِ، سَوَاءٌ فِي دِرَاسَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ أَوْ دِرَاسَةِ الطَبِيعَةِ. فَكِلَاهُمَا مَجَالَانِ لِلْإِعْلَانِ الْإِلَهِيِّ. إِذَنْ، يُمْكِنُ لِلْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ أَنْ يُقَدِّمَ فَائِدَةً ضَخْمَةً لِلْكَنِيسَةِ -وَكَثِيرًا مَا كَانَ كَذَلِكَ -وَأَنْ يَكُونَ بَرَكَةً كَبِيرَةً لَهَا. فَفِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، صَحَّحَتِ الِاكْتِشَافَاتُ الْعِلْمِيَّةُ مِنَ الْفِكْرِ اللَاهُوتِيِّ لِلْكَنِيسَةِ، وَسَبَّبَتِ الْإِحْرَاجَ لَهَا. وَفِي أَحْيَانٍ أُخْرَى، قَوَّمَ اللَّاهُوتُ الْعِلْمَ. لَيْسَ الْعَالِمُ أَوْ اللَاهُوتِيُّ مَعْصُومَيْنِ، بَلْ عَلَى كِلَيْنَا أَنْ نَتَّضِعَ أَمَامَ الظَوَاهِرِ.