كيف تقرأ الأناجيل
۱۳ مارس ۲۰۲٦
كيف تقرأ الأناجيل
۱۳ مارس ۲۰۲٦

كيف تقرأ الأنبياء

يصعُب فهم أسفار الأنبياء. ويعود هذا بصورة جزئيّة إلى أنّ الله أعلن عن نفسِه لهم في أحلام ورؤى. فموسى هو الوحيد الذي كلّمه الله وجهًا إلى وجه (سفر العدد 12: 6-8). تضمّ أسفار الأنبياء الكبار إشعياء وإرميا وحزقيال ودانيال. وتشمل أسفار الأنبياء الصغار هوشع ويوئيل وعاموس وعوبديا ويونان وميخا وناحوم وحبقوق وصفنيا وحجَّي وزكريّا وملاخي. وفي ما يلي بعض المبادئ والأفكار لمساعدتك في قراءة وفهم الأسفار النبويّة . 

1. تفحَّص السياق. 

أوّلًا، افهم قدر ما تستطيع عن المناسبة والظروف التاريخيّة الخاصّة بالسفر، وعن سياقه الاجتماعيّ، وعن النبي الذي تدرس سفره. ويمكن لنُسَخ الكتاب المُقدَّس الدراسيّة، مثل "الكتاب المُقدَّس الدراسيّ الإصلاحي" (Reformation Study Bible)، أن تساعدك في هذا الأمر. 

2. أدرِك دور الأنبياء بوصفهم محامين ومدافعين عن عهد الله. 

ثانيًا، أدرِك حقيقةَ أن الأنبياء كانوا بصورةٍ أساسيّةً محامين ومدافعين عن عهد الله. فمع أنّهم تكلَّموا عن أجزاء عديدة  عن العهد، مثل تمهيد العهد ومقدّمته التاريخيّة ("أنا الربُّ إلهُكَ الذي أخرجك من أرض مصر")، وكثيرًا ما ذكَّروا الشعبَ بمسؤوليّتهم بأن يحفظوا وصايا الله وأوامره (التي هي "بنود العهد")، فقد كان قصدُهم الأساسيُّ أن يذكِّروا الشعب بالعواقب المرتبطة بحفظ العهد. نميل إلى النظر في لغة اليوم الشائعة إلى العواقب بكونها سلبيّة فقط (مثل "العقوبات الاقتصاديّة"). ولكنّ العواقب في الكتاب المُقدَّس يمكن أن تكون إيجابيّة أو سلبيّة. فهذه العواقب هي البركات للطاعة، واللعنات أو العقاب للعصيان. وقد شابَهَ الأنبياءُ محامين جيّدين في مرافعتهم ضدّ الملوك / أو الشعب، وأعلنوا لهم عن الطرق التي بها لم يسلكوا بحسب معايير الله. 

3. تعلَّم تميِّز وتدرِك المُصطلحات واللغة النبويّة.

المُصطلحات النبويّة هي ناحية مهمّة في الطريقة التي يتكلَّم بها الأنبياء عن الحقائق المستقبليّة. الفكرة الرئيسيّة المقصودة هنا هي أن الأنبياء، الذين يتكلَّمون باستمرار عن الحفاظ على شعب إسرائيل وأسباطهم وأرضهم وهيكلهم، والترتيبات المرتبطة بكلّ هذه الأمور، كثيراً ما تصف حقائق مستقبليّة لم تأتِ بعدُ حيث تتعلَّق بالعهد الجديد.  ولذلك فإنّ على القارئ أن يسأل دائمًا وبصورة متكرِّرة السؤالَين التاليين: "هل يتكلّم النبي عن الظروف التي تحيط به؟ أم أنّه يتكلم عن حقائق تخصّ المستقبل؟"  ولذلك، فإنّ المُصطلحات النبويّة أو اللغة النبويّة هي  الطريقة التعبيريّة التي بها يستخدم أنبياء العهد القديم لغةً رمزيّةً للحديث عن أشياء تتعلَّق بإسرائيل من أجل تصوير الحقائق المسيانيّة الخاصّة بعصر العهد الجديد. هذه هي طبيعة المُصطلحات واللغة النبويّة، وإن لم ندرِكها ونفهمها، فسنخطئ في فهم الأنبياء. 

