
عقيدة الله في اللاهوت المُصلَح
۲٦ ديسمبر ۲۰۲۵
كيف تقرأ الروايات التاريخيّة
۳ يناير ۲۰۲٦مَن هم اللاهوتيُّون الذين شاركوا في صياغة إقرار وستمنستر؟
التقى مجمع وستمنستر (Westminster Assembly؛ 1643-1653) خلال فترةٍ سادها الكثير من الاضطراب الديني والوطني الشديد في إنجلترا، وَوَضَع قواعد ومعايير لاهوتيَّة، أبرزها "إقرار إيمان وستمنستر"، و"دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر الطويل" و"دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر الموجَز"، وهي وثائق ما يزال لها دور وتأثير في مُختَلَفِ أنحاءِ العالم اليوم.
الخلفيَّة والسياق
عند اشتعال الحرب الأهليَّة الإنجليزيَّة (1642-1651) بين الملك تشارلز الأول والبرلمان، كانت كنيسة إنجلترا في حالة فوضى وارتباك. ومع أنَّ ثَمَّةَ "حل وسط" بين اللاهوت البروتستَنتي والنمط الكاثوليكي -مع الاحتفاظ بالنمط الكاثوليكي في الإدارة والمظهر والممارسات الدينيَّة- قد ترسَّخ في عهد الملكة إليزابِث الأولى في عام 1559، فإنَّ تَبِعات هذه المواءمة استمرَّت حتى القرن السابع عشر. ولذا، فقد سعى كثيرون إلى "تطهير" كنيسة إنجلترا من بقايا الكاثوليكيَّة، وهم الذين كانوا وما زالوا يُعرَفون بـ"التطهيريِّين" أو "البيوريتانيين" (Puritans).
أراد التطهيريُّون أن يُصلِجوا كنيسة إنجلترا في عبادتها وتعبيراتها الدينيَّة فتصير كتابيَّة، بحيث تطبِّق بصورة ثابتة اللاهوت البروتستنتي على الحياة المسيحيَّة اليوميَّة. ولأنَّ كثيرين من التطهيريِّين رفضوا استخدام العظات والصلوات المكتوبة مُسبَقًا والليتُرجيَّة المُدوَّنة في "كتاب الصلاة العامة" الخاصِّ بكنيسة إنجلترا، فقد صاروا مُنشقِّين أو خارجين عن كنيسة إنجلترا.
وخلال أواخر القرن السادس عشر وحتى بدايات القرن السابع عشر، كان الصدام بين رجال الدين ذوي الميل إلى الكاثوليكيَّة من جهة والعنصر التطهيري من جهةٍ أخرى في حالة مدٍّ وجزرٍ إلى أنْ بالغ الملك تشارلز في استخدام سلطته. ففي عام 1642 رفع الراية الملكيَّة ضدَّ البرلمان، مما تسبَّب ببدء الحرب الأهليَّة الإنجليزيَّة. وفي السنة التالية، دعا البرلمان إلى انعقاد مجمع يُعدُّ أعضاؤه الأكثر موهبةً وتقوى وبصيرةً لاهوتيَّة في تاريخ الكنيسة.
مَجْمَع وستمنستر
تألَّف المجمع من 121 رجل دين إنجليزي، و30 من العلمانيِّين، ووفد ليس له حق التصويت (لكن له تأثيرٌ كبير) من المشيخيِّين الاسكتلنديِّين. ضمَّ المَجمَع لاهوتيِّين ورعاةً بارزين، مثل توماس غودوِين (Thomas Goodwin)، وإدوارد كالامي (Edward Calamy)، ووليم غوج (William Gouge)، وجريمايا بوروز (Jeremiah Burroughs)، بالإضافة إلى مُفوَّضين اسكتلنديِّين مثل جورج غيلسباي (George Gillespie)، وصموئيل روذيفورد (Samuel Rutherford). وقد التأم المجمع في دير وستمنستر في لندن في الفترة ما بين 1643 و1649، حيثُ عُقِدت أكثر من ألف جلسة، واستمرَّتْ اللقاءات بعد ذلك بصورةٍ متفرِّقة حتَّى عام 1653.
مهَّد "الرابطة والعهد الرسميَّان" (Solemn League and Covenant؛ 1643) بين البرلمان الإنجليزي واسكتلندا الطريقَ إلى تحالفٍ عسكري وكنسي، وهو ما دعم جيش البرلمان ضدَّ الملك تشارلز وأثَّر بمحتوى وثائق وستمنستر الرسميَّة. ومع أنَّ هذه الوثائق لم تكن وثائق مشيخيَّة، من ناحية إطار الإدارة الكنسيَّة بقيادة الشيوخ، فقد أعطت وثائق وستمنستر الرسميَّة - بمساعدة المشيخيِّين الاسكتلنديِّين - المشيخيِّين (بالإضافة إلى المستقلِّين وآخرين أيضًا) الحريَّة لأن يمارسوا أشكال الإدارة الكنسيِّة التي يرغبون بها ضمن نطاق الطوائف التي تتبنَّى العقيدة المُصلَحة.
