المحاضرة 27: الكتابُ المُقَدَّسُ وَعِلْمُ الدِّفَاعِيَّاتِ (الجُزْءُ الثَّانِي)

هل أثق في تقديري والحكمة المشتركة لعلماء النفس والأطباء النفسيين أكثر من الكتاب المقدس كمصدر للحق المطلق؟ في الجزء الثاني من محاضرة "الكتاب المقدس وعلم الدفاعيات"، يتناول د. سبرول الكتاب المقدس ومسألة ما إذا كان محتوى هذا الكتاب كلي العلم، ومعصوم من الخطأ، وغير قابل للفساد ومستقيم تمامًا. هل الكتاب المقدس غير قادر على الكذب، والخطأ، ومن وجود عيوب من أي نوع؟

فِي الْمُحَاضَرَةِ السَّابِقَةِ، بَدَأْنَا الْقِسْمَ الْجَدِيدَ عَنْ سُلْطَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. وَرَأَيْنَا أَنَّ إِثْبَاتَ سُلْطَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ هُوَ مِنَ الْأَوْلَوِيَّاتِ الْعُظْمَى فِي الدِّفَاعِيَّاتِ الْمَسِيحِيَّةِ. وَرَأَيْنَا أَيْضًا أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ، إِذَا ادَّعَيْنَا تَمَتُّعَهُ بِالْمَوْثُوقِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ، سَيُعَرِّضُنَا هَذَا لِلسُّقُوطِ فِي الْمُغَالَطَةِ الدَّائِرِيَّةِ، وَيُثِيرُ شَتَّى أَنْوَاعِ الْمُشْكِلَاتِ حَوْلَ جَدَارَتِهِ بِالثِّقَةِ. وَذَكَرْتُ أَيْضًا أَنَّ الدِّفَاعَ عَنِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ فِي هَذَا الْعَصْرِ يَعْنِي أَنْ نَصْطَدِمَ بِثَقَافَةٍ تَأَثَّرَتْ كَثِيرًا بِالْفَلْسَفَةِ الطَّبِيعِيَّةِ. لِذَا مِنَ الْمُهِمِّ جِدًّا، أَوَّلًا، إِثْبَاتُ وُجُودِ مَا هُوَ فَائِقٌ لِلطَّبِيعَةِ، الْأَمْرُ الَّذِي اجْتَهَدْنَا كَثِيرًا لِنَفْعَلَهُ فِي هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، لِأَنَّنَا بِذَلِكَ سَنَسْمَحُ عَلَى الْأَقَلِّ بِإِمْكَانِيَّةِ وُجُودِ عَمَلٍ فَائِقٍ لِلطَّبِيعَةِ، كَالْمُعْجِزَاتِ.

يَجِبُ أَنْ أَقُولَ أَيْضًا إِنَّهُ فِي أَكْثَرِ مِنْ مَرَّةٍ فِي هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، اسْتَشْهَدْتُ بِالْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ قَبْلَ أَنْ أُثْبِتَ كَوْنَهُ سُلْطَةً مِعْيَارِيَّةً. تَذْكُرُونَ أَنَّنَا، قَبْلَ ذَلِكَ بِمُحَاضَرَتَيْنِ، تَنَاوَلْنَا سَيْكُولُوجِيَّةَ الْإِلْحَادِ. وَتَنَاوَلْتُ تَعْلِيمَ بُولُسَ فِي رُومِيَةَ الأَصْحَاحِ الأَوَّلِ، بِقَوْلِهِ إِنَّ الْإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ يَحْجِزُ حَقَّ اللَّهِ، ثُمَّ يَسْتَبْدِلُ هَذَا الْحَقَّ بِالْكَذِبِ، مُسَلِّمًا نَفْسَهُ لِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. وَفَعَلْتُ ذَلِكَ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ. إِذَنْ، الْقِيمَةُ الْوَحِيدَةُ لِذَلِكَ، مِنْ مَنْظُورِ الدِّفَاعِيِّ حَتَّى الْآنَ، هِيَ تَوْضِيحُ وُجُودِ رَدٍّ مِنَ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ عَلَى الَّذِينَ يَتَّهِمُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِوُجُودِ اللَّهِ بِبِنَاءِ مَفْهُومِهِمْ عَنِ اللَّهِ عَلَى أَسْبَابٍ نَفْسِيَّةٍ بَحْتَةٍ. وَتَذَكُرُونَ أَيْضًا أَنَّنِي قُلْتُ آنَذَاكَ إِنَّ الدِّفَاعَ عَنْ وُجُودِ اللَّهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى عَلَى عِلْمِ النَّفْسِ، فِي أَيِّ اتِّجَاهٍ، بَلْ يَجِبُ بِنَاؤُهُ عَلَى أَسَاسٍ مَوْضُوعِيٍّ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَيْلِ الشَّخْصِيِّ. وَلِهَذَا قُلْتُ إِنَّهُ يُمْكِنُ لِلْجَانِبَيْنِ الْمُجَادَلَةُ مِنْ مَنْظُورٍ نَفْسِيٍّ. لَكِنِ الْآنَ، تَبْقَى أَمَامَنَا مُهِمَّةُ إِثْبَاتِ أَنَّ الْحُجَّةَ، مَثَلًا، الَّتِي قَدَّمَهَا الرَّسُولُ بُولُسُ فِي رُومِيَةَ الأَصْحَاحِ الأَوَّلِ مِعْيَارِيَّةٌ وَمُلْزِمَةٌ لَنَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فَقَطْ رَأْيَهُ الْفَلْسَفِيَّ، لَكِنَّهَا لَا تَقِلُّ عَنْ كَوْنِهَا كَلِمَةَ اللَّهِ ذَاتِهِ.

