
كيف يكون يسوعُ هو القيامةَ والحياةَ؟
۲۳ يناير ۲۰۲٦كيف يكون يسوعُ هو الطَّريقَ، والحقَّ، والحياةَ؟
قبل سنوات، سمعتُ شخصيّةً قياديّة في العالم الأكاديمي تدافع عن ضرورة أن يكون حرم جامعته التاريخيّ بيئةً متسامحة. ثم أكمل حديثه ليقول إنّ الجامعة لن تتسامح مع عدم التسامح. لا تدع مفارقة هذه الكلمات تفوتك. نحن نعيش في عصر يتفاخر بـ”التسامح”، رغم غرابة هذا التفاخر في الواقع. ويَصْحَبُ ذلك نُفورٌ شَديدٌ مِن كُلِّ ادِّعاءٍ يَتَّسِمُ بالحَصريَّة وعدم التسامح مع مثل هذه الادّعاءات. ويظهر هذا بصورة خاصّة حين يصرِّح المؤمنون بادّعاءات حصريّة تتعلّق بالمسيح والخلاص.
يمتلئ الكتاب المُقدَّس بالادّعاءات والتصريحات الحصريّة. إنَّ التضادَّ بين الحياة والموت هو أمرٌ تأسيسيّ في الإيمان المسيحيّ. وطريق الحياة وطريق الموت يمرّان عبر صفحات الكتاب المُقدَّس، ويُرى تمثيلٌ لهما في بعض المواقع، مثلما يظهر في قربان قايين الذي قُدِّم من دون إيمان بمقابل قربان هابيل الذين قُدِّم بالإيمان، وكذلك في مسارَي حياة عيسو ويعقوب المتجاورين والمتوازيين. وقد عبَّر يسوع نفسُه عن نموذج الحياة / الموت بالطريق الضيّق والطريق الواسع: طريقٌ يقود إلى الحياة، وآخر يقود إلى الهلاك (متى ٧: ١٣–١٤). ويُشخَّص الطريق الأوّل بكلمات يسوع المسيح: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يوحنا 14: 6). يمكن إيجاد هذا الادّعاء الحصريّ في كتاباتٍ مسيحيّةٍ خارج الكتاب المُقدَّس، من الديداخي (في القرن الميلادي الثاني) وحتّى قوانين واعترافات الإيمان التاريخيّة، وصولًا إلى عصرنا الحاضر.
ولكن يُثارُ سؤالٌ في هذا المَوضع: كَيْفَ يَكونُ يسوع "الطَّريقَ وَالحَقَّ وَالحَياةَ"؟ وثمّة إجابتان عن هذا السؤال، ولكنّهما إجابتان لا تنفصلان الواحدةُ عن الأخرى. هناك إجابةٌ موضوعيّة وهناك إجابة ذاتيّة شخصيّة. من الناحيّة الموضوعيّة، يسوع هو الوحيد الطريق والحقّ والحياة، لأنّه الله المتجسِّد. ومن الناحية الذاتيّة الشخصيّة، يَنالُ الأَفرادُ الخَلاصَ بِالإِيمانِ بِشَخصِ يسوعَ المَسيحِ وَعَمَلِهِ.
حين نفكِّر بيسوع من الناحية الموضوعيّة، فإنه بشخصه وعمله هو "الطريق" لأنّه الله. بالنسبة إلى قادة اليهود في زمن يسوع، كانت هذه الكلمات مفهومًا مستفزًّا. كانت عبارة "أنا هو" ادّعاءً قويًّا بالألوهيّة، وكانوا يعرفون ذلك (يوحنا 10: 10-33). فهو الطريق لأنّه الله، وأيضًا لأنّه الإنسان. فقد اتّخذ جسدًا وصار الطريق للخروج من الفوضى التي أدخلَنا آدم إليها (رومية 5). طريق البرّ والقداسة، الذي لم يسر آدم فيه، ساره يسوع بصورة كاملة وبلا لوم. استطاع أن يأخذ مكان آدم، لأنّه وُلِد من امرأة (غلاطية 4: 4). استطاعت ذبيحته أن تحمل خطايا كثيرين لأنّه الله (إشعياء 53: 12؛ 1 بطرس 1: 24). في المسيح يستطيع الإنسان أن يتصالح مع الله (رومية 5: 11؛ 1 كورنثوس 5: 18-21). الإله الإنسان هو الوحيد الذي يمكنه أن يكون الطريقَ.
