كيف يكونُ يسوعُ هو الرَّاعيَ الصَّالح؟
۱٦ يناير ۲۰۲٦
كيف يكونُ يسوعُ هو الرَّاعيَ الصَّالح؟
۱٦ يناير ۲۰۲٦

كيف يكون يسوعُ هو القيامةَ والحياةَ؟

يقولُ المعلِّمُ الحكيمُ في سفر الجامعة عن موضعٍ ينمِّي التَّقوى، وقد يُفاجِئُكَ ذلك الموضع. فهو يقول:

"اَلذَّهَابُ إِلَى بَيْتِ النَّوْحِ 

خَيْرٌ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى بَيْتِ الْوَلِيمَةِ" (الجامعة ٧: ٢).

ثمَّ يعودُ ويُذكِّرُ أيضًا قائلًا: "قَلْبُ الْحُكَمَاءِ فِي بَيْتِ النَّوْحِ" (الجامعة ٧: ٤). 

ربّما تفهم ما يقصده. فقد يكون للنفس في حضور جنازة أو زيارة مقبرة خيرٌ عظيم إذ تظهر حقائق الأبديّة بصورة واضحة. 

ويأتي يوحنا 11 بالقارئ إلى "بيت النَّوح." يأتي بنا الروح القدس إلى هذا المكان لنتعلَّم شيئًا عن يأس الموت وهزيمته. يكتب چ. س. رايل (J. C. Ryle) عن الأصحاح 11 في إنجيل يوحنا قائلًا: "إنَّ الأصحاحَ الحادي عشر من إنجيل يوحنَّا هو أحدُ أروعِ الأصحاحات في العهد الجديد، فمِن حيث العظمة والبساطة، ومن حيث العاطفة والجلال، لم يُكتَب مثلُه قطّ».

المشهد

يبدأ النصّ الكتابي بسماع يسوع خبرًا بأنّ صديقه لعازر مريض (يوحنا 11: 3). من المؤكَّد أنّ مريم ومرثا كانتا قد سمعتا عن سلطان يسوع على المرض، وربّما شاهدتاه أيضًا. وكانتا تؤمنان أنّه إن أسرع يسوع في المجيء إليهما، فإنّه يستطيع أن يُنقِذ لعازر. 

لم يكن ردّ يسوع ردًّا يتوقّعه أحد. 

فيُخبِرنا البشير يوحنّا قائلًا: "وَكَانَ يَسُوعُ يُحِبُّ مَرْثَا وَأُخْتَهَا وَلِعَازَرَ. فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ مَرِيضٌ مَكَثَ حِينَئِذٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ يَوْمَيْنِ" (يوحنّا 11: 5-6). وحرف "الفاء" ترجمةٌ للكلمة اليونانيّة التي تُترجَم عادةً إلى "لذلك." وهكذا، فإنّ الترجمة الأكثر حرفيّة للنصّ هي: "وكان يسوع يحبّ مرثا وأختها ولعازر، ولذلك ... مكث حينئذٍ في الموضع الذي كان فيه يومين." ومن اللافت أنّ محبّته قادته إلى الانتظار. فمسرّته بتلاميذه جعلته يتأنّى ويبقى حيث هو لتأخذ دائرة الألم والمرض مجراها الكامل وتبلغ ذروتها.

ونحن نتعلّم دائمًا هذا الدرس العظيم في مدرسة المسيح. كم من مرّة طلبتَ من الربّ أن يعمل شيئًا، ولكنّه لم يستجب مباشرة؟ أو لم يستجب في الوقت الذي ترغبه؟ فاعلم أنّ تأخُّر عمله قد يكون إظهارًا لمحبّته العاملة، وخطّته وقصده أن يصنع أكثر جدًّا ممّا نطلب أو نفتكر أو نتخيّل.

التصريح

بعد موت لعازر بأربعة أيّام، وصل يسوع أخيرًا إلى البيت المكلوم. فأسرعتْ مرثا إلى يسوع، وعند لقائها به قالتْ: "يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي! لكِنِّي الآنَ أَيْضًا أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَطْلُبُ مِنَ اللهِ يُعْطِيكَ اللهُ إِيَّاهُ" (يوحنا 11: 21-22). واضحٌ أنَّ بذرة الإيمان موجودة في مرثا. فأكَّد لها يسوع قائلًا: "سَيَقُومُ أَخُوكِ" (يوحنا 11: 23). 