مُجَدَّدًا، نَتَعَامَلُ هُنَا مَعَ مَسْأَلَةِ السُّلْطَةِ. فِي الْمَدْرَسَةِ الثَّانَوِيَّةِ، أَوْ الْجَامِعَةِ، كَانَ عَلَيْكُمْ كِتَابَةُ أَبْحَاثٍ، أَوْ رُبَّمَا أُطْرُوحَةِ مَاجِسْتِيرٍ أَوْ دُكْتُورَاهْ. وَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ فِي الْمَجَالِ الْأَكَادِيمِيِّ، حِينَ تَنْخَرِطُونَ فِي الْبَحْثِ، وَكِتَابَةِ وَرَقَةِ بَحْثٍ، يَفْحَصُ اَلْأَسَاتِذَةُ بِعِنَايَةٍ شَدِيدَةٍ لَيْسَ فَقَطْ مَتْنَ الْبَحْثِ، وَلَا يَكْتَفُونَ بِتَتَبُّعِ الْحُجَجِ الَّتِي قَدَّمْتُمُوهَا، لَكِنَّهُمْ يَهْتَمُّونَ جِدًّا بِالْمَصَادِرِ وَالْمَرَاجِعِ الَّتِي اسْتَشْهَدْتُمْ بِهَا لِلدِّفَاعِ عَنْ فَرَضِيَّتِكُمْ. وَإِذَا كَانَتْ كُلُّ اقْتِبَاسَاتِكُمْ مِنْ كُتُبٍ هَزْلِيَّةٍ مُصَوَّرَةٍ، أَوْ مِنَ الرُّسُومِ الْكَارِيكَاتِيرِيَّةِ فِي الصُّحُفِ، لَنْ تَتَقَدَّمُوا كَثِيرًا فِي الْمَجَالِ الْأَكَادِيمِيِّ. فَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَرَوْا أَنَّكُمْ لَجَأْتُمْ إِلَى أَعْلَى السُّلُطَاتِ فِي مَجَالٍ مُعَيَّنٍ، لِأَنَّ بِاقْتِبَاسِكُمْ مِنَ السُّلُطَاتِ الْعُلْيَا، تُعْطُونَ الْمَزِيدَ مِنَ الْمِصْدَاقِيَّةِ لِأَيَّةِ فَرْضِيَّةٍ تَتَبَنَّوْنَهَا أَوْ تُدَافِعُونَ عَنْهَا.

لَكِنَّنَا نُدْرِكُ جَمِيعًا أَنَّنَا، مَثَلًا، إِذَا كُنَّا نَتَنَاقَشُ فِي الْفِيزْيَاءِ، يُمْكِنُ لِأَحَدِهِمْ الِاسْتِشْهَادُ بِنِيلْزْ بُورْ، وَالتَّمَتُّعُ بِنَوْعٍ مِنَ الْمِصْدَاقِيَّةِ لِاقْتِبَاسِهِ مِنْ تِلْكَ السُّلْطَةِ، ثُمَّ يَقْتَبِسُ وُجْهَةَ النَّظَرِ النَّقِيضِ مِنْ أَلْبِرْتْ أَيْنِشْتَايِنْ، لِأَنَّكُمْ تُدْرِكُونَ أَنَّ اثْنَيْنِ مِنْ عَمَالِقَةِ الْفِيزْيَاءِ الْحَدِيثَةِ يَخْتَلِفَانِ فِي الرَّأْيِ جَذْرِيًّا حَوْلَ نِقَاطٍ مُعَيَّنَةٍ. كَذَلِكَ، يُمْكِنُنِي الِاسْتِشْهَادُ بِأَفْلَاطُونَ كَسُلْطَةٍ فِي أَمْرٍ مَا، ثُمَّ بَعْدَ خَمْسِ دَقَائِقَ أُقْدِّمُ دَحْضًا لَهُ بِقَلَمِ أَرِسْطُو. فَهَذَانِ الْعِمْلَاقَانِ اخْتَلَفَا حَوْلَ أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ.