من الناحية الموضوعيّة، يسوع المسيح هو الوحيد "الحقّ" أيضًا. ففي الإنجيل نفسه، نسمع يسوع يقول إنَّ كلمته هي مصدر الحقّ (يوحنا 8: 31-32). الحقّ يحرِّر الإنسان من عبوديّة الخطية (يوحنّا 8: 34-35). قال يسوع: "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" (يوحنا 8: 36). وقد يسأل أحدكم قائلًا: أليست كلمته هي التي تحرِّر الإنسان؟ نعم، ولكنّك لا تستطيع أن تفصل الكلمة والحقّ عن الكلمة الحيّ ومُعطي الحقّ. ويجد المرء التشخيص نفسه للكلمة المكتوبة في عبرانيّين 4: 12-13. يسوع هو الحقّ لأنّه الله الحيّ والحقيقيّ (إرميا 10: 10).
نعيش في عالم يتّصف بالشكّ المطلَق وعدم اليقين بشأن الطريق الذي ينبغي سلوكه، وبشأن حقيقة الحقّ، وبشأن معنى الحياة. ولكنّ الكنيسة تستجيب بالرجاء.
وهذا يأتي بنا إلى الادّعاء الحصري من المسيح بأنّه "الحياة." في الصفحات الأولى من الكتاب المُقدَّس، نقرأ عن الله الذي تكلَّم، وعن كلّ الحياة التي أتت من عمله. ولذا، ليس مفاجِئًا أن نقرأ عن المسيح: "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ" (كولوسي 1: 16-17). هو الخالق. ولكنّه صنع الخلق الجديد لشعبه أيضاً، أيّ أنّه مُخلِّص الخطاة. فإنْ كان المسيح يستطيع أن يخلق كلّ شيءٍ بكلماته، فإنّه، وهو الكلمة، يستطيع أن يمنح حياةً أبديّة.
نقرأ في سفر المزامير عن الحقائق عينِها. فطريق/ سبيل الحياة هو في حضرة الرّبّ (مزمور 16: 11). وفي المزمور نفسه، يُسمَّى الحقّ "النصيحة"، وهو يعلِّم القدّيس (مزمور 16: 7). وتُوصَف الحياة بأنّها الملجأ في الربِّ الذي يحفظ ويَصون (مزمور 16: 1). وفي المزمور 119، لا يكون الرّبّ نورًا يُضيء الطريق فحسب، بل هو أيضًا الكلمة الذي يعطي المعنى الحقيقي لطريق الحياة. حقًّا، إنّه الطريق.
من ناحية موضوعيّة، المسيح يسوع هو "الطريق والحقّ والحياة" لأنّه الله المتجسِّد. ولكنّ هذا لا يجيب عن السؤال: كيف يكون يسوع كلَّ هذا بالنسبة لكَ ولي؟ كيف تكون حقيقة "الطريق والحقّ والحياة" ذات معنى ومغزى ومغيّرة للحياة بالنسبة إلينا؟ كيف لا تبقى هذه حقيقة تاريخيّة فقط؟ كيف نملكُ شخصَ يسوع وعمله ونتمتَّع بهما في حياتنا ولحياتنا؟ الجواب هو بالنعمة، بالإيمان في يسوع المسيح وحده. فهو يصير الطريق إلى الآب بالإيمان. وحقّه يكون لنا بالإيمان. والحياة، بل "الحياة الأفضل" (يوحنا 10: 10) تصير حياتنا بالإيمان. هو كلُّ هذا للخاطئ بصورة شخصيّة بالإيمان: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ" (أعمال 16: 31). ليس هو إلهًا بعيدًا، ولكنّه "الله معنا" بالإيمان.
نعيش في عالم يتّصف بالشكّ المطلَق وعدم اليقين بشأن الطريق الذي ينبغي سلوكه، وبشأن حقيقة الحقّ، وبشأن معنى الحياة. ولكنّ الكنيسة تستجيب بالرجاء. من ناحية موضوعيّة، يسوع هو الطريق والحقّ والحياة، لأنّه الله المُتجسِّد. الله هو الوحيد الذي يمكنه أن يكون كلَّ هذه الأمور. ومن ناحيةٍ ذاتيّةٍ شخصيّة، يسوع هو الطريق والحقّ والحياة بهبة الإيمان السخيّة. فهذا الإيمان يوحِّدنا بالمسيح، الذي يصالحنا مع الآب. هذا هو الحقّ المُطلَق، الذي يستطيع كلّ الذين في المسيح أن يتمتَّعوا به بصورةٍ يقينيّة.
هذا المقال جزءٌ من مجموعة مقالات بعنوان: "قال يسوع: "أنا هو."
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

