حربٌ وسلام مع الله القدُّوس - خدمات ليجونير
ثلاث حقائق يجب أن تعرفها عن سفر صفنيا
۱۵ أغسطس ۲۰۲۵
تتبُّع قصَّة عيد الميلاد
۲۹ أغسطس ۲۰۲۵
ثلاث حقائق يجب أن تعرفها عن سفر صفنيا
۱۵ أغسطس ۲۰۲۵
تتبُّع قصَّة عيد الميلاد
۲۹ أغسطس ۲۰۲۵

حربٌ وسلام مع الله القدُّوس

أتذكَّر ذلك اليوم الصيفي، شديد الحرارة والرطوبة، عام 1945، حين كنتُ منشغلًا في لعب "كرة العصا" في شوارع شيكاغو. في ذلك الوقت، كان عالمي يتألَّفُ من قطعة الأرض الممتدَّة من غطاء إحدى بالوعات الصرف إلى الغطاء الآخر. كل ما كان مهمًّا بالنسبة إليَّ هو أن يأتي دوري لإمساك المضرب بعد كل هؤلاء اللاعبين. انزعجتُ جدًّا حين قاطع رميتي الأولى اندلاع فوضى شديدة وضجَّة في كل مكانٍ حولي. وخرج الناس راكضين من أبواب بيوتهم، صارخين وضاربين الأواني بالملاعق الخشبيَّة. للحظةٍ ظننتُ أنَّها قد تكون نهاية العالم. من المؤكَّد أنَّها كانت نهاية دوري في لعبة "كرة العصا". في وسط الفوضى العارمة، رأيتُ أُمِّي تركض نحوي والدموع تنهمر على وجهها. حملتني بذراعَيْها وضمَّتني بشدة، وهي تنتحبُ وتردِّدُ قائلةً: "لقد انتهتْ! انتهتْ! انتهتْ!"كان هذا يوم النصر على اليابان، في عام 1945. لم أكنْ متأكِّدًا من معنى ذلك، ولكنْ كان هناك أمرٌ واحدٌ واضح: أن الحرب انتهتْ، وأنَّ أبي سيعود إلى البيت. لن نعود نرسِل رسائل بالبريد الجويِّ إلى بلادٍ بعيدة. لن نعود نستمع إلى التقارير الإخباريَّة اليوميَّة عن أحداث المعارك والإصابات فيها. لن تبقى هناك لافتاتٌ قماشيَّة عليها نجوم تتدلَّى من النوافذ. لن نعود نفتح عُلَب الحساء، ولن نبقى نقتات بالحصص الغذائيَّة التي نحصل عليها بكوبونات الطعام. انتهتْ الحرب، وأتانا السلام أخيرًا!تركت لحظاتُ الفرحِ والبهجةِ بصمةً باقيةً في عقل طفولتي. تعلَّمتُ أنَّ السلام أمرٌ مهمٌّ، وهو سببٌ لاحتفال بهيج حين يتحقَّق، وسببٌ للحزن والندم حين يُفقَد. الانطباع الذي تولَّد لديَّ في ذلك اليوم في شوارع شيكاغو كان هو أنَّ السلام أتى ليبقى إلى الأبد.

تعلَّمتُ أنَّ السلام أمرٌ مهمٌّ، وهو سببٌ لاحتفال بهيج حين يتحقَّق، وسببٌ للحزن والندم حين يُفقَد.

لم تكُن لديَّ فكرة عن حقيقة كونه سلامًا هشًّا. وبدا أن وقتًا قصيرًا مرَّ قبل أن يبدأ المُراسلون الصحفيُّون، مثل غابريل هيتر (Gabriel Heater) في توجيه تحذيراتٍ مشؤومة بشأن تجنيد الجيوش في الصين، والتهديد النووي الروسيِّ، وإحاطة برلين بسور. استمرَّ سلام أميركا فترةً قصيرة، لتذعِن لاحقًا لنداء الحرب ثانيةً في كوريا، ومِن ثَمَّ في فيتنام. نتوق إلى سلامٍ دائم يمكننا الاعتماد عليه. هشٌّ، متزعزع، ضعيف. هذه هي الصفات الطبيعيَّة والاعتياديَّة للسلام الأرضي. معاهدات السلام تشبه القوانين، إذ تُعقَد لتُكسَر لاحقًا. ولا مليون من نيڤيل تشامبرلين (Neville Chamberlains؛ رئيس وزراء بريطانيا قبل الحرب العالميَّة الثانية وبداياتها)، يتَّكئون على شرفاتٍ بأيدٍ ممدودة، مُعلِنين: "قد أنجزنا السلام لأجل زمننا"، يمكنهم أن يضمنوا ألَّا يكون التاريخ البشريُّ فشلًا مستمرًّا لنزع فتيل الحرب. وهكذا نتعلَّم سريعًا ألا نثق أكثر ممَّا ينبغي بالسلام، إذ الحرب تتطفَّل عنوةً وبسرعة وسهولة كبيرتين. ولكنَّنا نتوق إلى سلامٍ دائم يمكننا الاعتماد عليه. هذا هو بالضبط نوع السلام الذي أعلنه الرسول بولس في رسالته إلى كنيسة روما. حين تتوقَّف حربنا المُقدَّسة مع الله؛ وحين نشابه لوثر في عبور أبواب الفردوس إذ نتبرَّر بالإيمان، تنتهي الحرب إلى الأبد. فبتطهيرنا من الخطية وبإعلان الغفران الإلهيِّ ندخل في معاهدة سلام أبديَّة مع الله. وباكورة ثمار تبريرنا سلامٌ مع الله. هذا السلام سلامٌ مُقدَّس، سلام فائق لا عيب فيه. إنَّه سلام لا يمكن أن يُهدَم أو يُنقَض. حين يوقِّع اللهُ معاهدةَ سلام، فإنّها تُوقَّع لتكون دائمةً. الحرب انتهتْ إلى أبد الآبدين. طبعًا ما نزال نخطئ، وما نزال نتمرَّد، وما نزال نرتكب أعمالًا عدوانيَّة تجاه الله. ولكنَّ الله لا يدخل في هذه الحرب. لا يمكن جذبه إلى الحرب معنا. لدينا مُحامٍ شفيع عند الآب. لدينا وسيط يحافظ على السلام. هو يحفظ السلام ويُبقيه لأنَّه رئيس السلام وهو سلامنا.


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

آر. سي. سبرول
آر. سي. سبرول
د. آر. سي. سبرول هو مؤسس خدمات ليجونير، وهو أول خادم وعظ وعلّم في كنيسة القديس أندرو في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا. وأول رئيس لكلية الكتاب المقدس للإصلاح. وهو مؤلف لأكثر من مئة كتاب، من ضمنها كتاب قداسة الله.