إِذَنْ، فِي النِّهَايَةِ، وَفِي بَحْثِنَا عَنِ الْحَقِّ، فِي الْمَجَالِ الْأَكَادِيمِيِّ، وَبَحْثِنَا عَنْ سُلْطَةٍ، التَّصَرُّفُ الْمِثَالِيُّ هُوَ أَنْ نُرَسِّخَ سُلْطَةً لَا يُمْكِنُ دَحْضُهَا، تَكُونُ مُطْلَقَةً فِي نِطَاقِهَا. وَهَذَا، مُجَدَّدًا، مَا يَحْدُثُ حِينَ نَتَحَدَّثُ عَنِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، لِأَنَّنَا نَسْأَلُ مَا إِذَا كَانَ مُحْتَوَى هَذَا الْكِتَابِ نَابِعًا مِنْ مَصْدَرٍ هُوَ، أَوَّلًا، كُلِّيُّ الْعِلْمِ، وَثَانِيًا، مَعْصُومٌ مِنَ الْخَطَأِ، وَثَالِثًا، غَيْرُ قَابِلٍ لِلْفَسَادِ وَبَارٌّ تَمَامًا، أَيْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكْذِبَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُخْطِئَ، وَلَا عَيْبَ فِيهِ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ. وَهَذَا مَا نُحَاوِلُ إِثْبَاتَهُ عِنْدَ مُحَاوَلَةِ إِثْبَاتِ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ. فَمُجَدَّدًا، إِذَا خُضْتَ جِدَالًا، وَاقْتَبَسْتَ مِنْ أَرِسْطُو، فِيمَا اقْتَبَسْتُ أَنَا مِنْ أَفْلَاطُونَ. أَوْ إِذَا اقْتَبِسْتَ مِنْ "بُورْ" فِيمَا اقْتَبَسْتُ مِنْ أَيْنِشْتَايْنْ. ثُمَّ ظَهَرَ اللَّهُ نَفْسَهُ وَقَالَ: "هَذَا هُوَ الْجَوَابُ"، فَكَمْ سَنَكُونُ حَمْقَى إِنْ عَارَضْنَاهُ؟ فَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ لَهُ الْكَلِمَةَ الْأَخِيرَةَ، لِأَنَّهُ الْمَصْدَرُ الْوَحِيدُ لِلْحَقِّ الْمَعْصُومِ مِنَ الْخَطَأِ الْمُتَاحِ لَدَيْنَا. وَإِذَا كَانَ هَذَا الْكِتَابُ مِنْهُ، فَكُلُّ النِّزَاعَاتِ الَّتِي نَخُوضُهَا فِي مُجْتَمَعِنَا الْيَوْمَ حَوْلَ الْأَخْلَاقِيَّاتِ وَالْحَقِّ تُحْسَمُ مِنْ خِلَالِ مَصْدَرٍ مَوْثُوقٍ تَمَامًا.

يُمْكِنُنِي إِخْبَارُكُمْ مِنْ وَاقِعِ اخْتِبَارٍ عَمَلِيٍّ، أَنَّنِي حِينَ كُنْتُ رَاعِيَ كَنِيسَةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ فِي سِينْسِينَاتِي، وَكُنْتُ أُقَدِّمُ الْكَثِيرَ مِنَ الْمَشُورَةِ، وَأَتَعَامَلُ كَثِيرًا مَعَ قَضَايَا الْمَشُورَةِ الزَّوْجِيَّةِ، مَثَلًا، لَا أَدْرِي عَدَدَ الْمَرَّاتِ الَّتِي أَصْغَيْتُ فِيهَا إِلَى مَشَاكِلِ الْآخَرِينَ. وَأَثْنَاءَ إِصْغَائِي لِمَشَاكِلِهِمْ، كُنْتُ أُرِيدُ بَشَرِيًّا أَنْ أَحِلَّهَا، لِأُخَلِّصَهُمْ مَنْ أَلَمِهِمْ. وَكُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَنْتَشِلَهُمْ مِنْ صِرَاعَاتِهِمْ. وَكُنْتُ أَمِيلُ إِلَى فِعْلِ مَا أَرَادُوا مِنِّي أَنْ أَفْعَلَهُ. فَقَدْ أَرَادُوا مِنِّي، بِصِفَتِي رَاعِي كَنِيسَتِهِمْ، أَنْ أُصَرِّحَ لَهُمْ بِفِعْلِ مَا يَنْهَاهُمْ اللَّهُ عَنْهُ. وَأَتَذَكَّرُ أَنَّنِي كُنْتُ أَجْلِسُ مِرَارًا وَأَقُولُ لِنَفْسِي: "يَبْدُو لِي أَنَّ الْحَلَّ الْبَشَرِيَّ الْعَقْلَانِيَّ لِهَذِهِ الْمُشْكِلَةِ الْبَشَرِيَّةِ هُوَ كَذَا وَكَذَا". لَكِنْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، كُنْتُ أَعِي تَمَامًا أَنَّ هَذَا فِي تَعَارُضٍ مُبَاشِرٍ مَعَ تَعْلِيمِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. وَلِذَلِكَ، وَاجَهْتُ الصِّرَاعَ التَّالِيَ: هَلْ أَثِقُ فِي حُكْمِي، أَوْ فِي حِكْمَةِ عَالَمِ النَّفْسِ وَالطَّبِيبِ النَّفْسِيِّ، أَمْ أَعْتَبِرُ هَذَا الْكِتَابَ مَصْدَرَ الْحَقِّ الْمُطْلَقِ؟ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ، سَيَكُونُ لِذَلِكَ تَأْثِيرٌ ضَخْمٌ عَلَى الْمَشُورَةِ الَّتِي أُقَدِّمُهَا لِلْآخَرِينَ.

