كيف يكون يسوعُ هو الطَّريقَ، والحقَّ، والحياةَ؟
۳۰ يناير ۲۰۲٦
ما معنى حقيقة كون يسوع نورَ العالم؟
۱۳ فبراير ۲۰۲٦
كيف يكون يسوعُ هو الطَّريقَ، والحقَّ، والحياةَ؟
۳۰ يناير ۲۰۲٦
ما معنى حقيقة كون يسوع نورَ العالم؟
۱۳ فبراير ۲۰۲٦

ما معنى حقيقة كون يسوع الكرمةَ الحقيقيّة؟

يمكن القول إنَّ تصريح يسوع "أنا هو" السابع، "أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ" (يوحنا 15: 1)، هو أكثر هذه الأقوال غموضًا (على الأقلّ بالنسبة إلى القرّاء الأمميّين). تكمن التجربة بالنسبة إلى قرّاء (ووعّاظ) كثيرين في أن ينظروا إلى هذه اللغة بوصفها بلاغيّة صرف تصف الكيفيّة التي بها نزدهر نحنُ المؤمنين ونثمر بصورة فرديّة. لكنْ ليست هذه هي الطريقة التي بها تُفهَم هذه الكلمات عند مستمعي يسوع الأصليّين، الذين كان جميعُهم يهودًا. 

من شأن كلّ ما في هذا التصريح أن يعيد أذهان المُستمعين اليهود إلى كتبهم المُقدَّسة – العهد القديم، حيثُ تُرى صورة الكرمة عبر تاريخ الفداء في تعاملات الله مع شعب إسرائيل. ولذلك، فمتى بدأ وَقْعُ كلامِ يسوعَ المسيح يَستقرُّ في نُفوسِهم، لم يكُن أمامَهم إلّا أن يُدهَشوا مِمّا كان يَجسُر أن يَقولَه عن نَفسِه من حيثُ تمامُه وتَحقيقُه.

في سفر المزامير، يتكلَّم كاتب المزمور عن كيف أتى شعب إسرائيل إلى الوجود كأمّة قائلًا: 

كَرْمَةً مِنْ مِصْرَ نَقَلْتَ. 

طَرَدْتَ أُمَمًا وَغَرَسْتَهَا. (مزمور 80: 8)

وفي تحذير النبي إشعياء شعبَ إسرائيل من ارتدادهم الرّوحي، يستخدم لُغةَ الكَرمِ الّذي غَرَسه اللهُ واعتنى به، ولكنّه نما بطريقةٍ فوضويّة خارجة عن السيطرة وبلا ثمر (إشعياء 5: 1-6). ويستخدم النبي إرميا اللّغة نفسها (إرميا 2: 21). إنّها صورة جميلة، ولكنّها في الوَقتِ نَفسِه مُؤثِّرةٌ ومُوجِعة. 

إنَّ القِصَّةَ الكامِلةَ لإسرائيل كشَعبِ اللهِ مَنسوجةٌ بأدلَّةِ مَحبَّةِ اللهِ وعِنايتِهِ بهم. فقدِ اختارَهم مُنذُ الأزل، وفَداهُم مِن العُبوديَّة، وقادَهُم في البَرِّيَّة، ومنَحَهُم أرضًا يَملِكونَها. وأعطاهم كُلَّ ما يَحتاجون إليه لا لكي يَزهَروا روحيًّا كأمَّةٍ وحَسْب، بل أيضًا ليكونوا أداةَ بَرَكةٍ لجميعِ أممِ الأرض (تكوين ١٢: ٣). لكنَّهُم أضاعوا عَطِيَّتَه وانحرَفوا عن اللهِ الّذي له يَدينونَ بوجودِهِم.

لم يكن ممكنًا ألّا ينتبه تلاميذ يسوع لأيٍّ من هذه الحقائق حين تكلَّم عن الكرمة مُشيرًا إلى نَفسِهِ. فكما أنّ الهويّة الجمعيّة الشاملة لجموع شعب الله في إسرائيل كانت متجذِّرةً في الله محرِّرهم ومُنقِذهم، وكانت حيويّتُهم وإثمارُهم الروحيّان متجذِّرَين في اتّحادهم وشركتهم معه، بوصفه الرّبَّ والمخلِّص، هكذا الآن – وبطريقةٍ أبهى وأمجد – قد تَحقَّقت المَواعيدُ الّتي أعطاها اللهُ في المسيح.

إنَّ ذهنيَّةَ كثيرٍ من المسيحيّين اليوم غالبًا ما تتشكَّل بفعلِ النَّزعةِ الفرديَّةِ الّتي أفرزها ما بعدُ عَصرِ التَّنوير، حيث يَنحصرُ التَّركيزُ أساسًا على ذواتِنا ونَظَرِ قصَّتِنا الشَّخصيَّة كأمرٍ سامٍ وأوَّلويّ. غير أنّ هذه الذهنيَّة تُناقِضُ تعليمَ الكتاب المقدَّس، إذ إنَّ التَّركيزَ فيه ليس على ما نَكونُهُ في أنفُسِنا فَحَسْب، بل على ما نَكونُهُ جَماعيًّا وكَنَسيًّا في حَياتِنا الجديدة بالخَلاص. ويَستَخدِمُ يسوع صورةَ الكَرمَة وأغصانِها ليُجَسِّدَ العلاقةَ بينَه وبين شَعبِه، وقد أدركَ تلاميذُه تمامًا ما كانَ يقصِدُهُ ـ ولاسيّما في ما يتعلَّقُ بالإثمارِ الرُّوحيِّ الّذي لا بُدَّ أن يَنتُجَ عن الاتِّحادِ به.

