
كيف تقرأ الروايات التاريخيّة
۳ يناير ۲۰۲٦
كيف يكونُ يسوعُ هو الرَّاعيَ الصَّالح؟
۱٦ يناير ۲۰۲٦كيف يكون يسوعُ هو خبزَ الحياة؟
في يوحنا ٦: ٤٨، نسمعُ أولى عباراتِ يسوعَ السبعَ التي تبدأ بقوله: "أنا هو". ستٌّ من هذه العباراتِ تشتمل على خبرٍ في حالةِ الرَّفع (في النَّصِّ اليونانيِّ)، مثل: خُبْزُ ٱلْحَيَاةِ (يوحنا ٦: ٤٨)، نُورُ ٱلْعَالَمِ (يوحنا ٨: ١٢؛ ٩: ٥)، ٱلْبَابُ (يوحنا ١٠: ٧، ٩)، ٱلرَّاعِي ٱلصَّالِحُ (يوحنا ١٠: ١١، ١٤)، ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ (يوحنا ١١: ٢٥)، وَٱلطَّرِيقُ وَٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ (يوحنا ١٤: ٦)، وهي تُخبِرُنا شيئًا عن شخصِ المسيحِ وعملِه. أمّا إحدى هذه العباراتِ، وهي في يوحنا ٨: ٥٨، فلا تشتمل على خبرٍ، بل تقفُ وحدَها كإعلانٍ من يسوعَ لامتلاكِه الاسمَ الإلهيَّ "أنا هو" الذي أعلنه الرَّبُّ لموسى حين طلبَ النَّبيُّ مَعرِفَةَ اسمِ الله (خروج ٣: ١٤). والتَّصريحُ المُطلَق في يوحنا ٨: ٥٨، "قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ (هو)"، يُوضِّح أنَّ كلًّا من عباراتِ "أنا هو" التي قالها يسوعُ هي تأكيدٌ على طبيعتِه الإلهيَّة. ولأنَّ القادةَ الدِّينيِّينَ اليهودَ لم يؤمنوا أنَّ يسوعَ هو المسيا، فقد حكموا على هذا القولِ بالتَّجديف، "فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ" (يوحنا ٨: ٥٩). لقد أدرَكوا الحقَّ الذي أعلنه يسوعُ عن طبيعتِه الإلهيَّة، لكنَّهم لم يؤمنوا به. وكما سنرى حين نتأمَّل في أولى عباراتِ "أنا هو"، فإنَّ عَدمَ الإيمانِ هذا ليس أمرًا هيِّنًا، لأنَّ كلامَ يسوعَ مسألةُ حياةٍ أو موتٍ.
قال يسوع "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ" في خضمّ مناقشةٍ طويلة له مع أتباعه (يوحنا 6: 48). وقد حدث هذا الحديث والنقاش بعد إطعامه الخمسة آلاف بخمسة أرغفةٍ وسمكتَين (يوحنا 6: 5-14)، وذلك قبل عيد الفصح وعيد المظالّ (يوحنا 6: 4). ويوفِّر كلا هذين العيدين السياق اللازم لفهم ما قصده يسوع بقوله إنّه "خُبْزُ الْحَيَاةِ".
في عيد المظالّ، كان الشعبُ يحتفل بعناية الله التي أظهرها لبني إسرائيل في البريّة بعد أن أنقذهم وأخرجهم من العبودية في مصر. لم تكن البريّةُ مكانًا صالحًا للسكنى؛ فقد اتَّسمت بانعدام الموارد اللازمة لاستمرار الحياة البشرية، مثل الطعام والماء والظلّ في النهار والنور في الليل. وبرغم هذا، في رحلاتهم عبر هذه الأرض القفر، أظهر ربّ الأرض وسيّدها أنّه مُضيفٌ سخيٌّ، إذ وفَّر كلَّ احتياجاتهم بغناه في المجد في المسيح يسوع (فيلبّي 4: 19؛ انظر 1 كورنثوس 10: 1-4). إحدى أولى المعجزات التي بها سدّ الله احتياجهم هي توفير خبزهم اليوميّ. وحين رأى شعب إسرائيل هذا الخبز لم يعرفوا ماذا كان، ودعوه "المَنّ." يستذكر مزمور 78: 23-25 صلاح الربّ في سدّ احتياج الشعب من الخبز في الصحراء قائلًا:
فَأَمَرَ السَّحَابَ مِنْ فَوْقُ،
وَفَتَحَ مَصَارِيعَ السَّمَاوَاتِ.
وَأَمْطَرَ عَلَيْهِمْ مَنًّا لِلأَكْلِ،
وَبُرَّ السَّمَاءِ أَعْطَاهُمْ.
أَكَلَ الإِنْسَانُ خُبْزَ الْمَلاَئِكَةِ.
أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ زَادًا لِلشِّبَعِ.
وفي يوحنا 6، طلب اليهود أنْ يُظهِر يسوعُ حقيقة مَن هو بعمله معجزةً شبيهة بتلك التي عملها موسى حين أعطى آباءهم المنَّ. ولكنّ يسوع صوّبَ فكرهم، فوضَّح أنّ الآب، لا موسى، هو مَن أعطاهم المنّ. وأوضح أيضًا أنّه هو المنّ أو الخبز النازل من السماء الذي سيغذّي نفوسهم. كان المنُّ هبةً صالحةً من الله غذَّت أجساد بني إسرائيل مدّة أربعين سنة قبل أن يدخلوا إلى أرض الموعد. ولكنّ الذين أكلوا المنّ ماتوا. وهنا قال يسوع: "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ" (يوحنا 6: 54).
عندما أطعم يسوعُ الخمسةَ الآلاف، كان يُعيد عمل ما عمله الله في أيّام موسى، وذلك ليُظهِر أنّه هو الربّ الذي يسدّ الاحتياجات. ولكنْ حين أتى الناس باحثين عنه ثانيةً، أراد أن يحذِّرهم من أنّهم كان يبحثون عنه بدافعِ الرغبة الخاطئة، إذ كانوا يعملون من أجل الطعام البائد. وبدلًا من ذلك، كان ينبغي لهم أن يجتهدوا لأجل الطعام الباقي للحياة الأبديَّة. ثم أوضح يسوع أنَّه هو ذاك "خبز الحياة".
تُشيرُ لغة الخبز وأكل جسده وشرب دمه إلى طبيعة يسوع المسيح البشريّة بصورة واضحة. فمعنى الإيمان بيسوع هو قَبولُ ذبيحةِ حياتِه البشريَّة. غيرَ أنَّ عباراتِ "أنا هو" تُشيرُ أيضًا إلى الطبيعةِ الإلهيَّةِ للرَّبِّ يسوع؛ فهو لا يُقبَلُ بالإيمانِ بذبيحتِه فحسب، بل أيضًا بالإيمانِ بحياتِه غيرِ القابلةِ للفناء، بصفتهِ اللهَ الذي تجسَّد. وإنَّ الأكلَ تعبيرٌ مناسبٌ لوصفِ الإيمانِ المُخلِّص، لأنَّ ما يُؤكَلُ يدخلُ إلى الداخلِ ليغذِّي الحياةَ ويقوِّي الصحَّة. ولكن، على خلافِ طعامِ الجسد، فإنَّ حياةَ المسيحِ في المؤمنِ لا تُستَهلَكُ ولا تفنى من جرَّاءِ ممارساتِ المحبَّة، بل حياتُه الأبديَّةُ تسندُ حياةً موجَّهةً نحوَ الله إلى الأبد.
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