نُلَاحِظُ الْمُشْكِلَةَ الَّتِي نُوَاجِهُهَا الْيَوْمَ بِشَأْنِ السُّلْطَةِ الَّتِي تُحَدِّدُ السُّلُوكَ الصَّحِيحَ - فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّلُوكِ الْجِنْسِيِّ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّرِقَةِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعُقُوبَةِ الْإِعْدَامِ. فَنَحْنُ أُمَّةٌ مُنْقَسِمَةٌ حَوْلَ شَتَّى الْقَضَايَا، الَّتِي نَظَلُّ نَتَجَادَلُ حَوْلَهَا، لِأَنَّنَا لَمْ نَتَّفِقْ عَلَى سُلْطَةٍ مِعْيَارِيَّةٍ تَحْسِمُ الْأَمْرَ. وَيُصَارِعُ الْمُؤْمِنُ مَعَ السُّؤَالِ التَّالِي: "هَلْ لَدَيْنَا مِثْلُ هَذِهِ السُّلْطَةِ الْمِعْيَارِيَّةِ الَّتِي تَحْسِمُ الْأَمْرَ؟"

لَطَالَمَا أَيَّدَتِ الْمَسِيحِيَّةُ الْقَدِيمَةُ النَّظَرِيَّةَ الْقَائِلَةَ إِنَّ لَدَيْنَا سُلْطَةً مُتَأَصِّلَةً فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي طَبِيعَةِ اللَّهِ ذَاتِهِ. وَفَقَطْ فِي الْقَرْنَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ، مُنْذُ عَصْرِ التَّنْوِيرِ، تَعَرَّضَتْ سُلْطَةُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الْمُطْلَقَةُ لِانْتِقَادٍ وَاسِعِ النِّطَاقِ، لَيْسَ فَقَطْ مِنْ خَارِجِ الْكَنِيسَةِ، بَلْ مِنْ دَاخِلِهَا أَيْضًا. وَشَهِدَ الْقَرْنَانِ الْمَاضِيَانِ وَابِلًا ضَخْمًا مِنَ الِانْتِقَادَاتِ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، مِنْ دَاخِلِ الْكَنِيسَةِ، وَمِنْ دَاخِلِ الْمُؤَسَّسَاتِ الْكَنَسِيَّةِ وَالْأَكَادِيمِيَّةِ - أَيْ مِنْ كُلِّيَّاتِ اللَّاهُوتِ، وَالْجَامِعَاتِ الْمَسِيحِيَّةِ، وَالْبَاحِثِينَ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ مَسِيحِيِّينَ، الَّذِينَ هَاجَمُوا مَوْثُوقِيَّةَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. وَفِي الْوَاقِعِ، فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، أَبْرَهَامْ كَايْبَرْ، اللَّاهُوتِيُّ الْهُولَنْدِيُّ، أَدْلَى بِمُلَاحَظَةٍ أَرَاهَا ذَكِيَّةً نَوْعًا مَا. فَقَالَ إِنَّ النَّقْدَ الْكِتَابِيَّ بَلَغَ حَدَّ التَّخْرِيبِ الْكِتَابِيِّ. وَعَالِمُ الْآثَارِ الْعَظِيمُ، وِيلْيَامْ فُوكْسُوِيلْ أُولْبِرَايِتْ - الَّذِي كَانَ فِي مَجَالِ عِلْمِ آثَارِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ مَا كَانَهُ أَيْنِشْتَايِنْ فِي الْفِيزْيَاءِ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ - فِي آخِرِ مُؤَلَّفٍ لَهُ، عَبَّرَ لَيْسَ فَقَطْ عَنْ خَيْبَةِ أَمَلِهِ وَإِحْبَاطِهِ، بَلْ عَنْ اشْمِئْزَازِهِ التَّامِّ مِنْ تَأْثِيرِ فَلْسَفَةِ جَالِيلْيُو، وَأَسَالِيبِ التَّفْكِيرِ الْوُجُودِيَّةِ اللَّاحِقَةِ، عَلَى عِلْمِ دِرَاسَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، مَا وَلَّدَ عَقْلِيَّةً دَاخِلَ الْكَنِيسَةِ، وَدَاخِلَ مَجَالِ دِرَاسَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، مِنْ نَظَرِيَّاتٍ غَيْرِ عِلْمِيَّةٍ تَمَامًا عَنِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَتَجَاهُلٍ لِلْقَوَانِينِ الْأَوَّلِيَّةِ لِلتَّحْقِيقِ التَّارِيخِيِّ وَالْبَحْثِ التَّجْرِيبِيِّ. كَمَا تَجِدُونَ فِي نَدْوَةِ يَسُوعَ، الْمَبْنِيَّةِ عَلَى نَظَرِيَّةٍ مُبْتَدَعَةٍ وَخَيَالِيَّةٍ تِلْوَ الْأُخْرَى. وَبِالتَّالِي، صِرْنَا الْآنَ فِي مُسْتَنْقَعٍ مِنَ الْخَلْطِ دَاخِلَ الْكَنِيسَةِ بِشَأْنِ نَزَاهَةِ وَسُلْطَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ.

