
مَن هم اللاهوتيُّون الذين شاركوا في صياغة إقرار وستمنستر؟
۲ يناير ۲۰۲٦
كيف يكون يسوعُ هو خبزَ الحياة؟
۹ يناير ۲۰۲٦كيف تقرأ الروايات التاريخيّة
يدوِّن لنا الكتاب المُقدَّس رواية العهد التي تتعلَّق بخلق الله لكلّ الأشياء، وسقوط الإنسان في الخطيّة، والفداء بعهد النعمة وتدابيره المتعدّدة، وذروة كلّ الدهور والأمور في المجد الأخرويّ. والله نفسه هو الراوي الرئيسيّ، إذْ هو الذي يعلِن النهاية من البداية (إشعياء 46: 10)، وهو بحدّ ذاته الأوَّل والآخر (إشعياء 44: 6؛ إشعياء 48: 12). إنها قصّة قديمة تم سردها خلال حوالي ألفٍ وخمس مئة سنة في ثلاث لغات. والأساليب الأدبيّة والمُحسِّنات البلاغيّة التي كان القدماء يستخدمونها ليسَتْ دائماً مثل أساليبنا ومحسِّناتنا ، ولذا قد ينطوي فهم ما نقرأه في بعض الأحيان في هذه القصص على تحدٍّ. ولذا، ما نورِده تاليًا هو ثلاث استراتيجيّات للقراءة يمكنها أن تساعدنا بصورة أفضل في فهم وتقدير فن الرواية التاريخيّة القديمة كما ترد في الكتاب المُقدَّس.
- يجب الفهم أن رواية الكتاب المُقدَّس المُوحَّدة لا ترد في ترتيبٍ زمنيّ.
يمكن رؤية هذا في أسلوبٍ أدبيّ قديم، إذْ يصرِّح الكاتب بأمرٍ ثم يعود إلى الوراء زمنيًّا للتركيز على تفاصيل مهمّة تتعلَّق بالحدث نفسه أو الكيفيّة التي بها وصلتْ الأمور إلى ذلك الحدث. ففي بعض الأحيان، يتجاوز اللاهوت في الكتاب المُقدَّس الترتيبَ الزمنيّ ضمن الترتيب الذي فيه ترِد الأحداث المُدوَّنة. فمثلًا، يبدأ سفر التكوين 2 بوصفٍ لليوم السابع في الخلق (الآيات 1-3)، ولكنّ بقيّة الأصحاح تعود في الزمن لتنظر إلى أحداث اليوم السادس بتفصيلٍ أكبر (الآيات 4-25). ويدوِّن تكوين 10 أسماء أحفاد نوح، في ما يُعرَف بقائمة الأمم، التي تُقدَّم "حَسَبَ قَبَائِلِهِمْ كَأَلْسِنَتِهِمْ بِأَرَاضِيهِمْ حَسَبَ أُمَمِهِمْ" (تكوين 10: 31). ولكنْ في الأصحاح التالي ، نعود إلى الزمن الذي فيه كان الناس قبيلةً واحدةً ويتكلَّمون لغةً واحدة وكانوا أمّةً واحدة، وذلك من أجل التركيز على أحداث برج بابل. وهذا ينطبق على صموئيل الأوَّل 16 و17. ففي نهاية 1صموئيل 16، نرى شاول يحبّ داود، الذي تفرّغ لخدمة شاول حاملًا سلاحه. لكنْ في الأصحاح التالي، نرى داود غير معروفٍ لشاول، ولا يعرف كيف يتعامل مع السلاح.
- دع النصّ يفسِّر نفسه حينما يكون هذا ممكنًا.
تتألَّف الرواية الكتابيّة من أحداثٍ مدوّنةٍ وحواراتٍ (أو أحاديث) للشخصيّات التي ترد في تلك الأحداث. وفي بعض الأحيان، تعطيك ذروة الحوارٌ الدليل الذي تحتاج إليه لفهم سبب تدوين هذه الأحداث، وإلى ما تُشير إليه.
