علم اللاهوت لمجد الله | خدمات ليجونير
علم اللاهوت والحياة اليوميَّة
۷ سبتمبر ۲۰۲۱
تاريخ هيئة خدمات ليجونير
۸ سبتمبر ۲۰۲۱

علم اللاهوت لمجد الله

يجب ألا تكون دراسة علم اللاهوت هدفًا في حد ذاته. فلم يكن الهدف من العقيدة الصحيحة قط هو صُنع أشخاص عقولهم ممتلئة، لكن قلوبهم خاوية، وحياتهم عقيمة. فالغرض من اللاهوت المُصلَح لم يكن قط إنتاج "مختارين جامدين"؛ بل في المقابل، الغرض من معرفة الله ومعرفة حقه هو اقتيادنا إلى معرفته وعبادته. فتعليم الكتاب المُقدَّس يُعطَى من أجل إشعال قلوبنا بالتكريس لله، وتحفيزنا على الحياة لأجله. باختصار، اللاهوت الجيِّد يجب أن يُثمِر تمجيدًا نابضًا بالحياة.

نحن ندرس علم اللاهوت لا كي نتثقَّف فقط لأجل المظاهر. فاللاهوت مُجرَّد وسيلة لبلوغ الغاية الأسمى. فنحن ندرس الحق عن الله حتى نعرفه معرفة أفضل، وحتى ننضج. فعلم اللاهوت يُجدِّد أذهاننا، ويلهب قلوبنا، ويسمو بعبادتنا، ويُوجِّه صلواتنا، ويحط من كبرياء نفوسنا، وينير سبلنا، ويمد سلوكنا بالطاقة والقوة، ويُقدِّس حياتنا، ويُشدِّد إيماننا، ويُعمِّق شغفنا، ويُصقل خدماتنا، ويُحصِّن شهادتنا وكرازتنا. يصنع علم اللاهوت كل ذلك، وأكثر كثيرًا. فكلُّ جانب من جوانب هذا المسعى الحياتي يمجد الله.

علينا أن نمجِّد الله في كلِّ ما نعمله. كتب بولس يقول: "فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ" (1 كورنثوس 10: 31). هذه الوصيَّة بتمجيد الله تشمل حتى دراسة علم اللاهوت نفسه أيضًا. حذَّر الرسول قائلًا: "الْعِلْمُ يَنْفُخُ" (1 كورنثوس 8: 1) إذا لم يؤدِّ إلى محبَّة تجاه الله وتجاه الآخرين. فعلينا أن ندرس "الْإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ" (يهوذا 3) فقط من أجل "مَعْرِفَةِ اللهِ وَيَسُوعَ رَبِّنَا" (2 بطرس 1: 2). وهذا الحق، بدوره، سيدفعنا إلى أن نعطيه المجد الذي يستحقه.

إحدى الآيات المُهمَّة على وجه الخصوص توضِّح هذا الحق. كتب بولس يقول: "لِأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الْأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الْأَبَدِ. آمِينَ" (رومية 11: 36). يختتم هذا الإقرار أعمق تعليم قدَّمه بولس عن خلاص الله للخطاة الهالكين. فبعدما شرح بولس العقائد العظيمة التي تتعلَّق بالدينونة، والتبرير، والتقديس، والتمجيد، والاختيار، انفجر في تسبيح حار لله. دعونا ندرس هذه التسبحة بتمعُّن، مُتمثِّلين برد فعل الرسول في تمجيده لله.

تبدأ هذه الآية بثلاثة ضمائر، مسبوقة بحروف جر –"مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ"– تتبعها كلمتان شموليَّتان "كُلَّ الْأَشْيَاءِ" (رومية 11: 36). وهذه أشمل الجمل التي كُتِبت على الإطلاق. فهي فلسفة حياة مسيحيَّة كاملة، ولاهوت نظامي حقيقي في حد ذاتها. فأمامنا هنا قصَّة الكتاب المُقدَّس بأكمله في كلمات قليلة، وتاريخ العالم باختصار. فلا شيء يقع خارج هذه العبارات الثلاث. فإن "كُلَّ الْأَشْيَاءِ" تشمل كلَّ شيء في ثلاثة مجالات رئيسيَّة: الخليقة، والتاريخ، والخلاص.