أُؤْمِنُ شَخْصِيًّا، بَعْدَمَا دَرَسْتُ فِي مُؤَسَّسَاتِ النَّقْدِ الْأَعْلَى خِلَالَ جُزْءٍ كَبِيرٍ مِنْ دِرَاسَتِي الْأَكَادِيمِيَّةِ، وَاضْطُرِرْتُ لِاجْتِيَازِ الْخِبْرَةِ الْعَنِيفَةِ لِلتَّعَرُّضِ لِهَؤُلَاءِ النُّقَّادِ، وَإِعَادَةِ النَّظَرِ فِي انْتِقَادَاتِ الْفَلْسَفَةِ، أَنَّنِي خَرَجْتُ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى مِنْ ذَلِكَ النَّفَقِ - رُبَّمَا فَقَطْ لِأَنَّنِي عَنِيدٌ جِدًّا، لَكِنَّنِي خَرَجْتُ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى - أَكْثَرَ ثِقَةٍ بِكَثِيرٍ فِي عِصْمَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ مِمَّا كُنْتُ عَلَيْهِ حِينَ بَدَأْتُ. هَذَا مَوْضُوعٌ آخَرُ، وَأَنَا أَسْتَبِقُ الْأُمُورَ. لَكِنِ الْآنَ، دَعُونِي أَقُولُ فَقَطْ إِنَّنَا الْآنَ فِي إِطَارٍ زَمَنِيٍّ يُعْتَرَضُ فِيهِ عَلَى نَزَاهَةِ وَسُلْطَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ لَيْسَ فَقَطْ مِنَ الْعَالَمِ الْعِلْمَانِيِّ، بَلْ مِنْ دَاخِلِ الْكَنِيسَةِ نَفْسِهَا.

لِنَبْدَأِ الْآنَ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُ الْمَرَّةَ الْمَاضِيَةَ، أَيْ مِنِ ادِّعَاءَاتِ كُتَّابِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ. فَلَوْ لَمْ يَدَّعِ الْكُتَّابُ أَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِسُلْطَانِ اللَّهِ، لَمَا كَانَ هُنَاكَ مَا يَدْعُونَا إِلَى خَوْضِ هَذِهِ الْعَمَلِيَّةِ الشَّاقَّةِ لِلدِّفَاعِ عَنِ الْفِكْرَةِ. لَكِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ فِي خِتَامِ حَيَاةِ الرَّسُولِ بُولُسَ، وَفِي رِسَالَتِهِ الْأَخِيرَةِ إِلَى تِيمُوثَاوُسَ، حَيْثُ قَدَّمَ نَصَائِحَهُ وَتَحْرِيضَاتِهِ الْأَخِيرَةَ فِي الْأَصْحَاحِ الثَّالِثِ، تَحَدَّثَ عَنِ الْأَزْمِنَةِ الصَّعْبَةِ الَّتِي سَتَأْتِي عَلَى الْكَنِيسَةِ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ 10 الْعَاشِرَةِ: "وَأَمَّا أَنْتَ فَقَدْ تَبِعْتَ تَعْلِيمِي، وَسِيرَتِي، وَقَصْدِي، وَإِيمَانِي، وَأَنَاتِي، وَمَحَبَّتِي، وَصَبْرِي، وَاضْطِهَادَاتِي، وَآلَامِي مِثْلَ مَا أَصَابَنِي فِي أَنْطَاكِيَةَ وَإِيقُونِيَّةَ وَلِسْتِرَةَ. أَيَّةَ اضْطِهَادَاتٍ احْتَمَلْتُ! وَمِنَ الْجَمِيعِ أَنْقَذَنِي الرَّبُّ". ثُمَّ كَتَبَ بُولُسُ لِتِيمُوثَاوُسَ: "وَجَمِيعُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ يُضْطَهَدُونَ. وَلَكِنَّ النَّاسَ الْأَشْرَارَ الْمُزَوِّرِينَ سَيَتَقَدَّمُونَ إِلَى أَرْدَأَ، مُضِلِّينَ وَمُضَلِّينَ. وَأَمَّا أَنْتَ فَاثْبُتْ عَلَى مَا تَعَلَّمْتَ وَأَيْقَنْتَ، عَارِفًا مِمَّنْ تَعَلَّمْتَ".