مِن خلالِ صَرامةِ العنايةِ الإلهيَّةِ وصُعوباتِ الحياة، يَفطِمُنا اللهُ عنِ الاتِّكالِ على أنفُسِنا، ويُعَلِّمُنا أن نَثبُتَ أكثرَ فأكثرَ في ابنِهِ.

وتجدر ملاحظة أنّ تطبيق يسوع الأوَّل لصورة كونه الكرمة الحقيقيّة يتعلَّق بمن يَبدون أتباعه، دون أن يكونوا كذلك: "كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ [الله الآب]" (يوحنا 15: 2). يتكلَّم يسوع هنا عن الذين يَبدون مؤمنين بانخراطهم الخارجي بالكنيسة، ولكنَّ إقرار إيمانهم ليسَ حقيقيًّا. فهم يفتقرون إلى الدليل الذي دعاه الرسول بولس "ثَمَرَ الرُّوحِ" (غلاطية 5: 22-23).

وَيَتَابِعُ يَسُوعُ مُتَحَدِّثًا عَنِ الأُسُسِ الَّتِي بِمُوجِبِهَا يَتَمُّ إِدْرَاجُ النَّاسِ فِيهِ كَكَرْمَةٍ حَقِيقِيَّة، فيقول: "أَنْتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ" (يوحنا 15: 3). فكلمته، التي تقدِّمها بشارة الإنجيل، هي أوَّل كلِّ شيءٍ إعلانيّة. فهي تؤكّد للذين يؤمنون لا الغفران فقط، بل والتطهير أيضًا بنعمته المبرِّرة. إنّها الإعلان النهائيّ والكامل لمكانةٍ جديدةٍ ووضعٍ جديدٍ أمام الله.

ولكنْ كما يُشير اللاهوتيون في كثيرٍ من الأحيان، "الإيمان وحده هو ما يبرِّر، ولكنّ الإيمان الذي يبرِّر ليس وحيدًا." فالإيمان مرتبط بصورة غير قابلة للانفصال مع نعمة التقديس. فينبغي لوضعنا القانوني الجديد أمام الله بغفرانه وقبوله أن يظهَر في أدلّة نعمته المغيِّرة في حياتنا. هو يغيِّرنا بصورةٍ تدريجيّةٍ لنصير أكثر شبهًا بابنه، مُخلِّصنا يسوع المسيح.

ولكنْ، كما يُرى في كثيرٍ من الأحيان في تعليم الكتاب المُقدَّس في مواقع أخرى، غالبًا ما يكون هذا النمو والإثمار في حياتنا الجديدة مكلِفًا. فالآب "ينقّي" أو "يقلِّم" الأغصان ليجعلها أكثر إثمارًا (يوحنا 15: 2). ومِن خلالِ صَرامةِ العنايةِ الإلهيَّةِ وصُعوباتِ الحياة، يَفطِمُنا اللهُ عنِ الاتِّكالِ على أنفُسِنا، ويُعَلِّمُنا أن نَثبُتَ أكثرَ فأكثرَ في ابنِهِ. 

من المفاجئ أنّ يسوع يعطي المفتاح لفهم معنى "الثبات" فيه من ناحيةٍ عمليّة: ينبغي أن نثبت فيه وأن يثبت كلامه فينا (يوحنا 15: 7). وسيُرى دليلُ هذا في حياة الصلاة لدينا إذْ نضع احتياجاتنا أمام الله ونرى استجابته لصلواتنا.

وخلاصة القول هي أنّ علينا، نحنُ تلاميذ المسيح، أن نثبت في محبّته (يوحنا 15: 9). هذه هي النقطة التي ثبتت وترسَّخت في ضمير بولس ووعيه، فعبَّر عنها بكلّ قوّة وعاطفيّة في إعلانه للغلاطيّين قائلًا: "[المسيح] أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي" (غلاطية 2: 20). فقد كانت محبّةُ المسيح له التربةَ التي فيها ازدهرتْ ونمتْ محبّتُه للمسيح. وأصلِّي أن يكون هذا حال جميعنا، نحنُ المتّحدين بيسوع المسيح، الكرمة الحقيقيّة.

هذا المقال جزءٌ من مجموعة مقالات بعنوان: "قال يسوع: "أنا هو."


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

مارك جونسون
مارك جونسون
قضى القس مارك ج. جونسون (Mark G. Johnson) عشر سنواتٍ في زراعة الكنائس، مساعدًا في تأسيس "كنيسة الثالوث المشيخيّة الإنجيليّة" (Trinity Evangelical Presbyterian Church) في ريتشهيل في إيرلندا الشماليّة. كما رعى كنائس في إنجلترا والولايات المتحدة وويلز، وهو في الحاضر راعي "كنيسة جرومسبورت المشيخيّة الإنجيليّة" (Groomsport Evangelical Presbyterian Church) في إيرلندا الشماليّة. القس چونسون عضوٌ في مجلس إدارة "وكالة راية الحقّ" (Banner of Truth Trust) للنشر، وقد كتب عدّة كتب، منها "ليس العالم موطني: تأمُّلات للسائرين في الطريق" (This World Is Not My Home: Reflections for Pilgrims on the Way)، وتفاسير ضمن سلسلة "لندرس" (Let’s Study) لإنجيل يوحنا، ورسالتي كولوسي وفليمون، ورسالتي بطرس الثانية ويهوذا.