فمثلًا، في 1ملوك 17 نلتقي للمرّة الأولى بالنبي إيليّا، الذي يُعلِن للملك آخاب رسالةً عن جفافٍ يدوم ثلاث سنوات. ثم غادر إلى جانب نهرٍ، حيثُ أطعمته الغربان فترةً غير مُحدَّدة من الزمن. وبعد ذلك، أمره الرب بأن يرتحل إلى خارج أرض الموعد ليعيش عند أرملةٍ وابنها الصغير. مات ابنها، فأقامه إيليا بمعجزةٍ من الموت. فكان ردّ الأرملة هو المفتاح إلى كامل القصّة: "هذَا الْوَقْتَ عَلِمْتُ أَنَّكَ رَجُلُ اللهِ، وَأَنَّ كَلاَمَ الرَّبِّ فِي فَمِكَ حَقٌّ" (1ملوك 17: 24). وقد استُخدِم هذا الأسلوب نفسه ثانيةً بالتمام في الأصحاح التالي . فبعد أن هزم إيليا أنبياء البعل في التحدّي الذي جرى بينهم وبينَهُ، أعلن الشعب: "الرَّبُّ هُوَ اللهُ! الرَّبُّ هُوَ اللهُ" (1ملوك 18: 39). ففي زمن الأنبياء الكذبة والآلهة الأخرى، يشهد الكتاب المُقدَّس بالكلمة والعمل بأنّ الربّ هو الإله الحقيقيّ، وأنّ أنبياءه يتكلَّمون بحقّه.
- انتبه إلى ما هو غير متوقَّع.
يُدوَّن في بعض الأحيان شيءٌ غريبٌ أو في غير مكانه ليُشير إلى حدثٍ ذرويّ في المستقبل أو يُنبئ به. تعلِّم الرواية التاريخيّة القديمة من خلال حكاية القصّة وتكرارها. استمع دائمًا إلى الصدى. فمثلًا، في خروج 2، بعد قصّة ولادة موسى بالضبط، يدوِّن لنا السفر قصّة قتل موسى لمصريٍّ كان يضرب عبرانيًّا. ثم تذمَّر شعبه عليه، فهرب إلى البرّيّة، حيث قضى الأربعين سنة التالية في البرّيّة (الآيات 11-15). فما الذي ينبغي أن نفكِّر به بشأن هذه القصّة القصيرة؟ هل تعلِّمنا أنّ "خَطِيَّتَكُمُ ... تُصِيبُكُمْ" (سفر العدد 32: 23)، أي أنّها تلاحقكم؟ أم أنّها تُخبِرنا أنّه إنْ كان الله يستطيع أن يستخدم إنسانًا مثل موسى، القاتل، فإنّ من المؤكَّد أنّه يستطيع أن يستخدم شخصًا مثلك أو مثلي؟ كلا الأمرين صحيح، ولكنّهما ليسا هدف القصّة. تُشير أحداث حياة موسى إلى ما سيأتي. فإذْ كان موسى أداة الله فإنّه سيحرِّر كلَّ شعب الله، مِمّا سيقود إلى موت آلافٍ من المصريين. وبعد ذلك، سيقضي أربعين سنة أخرى تائهًا في البرّيّة مع إخوته العبرانيّين، الذين سيستمرّون في التذمُّر والتضجُّر عليه. (وهكذا نرى تكرار ما حدث مع المصريّين وموقف بني إسرائيل في حادثتَي تدخُّل موسى.)
الخاتمة
الشكل الأدبيّ الفنّي في الرواية التاريخيّة القديمة، الموجود في الكتاب المُقدَّس، هو جميل ومُعقَّد. حين تقرأ هذه الروايات والقصص، اقرأ بحرص وفكِّر بكلّ التفاصيل، التفاصيل الواردة وغير الواردة. وأخيرًا، الأهمّ هو أن تجتهد في فهم كيف تجتمع كلّ الوحدات الفرديّة التي تكوِّن قصّة الكتاب المُقدَّس في قصّة واحدةٍ عظيمة تبلغ ذروتها في شخص يسوع المسيح وعمله (يوحنا 5: 39، 45-47؛ لوقا 24: 44).
هذه المقالة واحدةٌ من سلسلة مقالاتٍ في علم التفسير.
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