دَعُونِي أُعَلِّقُ هُنَا. حِينَ طَلَبَ بُولُسُ مِنْ تِيمُوثَاوُسَ أَنْ يَظَلَّ ثَابِتًا عَلَى الدَّرْبِ الَّذِي ابْتَدَأَ يَسِيرُ فِيهِ، قَالَ لَهُ: "تَذَكَّرْ مَصْدَرَ تَعْلِيمِكَ". رُبَّمَا يَقْصِدُ بُولُسُ: "أَنَا كُنْتُ الْمَصْدَرَ، أَوْ جَدَّتُكَ كَانَتِ الْمَصْدَرَ". لَا أَظُنُّ ذَلِكَ. أَتَذَكَّرُ حِينَ كُنْتُ طِفْلًا، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ كَلَامًا يَجْرَحُ مَشَاعِرِي، كُنْتُ أَعُودُ إِلَى الْمَنْزِلِ بَاكِيًا إِلَى أُمِّي، وَكَانَتْ تُجَفَّفُ دُمُوعِي بِمِئْزَرِهَا، فَأَقُولُ: "بِيلِي جُونْسُونْ قَالَ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا وَكَذَا". وَكَانَ تَعْلِيقُ أُمِّي دَائِمًا هُوَ: "فَكِّرْ فِي الْمَصْدَرِ". وَكَانَتْ تَقْصِدُ الْآتِيَ: "أَيُّ شَيْءٍ آخَرَ يُمْكِنُ أَنْ تَتَوَقَّعَ مِنْهُ؟ فَهَذَا مَا يَقُولُهُ لِلْجَمِيعِ". وَكَانَتْ تُحَاوِلُ تَخْفِيفَ أَلَمِي بِقَوْلِهَا إنَّ مَصْدَرَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ الِانْتِقَادِيَّةِ غَيْرُ مَوْثُوقٍ. وَعَلَى النَّقِيضِ، يَقُولُ بُولُسُ لِتِيمُوثَاوُسَ: "سَتَأْتِي أَزْمِنَةٌ عَصِيبَةٌ، وَسَتُوَاجِهُ الِاضْطِهَادَ، لَكِنْ أُرِيدُكَ أَنْ تَثْبُتَ فِي الدَّرْبِ الَّذِي تَسِيرُ فِيهِ، وَاصْمُدْ، مُتَذَكِّرًا مَا تَعَلَّمْتَهُ وَمِمَّنْ تَعَلَّمْتَهُ. فَكِّرْ فِي الْمَصْدَرِ يَا تِيمُوثَاوُسَ".

ثُمَّ تَابَعْ قَائِلًا مَاذَا؟ "وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلَاصِ، بِالْإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". إِذَنْ، الْمَصْدَرُ الَّذِي كَانَ يَقْصِدُهُ هُوَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ. ثُمَّ فِي الْآيَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ يَقُولُ: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللَّهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللَّهِ كَامِلًا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ".