هذا الذي  عرفه الرسول بولس معرفةً جيِّدةً، حتّى في مناشدته وخطابه أمام الملك أغريباس (أعمال 26: 19-29). فقد استشهد الرسول بولس بالأنبياء قائلًا إنّها تكلَّمتَ عن يسوع المسيح، وأنّ مهمّة بولس موجَّهة إلى الأمم. فلغة الأنبياء، التي فيها يعبِّرون عن فكرهم باستخدام مُصطلحات مجازيّة، تتطلَّب (خاصّة بالنسبة إلى مؤمن العهد الجديد)، فصل وتمييز المُصطلحات الخارجيّة عن حقيقة وعود العهد الجديد. 

وباختصار،   يصف الأنبياء كثيرًا باستخدام اللغة النبويّة فيالعهد الجديد في إطار العهد القديم ومؤسَّساته. فلغة النبوّة، والصور التي يستخدمها الأنبياء، والمُصطلحات التي يستخدمونها في أوصافهم، كثيرًا ما تُستخدَم في وصف  الأمور التي ستحدث  في المسيح يسوع ولكلّ الجنس البشري. ولهذا أهميّته الخاصّة في أوصاف سبي أسباط إسرائيل وتشتُّتها وجمعها وعودتها إلى الأرض والشكل الذي تتّخذه اللعنات. فمع أنّ الأنبياء لا يملكون معرفةً كلّيّة بشأن المستقبل، فإنّهم عادةً  يتكلّمون عن يقين مجيء الله في يسوع المسيح، والعهد الجديد، بل وحتّى المجيء الثاني لربّنا من دون أن يميّزوا ويفرِّقوا هذه الأجزاء بعضها عن بعض. ومع هذا،  توجد  وحدة تكامليّة تتعلَّق بالمراحل المختلفة التي يتكلَّمون عنها بوحي الروح القدس. 

فعلى سبيل المثال، حين تكلَّم يوئيل عن انسكاب الروح القدس وصُوَر يوم الربّ الآتي، العظيم والمهوب الرهيب، لم يكن يكلِّم قرّاءه الأصليّين فقط (يوئيل 2: 28-32). فالرسول بطرس يقتبس من يوئيل 2 في سفر الأعمال في يوم الخمسين (أعمال 2: 17-21). والصور نفسها التي يُعبَّر عنها في أعمال 2: 28-32 تظهر واضحةً أيضًا في صلب يسوع المسيح. بل يحقّ للمرء أن يحاجّ بأنّ نبوّة يوئيل تجِدُ تحقيقها النهائيّ في المجيء الثاني لربّنا. ولذا، مع أنّه كان لدى يوئيل قصدٌ واحد في ما قال، فإنَّ كلماته تجدُ إحداثيّاتٍ ("نقاط هبوط") كثيرة عبر تاريخ الفداء. لهذا كان هذا المقطع، المتعلِّق بانسكاب الروح القدس، أحد أكثر المقاطع التي  يفضّل جون كالڤن أنْ يستخدمَها لشرح طريقة استخدام المُصطلحات واللغة النبويّة. 

4.  البحث عن الطرق التي بها تقتبس أسفار العهد الجديد من الأنبياء أو تُلمِح إليها، أو تردِّد صداها 

رابعًا وأخيرًا،  بحيث أن يسوع قد أخبر تلميذيه في الطريق إلى عمواس بأنّ كلّ الأسفار تكلّمتْ عنه وعن خدمته (وبالتالي عن جسده، أي الكنيسة)، فعلينا  الإنتباه دائمًا إلى الطرق التي بها تقتبس أسفار العهد الجديد من أسفار الأنبياء، أو تُلمِح إليها، أو تردِّد صداها. فمثلًا، أدرك بطرس (الذي كان شاهدًا على حدث التجلّي) أنّ مقطع تثنية 18: 15-19، وهو مقطع أساسيّ هام يتكلّم عن موسى بوصفه نموذج كلّ الأنبياء اللاحقين، وجد تحقيقه الأسمى في المسيح، الذي هو آخر الأنبياء وأسماهم (انظر أعمال 3: 17-26). ويُؤكِّد كاتب الرسالة إلى العبرانيّين على هذا الفهم، إذْ فهم أن موسى كان خادمًا أمينًا في بيته (العهد القديم)، ولكنّ المسيح أمين بوصفه ابنًا على بيته، أي العهد الجديد. وعلاوةً على  ذلك، فإن الله هو باني كلّ البيت، القديم والجديد (عبرانيّين 3: 1-6). 

هذه المقالة واحدةٌ من سلسلة مقالاتٍ في علم التفسير.


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

براين إستل
براين إستل
الدكتور براين إستل هو أستاذ العهد القديم بكليَّة وستمنستر للاهوت في ولاية كاليفورنيا. وهو ألَّف العديد من الكتب، بما في ذلك كتاب "أصداء الخروج" (Echoes of Exodus).