ثيابُ عدمِ الإيمانِ الباليةُ تنتشب بنا، وأرديةُ الخطيّةِ تُغَطِّينا. وليس في وُسعِنا أن نصيرَ أحياءً، كما لم يكن في وُسعِ لعازر أن يُقيمَ نفسَه.

فأجابت مرثا: "أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْقِيَامَةِ، فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (يوحنا 11: 24). في أيّام يسوع، كان جدالٌ عظيمٌ قائمًا بين الفريسيّين والصدوقيّين حول القيامة: هل ستكون هناك قيامة في نهاية التاريخ أم لا؟ وواضحٌ أنَّ مرثا كانت في صفّ الفريسيّين من الناحية اللاهوتيّة فيما يتعلَّق بالقيامة. فقد كانت تؤمن بأنَّ لعازر سيقوم ثانيةً، "في ذلك الوقت" – في نهاية الدهر، "فِي الّيَوْمِ الأَخِيرِ." ولكنّ يسوع يتكلَّم عن حدوث هذا الأمر "الآن". ولذا يقول: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهذَا؟" (يوحنا 11: 25-26).

هذا هو خامس أقوال "أنا هو" في إنجيل يوحنا، وهو تصريح مدهِش. إذ يقول يسوع: "أنا لا أعلّم عن القيامة فقط، بل أنا القيامة. أنا لا أكرز عن قوّة الله للحياة فحسب، بل أنا قوّة الله للحياة. لا تؤمنوا بالقيامة فقط، بل آمنوا بي." ليس الإيمان الحقيقي مجرَّد الثقة بالمعلومات والحقائق المتعلِّقة بيسوع المسيح، بل هو الإيمان به – بالذي فيه يسكن كلّ الحقّ. 

اليقين

حين صرخ يسوع بصوتٍ عظيم: "لَعازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!" الرجل الذي كان ميتًا وعاد إلى الحياة صار مثالًا حيًّا مرئيًّا على الخلاص. فقد صار نُصبًا حيًّا أشار إلى يسوع، الذي هو القيامة والحياة. وبعد أن أُقيم لعازر من الموت، أمر يسوع قائلًا: "حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ" (يوحنا 11: 43–44).

يا لها من صورة رائعة للإنجيل! فالكتاب المُقدَّس يقول إنّنا أموات في خطايانا. وثيابُ عدمِ الإيمانِ الباليةُ تنتشب بنا، وأرديةُ الخطيّةِ تُغَطِّينا. وليس في وُسعِنا أن نصيرَ أحياءً، كما لم يكن في وُسعِ لعازر أن يُقيمَ نفسه، ولكنّ الله يُحيي الخطاةَ الموتى حين يؤمنون بيسوع. مات المُخلِّص بدلًا عن الخطاة، وقام، ولذا فهو يمسِك بمفاتيح الموت والهاوية، وهو يدعونا قائلًا: "اخرجوا. ابتعدوا عن خطيّتكم وثقوا بي. سأحلُّكم من قيود الخطية وأحرِّركم."

أصلّي أن نرى العلامة، ونسمع التصريح السامي، ونتجاوب مثلما تجاوبت مرثا لقول "أنا هو” الخامس، قائلين معها: "نَعَمْ يَا سَيِّدُ. أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، الآتِي إِلَى الْعَالَمِ" (يوحنا 11: 27).

هذا المقال جزءٌ من مجموعة مقالات بعنوان: "قال يسوع: "أنا هو." 


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

چوردَن ستون
چوردَن ستون
الدكتور چوردَن ستون (Jordon Stone) هو الرّاعي الرئيس في "كنيسة الفادي المشيخيّة" (Redeemer Presbyterian Church) في مدينة مَكِنِّي بولاية تكساس، وأستاذٌ مساعد في مادّة اللاهوت الرعويّ في "المعهد اللاهوتيّ المُصلَح”" (Reformed Theological Seminary) في مدينة دالاس. وهو مؤلِّف لعدّة كتب، منها (A Holy Minister: The Life and Spiritual Legacy of Robert Murray M’Cheyne).