أَدْلَى بُولُسُ فِي بِدَايَةِ الْآيَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ بِتَصْرِيحٍ شَامِلٍ عَنِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، بِقَوْلِهِ "كُلُّ الْكِتَابِ". دَعُونِي أَتَوَقَّفْ هُنَا. قَالَ بُولُسُ: "كُلُّ شَيْءٍ" فِي تَوْكِيدٍ شَامِلٍ. وَيَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّ مَا يَتَضَمَّنُهُ الْمَفْهُومُ الْعَامُّ الَّذِي هُوَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ. وَمَاذَا قَصَدَ بُولُسُ بِقَوْلِهِ: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ"؟ كَلِمَةُ الْكِتَابِ هِيَ كَلِمَةُ "graphe"، وَمَعْنَاهَا الْحَرْفِيُّ "الْكِتَابَاتُ". وَفِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ، حِينَ كَانَ الْيَهُودُ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ "graphe"، أَوْ "مَكْتُوبٌ" أَوْ "الْكِتَابَاتُ"، كَانُوا يَقْصِدُونَ بِوُضُوحٍ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ. إِذَنْ، عَلَى أَقَلِّ تَقْدِيرٍ، أَعْلَنَ بُولُسُ هُنَا وَحْيَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ. وَالسُّؤَالُ هُوَ إِذَا كَانَتْ وَثَائِقُ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ تَنْتَمِي إِلَى فِئَةِ الْكَلِمَةِ الْمُقَدَّسَةِ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا. وَبَيْنَمَا نَطْرَحُ هَذَا السُّؤَالَ، دَعُونِي أَقْفِزُ إِلَى تَصْرِيحِ بُطْرُسَ فِي خِتَامِ رِسَالَتِهِ الثَّانِيَةِ. فِي الْآيَةِ الرَابِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْأَصْحَاحِ الثَّالِثِ، يَقُولُ بُطْرُسُ: "لِذَلِكَ أَيُّهَا الْأَحِبَّاءُ، إذْ أَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ هَذِهِ، اجْتَهِدُوا لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ بِلَا دَنَسٍ وَلَا عَيْبٍ، فِي سَلَامٍ، وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلَاصًا، كَمَا كَتَبَ إلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ، كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا". نَرَى أَنَّ بُطْرُسَ كَانَ عَلَى دِرَايَةٍ بِالْكِتَابَاتِ، أَوْ الرَّسَائِلِ، الَّتِي كَتَبَهَا الرَّسُولُ بُولُسُ زَمِيلُهُ. ثُمَّ يَقُولُ: "مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلَاكِ أَنْفُسِهِمْ". لَا شَكَّ أَنَّ شَهَادَةَ بُطْرُسَ هُنَا تَعْنِي أَنَّ كِتَابَاتِ بُولُسَ تَنْتَمِي إلَى هَذِهِ الْفِئَةِ، وَأَنَّ النَّاسَ يُحَرِّفُونَ كَلَامَ بُولُسَ كَمَا يَفْعَلُونَ مَعَ بَاقِي الْكُتُبِ، مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ بُطْرُسَ يُدْرِجُ كِتَابَاتِ بُولُسَ ضِمْنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ تَمَامًا مِثْلَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ. وَثَمَّةَ أَسْبَابٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ لِتَطْبِيقِ ذَلِكَ عَلَى بَقِيَّةِ وَثَائِقِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، بِسَبَبِ وَعْدِ الْمَسِيحِ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ سَيَتَعَلَّمُونَ وَيَنْقَادُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، إِلَى آخِرِهِ.

لَكِنْ عَلَى أَيِّ حَالٍ، نَعُودُ إِلَى تَصْرِيحَاتِ بُولُسَ فِي 2 تِيمُوثَاوُسَ، حَيْثُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ كُلَّ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ - أَيْ كُلَّ graphe - مُوحًى بِهِ - بِحَسَبِ النَّصِّ- مِنَ اللَّهِ. قَدْ أَتَّفِقُ مَعَ بِ. بِ. وَارْفِيلْدْ، التَّابِعِ لِمَدْرَسَةِ بْرِنْسْتُونْ اللَّاهُوتِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ الْوَحْيِ تَرْجَمَةٌ خَاطِئَةٌ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي اسْتُخْدِمَتْ فِي النَّصِّ هِيَ كَلِمَةُ "theopneust"، وَمَعْنَاهَا الْحَرْفِيُّ "تَنَفَّسَهُ اللَّهُ" - "تَنَفَّسَهُ اللَّهُ". وَمَا يَقْصِدُهُ بُولُسُ هُنَا هُوَ أَنَّ الْكِتَابَ هُوَ زَفِيرُ اللَّهِ. فَإِنَّنِي أَسْتَنْشِقُ الْهَوَاءَ، وَحِينَ أَتَكَلَّمُ، يَخْرُجُ مِنِّي نَفَسٌ، أَيْ أَزْفِرُ. حِينَ نَتَحَدَّثُ عَنِ الْوَحْيِ، تَحْمِلُ عَقِيدَةُ الْوَحْيِ مَعْنَى مُمَارَسَةِ اللَّهِ عَمَلًا عَلَى الْكُتَّابِ الْبَشَرِيِّينَ - وَسَنَتَنَاوَلُ ذَلِكَ لَاحِقًا - أَيْ نَفْخَهُ فِيهِمْ قُوَّةً إِشْرَافِيَّةً لِيَمْنَعَهُمْ مِنْ تَحْرِيفِ كَلَامِهِ. لَكِنَّ كَلِمَةَ "theopneust" لَا تُشِيرُ إِلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي أَشْرَفَ بِهَا اللَّهُ عَلَى الْكُتَّابِ الْبَشَرِيِّينَ الَّذِينَ دَوَّنُوا الْكَلِمَةَ. بَلْ تَتَعَلَّقُ الْمَسْأَلَةُ هُنَا، مُجَدَّدًا، بِالْمَصْدَرِ. فَحِينَ قَالَ بُولُسُ إِنَّ كُلَّ الْكِتَابِ تَنَفَّسَهُ اللَّهُ، قَصَدَ بُولُسُ أَنَّ الْكَاتِبَ الْأَسَاسِيَّ وَالْأَصْلِيَّ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ هُوَ اللَّهُ. فَهُوَ مَصْدَرُهُ. وَهُوَ الَّذِي نَفَخَهُ. فَالتَّلَامِيذُ أَوِ الرُّسُلُ تَنَشَّقُوهُ، لَكِنَّهُ آتٍ فِي الْأَسَاسِ مِنَ اللَّهِ. هَذِهِ هِيَ الْفِكْرَةُ الَّتِي طَرَحَهَا بُولُسُ فِي سِيَاقِ طَلَبِهِ مِنْ تِيمُوثَاوُسَ أَنْ يَتَذَكَّرَ مَصْدَرَ تَعْلِيمِهِ، وَهِيَ أَنَّ مُحْتَوَى الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ هُوَ فِي الْأَسَاسِ مِنَ اللَّهِ.