كان لاهوتيُّو (أو مُفوَّضو) وستمنستر رجالًا موهوبين. فقد كانوا مقتدرين في الكتاب المُقدَّس واللاهوت واللغات الأصليَّة (العبريَّة واليونانيَّة) واللاتينيَّة، وكانوا يستطيعون تلاوة أجزاء كبيرة من كتابات الآباء من الذاكرة. كانوا قد تعلَّموا من أجيال المُصلِحين السابقة (مثل لوثر وكالڤن وزوينغلي ونوكس وغيرهم)، وسعوا لأن يكسوا اللاهوتَ المُصلَح بتطبيق راعويٍّ وعمليٍّ. كما التزموا بحرصٍ بالحفاظ على العبادة الشخصيَّة والعائليَّة، وعلى تدبير العائلة بحسب تعاليم الكتاب المُقدَّس، وعلى حفظ يوم الربِّ بوصفه السبتَ المسيحيَّ. كان لاهوتيُّو وستمنستر مهتمِّين بالمسيحيَّة الاختباريَّة ودفء التعاطف الراعويِّ ، ولكنَّهم لم يساوموا في موقفهم ضدَّ الهرطقات والكاثوليكيَّة والتعليم الخاطئ وعدم التوبة عن الخطيَّة.
إنجازات المجمع وأهمِّيَّته
طالما ثمَّنَت الكنيسة المسيحيَّة ممارسةَ الإقرار بالإيمان من أجل تعريف الإيمان المُسلَّم مرَّةً للقدِّيسين وتوحيده وتوضيحه وتمييزه وحمايته والدفاع عنه (يهوذا 3). وفي ضوء خلفية التشويش اللاهوتي والعبادة غير المُتِّسقة، وضع لاهوتيُّو وستمنستر (باتِّخاذ بنود إيمان كنيسة إنجلترا التسعة والثلاثين وبنود جيمز أشَر الإيرلنديَّة، الصادرة عام 1615، أساسًا لهم) إقرارَ إيمانٍ جديد (1646)، ودليلَيْ الأسئلة والأجوبة الطويل والموجز (1647)، و"دليل العبادة العامة" (Directory of Public Worship؛ 1644). وطلب البرلمان أيضًا من اللاهوتيِّين أن يُورِدوا النصوص الكتابية الداعمة لكلِّ تصريحاتهم وبياناتهم.
يمكن القول إنَّ إقرار إيمان وستمنستر هو أكبر إنجاز للمجمَع، وهو مؤلَّف من فصول مختصرة وواضحة عن مواضيع مثل: الكتاب المُقدَّس، الله، الخليقة، علم الإنسان، الخطيَّة، الفداء في المسيح، التقديس، الكنيسة، العبادة، الزواج، الأسرار المُقدَّسة، الدينونة الأخيرة.
يتبع دليلا أسئلة وأجوبة وستمنستر الطويل والموجز مخطَّط إقرار إيمان وستمنستر، ولكنَّهما يحتويان على أقسام أكبر مُخصَّصة للوصايا العشرة والصلاة الربانيَّة. وعلاوةً على هذا، بينما يشدِّد دليل الأسئلة والأجوبة الطويل على الكنيسة، فإنَّ دليل الأسئلة والأجوبة الموجز يشدِّد على الفرد. وقد صُمِّم كلاهما ليكونا أداةً تعليميَّة لتعليم رجال الدين وشعب الكنيسة، مع التأكيد على الوضوح والدقَّة في الفهم اللاهوتي.
وُضِع "دليل العبادة العامّة" ليحلَّ محلَّ الليتُرجيَّة الإلزاميَّة في "كتاب الصلاة العامَّة" (الخاص بكنيسة إنجلترا)، وقد صار دليلًا بروتسنتيًّا ومُصلَحًا متَّسقًا للعبادة. يشدِّد الدليل على المبدإ التنظيمي في العبادة، ومركزيَّة الكتاب المُقدَّس، وتقديم فريضتَيْ المعموديَّة والعشاء الربَّاني بصورة صحيحة، والاعتبارات الراعويَّة المرتبطة بزيارة المرضى والصوم ودفن الموتى.
مثَّل مجمع وستمنستر نقطةً محوريَّةً في تاريخ اللاهوت المُصلَح ونموِّ المسيحيَّة البروتستَنتيَّة. ويُرى إرثه الباقي لا في صياغاته العقائديَّة فقط، بل وفي تأثيره على الفكر الكنسيِّ والمسيحيِّ أيضًا. وما زال عمل المجمع يُنظِّم معتقدات الكنائس المُصلَحة وممارساتها في جميع أنحاء العالم اليوم، إذْ إنَّه يجسِّد تفاعلًا عميقًا مع الكتاب المُقدَّس واللاهوت.
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