إِذَنْ، مِنَ الْأَفْضَلِ حَقًّا أَنْ نَقُولَ إِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ مَبْنِيٌّ عَلَى الزَّفِيرِ. فَحِينَ نَتَحَدَّثُ عَنِ الْوَحْيِ، نُشِيرُ إِلَى عَقِيدَةٍ يَقُولُ بِهَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ إِنَّ مُحْتَوَاهُ لَيْسَ نِتَاجَ الْفِكْرِ الشَّخْصِيِّ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، بَلْ كَتَبَ هَؤُلَاءِ وَهُمْ مَدْفُوعُونَ أَوْ مَسُوقُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، حَيْثُ حَدَثَ تَمْكِينٌ إِلَهِيٌّ وَفَائِقٌ لِلطَّبِيعَةِ لِلْأَدَوَاتِ الْبَشَرِيَّةِ لِلْإِعْلَانِ، تَمَامًا كَمَا حَلَّتْ قُوَّةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ عَلَى إِرْمِيَا فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، فَلَمْ تَكُنِ الرِّسَالَةُ الَّتِي سَلَّمَهَا لِإِسْرائيلَ هِيَ رَأْيُهُ الْمَنْطِقِيُّ، بَلْ قَالَ لِلشَّعْبِ "هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ"، لِأَنَّ الرُّوحَ أَعْطَاهُ كَلِمَتَهُ، وَوَضَعَ كَلِمَتَهُ فِي فَمِهِ أَوْ قَلَمِهِ، وَكَانَ إِرْمِيَا هُوَ الْأَدَاةُ الْبَشَرِيَّةُ الَّتِي نَقَلَتْ كَلِمَةَ اللَّهِ.

إِذَنْ، مُجَدَّدًا، لَمْ نُدَافِعْ بَعْدُ عَنْ تِلْكَ الْفَرَضِيَّةِ، بَلْ كُلُّ مَا حَاوَلْنَا إِثْبَاتَهُ حَتَّى الْآنَ هُوَ أَنَّ التَّصْرِيحَ الَّذِي أَدْلَى بِهِ بُولُسُ هُنَا، وَأَيَّدَهُ بُطْرُسُ فِي رِسَالَتِهِ الثَّانِيَةِ، يَتَعَلَّقُ بِمَا لَا يَقِلُّ عَنِ الْمَصْدَرِ الْإِلَهِيِّ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. وَأُذَكِّرُكُمْ مُجَدَّدًا بِأَنَّ مُجَرَّدَ الْإِدْلَاءِ بِتَصْرِيحٍ لَا يَعْنِي أَنَّ الْحَقَّ أُثْبِتَ، بَلْ تَتَبَقَّى أَمَامَنَا مُهِمَّةُ إِثْبَاتِهِ. لَكِنَّنَا فَقَطْ عَرَفْنَا هُنَا مَا نُحَاوِلُ الدِّفَاعَ عَنْهُ، وَهُوَ التَّصْرِيحُ الَّذِي يُدْلِي بِهِ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ مَعًا، بِأَنَّ كَلَامَهُمْ لَيْسَ مِنْهُمْ، بَلْ مَصْدَرُ وَأَصْلُ كَلَامِهِمْ هُوَ اللَّهُ نَفْسُهُ.