أوَّلًا، كتب الرسول أن كلَّ الأشياء "مِنْهُ". يعيدنا هذا إلى الأزل، عندما وضع الله خطته الرئيسيَّة التي تتعلَّق بكل ما سوف يحدث. فالله هو أصل قصده الأزلي ("مِنْهُ")، الذي يشمل كلَّ ما سوف يحدث. فمن قبل تأسيس العالم، صمَّم الله الرسم التخطيطي لكل الخليقة، بما في ذلك المواصفات التفصيليَّة للأرض (أيوب 38-39). كذلك، أعدَّ الله قضاءه الأزلي الذي اشتمل على كلِّ ما سوف يحدث في الزمن (إشعياء 46: 8-9). ومنذ أمد طويل، اختار الله مختاريه (رومية 8: 29؛ أفسس 1: 4؛ 2 تسالونيكي 2: 13)، ثم ائتمن ابنه عليهم حتى يؤمِّن خلاصهم (يوحنا 6: 37). كل هذا التخطيط المُسبَق للخليقة، والتاريخ، والخلاص هو "مِنْهُ".

ثانيًا، صرَّح بولس بأن كلَّ الأشياء هي "بِهِ". يعني ذلك أن الله، داخل إطار الزمن، يتمِّم "كلَّ الأشياء" التي خطَّط لها. فهو الخالق الذي أوجد الكون بكلمته (تكوين 1: 1؛ مزمور 33: 6-7)، والذي يحمله ويقيمه باستمرار بكلمة قدرته (كولوسي 1: 16؛ عبرانيين 1: 2). كذلك، هو الذي يدير شؤون العناية الإلهيَّة، عاملًا كل شيء بحسب رأي مشيئته (أفسس 1: 11). وهو لا يحيد البتَّة عن خطَّته الأصليَّة، متبنيًا استراتيجيَّة بديلة. فلا شيء يحدث، حتى وإن كان أبسط حركة، بمعزل عن قصده السيادي (أمثال 16: 33؛ متى 10: 29). وأمور من قبيل الحظ السعيد، أو الحظ السيء، أو الأحداث العشوائيَّة، أو القدر الأعمى هي أمور غير موجودة. كذلك، إن عمل الله من أجل خلاص جميع مختاريه هو عمل فعَّال تمامًا. فالله يعمل بواسطة ابنه وروحه القدُّوس، مُبكِّتًا، وداعيًا، وجاذبًا، ومُجدِّدًا، ومُقدِّسًا، وحافظًا، ومُمجِّدًا جميع مختاريه (يوحنا 6: 37-40؛ رومية 8: 29-30).

ثالثًا، كتب بولس بعد ذلك أن "كُلَّ الْأَشْيَاءِ" هي "لَهُ". يؤكِّد هذا أن الله يقود ويوجِّه كل الأشياء نحو مجده. فالغرض الأسمى من العالم المادي هو إظهار جلال الله وعظمته (مزمور 19: 1). والغرض من كلِّ ما يديره الله داخل التاريخ هو إظهار عظمة اسمه (إشعياء 48: 11). وكلُّ ما يعمله الله في الخلاص، مُنقذًا الخطاة الهالكين، هو لمدح مجد نعمته (أفسس 1: 3، 6، 12، 14). فالغاية الأسمى من كل شيء هي: سولي ديو جلوريا – لمجد الله وحده.

كلُّ الأشياء هي "من" الله، أي أنها نابعة من مشيئته السياديَّة في الأزل. وكلُّ الأشياء هي "به"، أي أنها تتحقَّق بعمله السيادي في إطار الزمن. وكلُّ الأشياء هي "له"، أي أنها تُعلن مجده السيادي إلى الأبد. فكلُّ ما خطَّط له الله، وما سبق فعيَّنه، هو يتمِّمه، ويحفظه لتتميم قصده ومسرته.

ثم صرَّح بولس بأن هذا اللاهوت الفائق وحده هو الذي يُنتِج التسبحة التالية: "لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الْأَبَدِ. آمِينَ". فهذه العقيدة السامية عن الله تقود إلى تكريسنا العميق له. فذاك الذي خلق كلَّ شيء، والذي يتحكَّم في كلِّ شيء، والذي يُجدِّد جميع مختاريه، جديرٌ بكل الحمد والتسبيح. فما من مجد ينتمي إلى الإنسان. ولا ينقسم هذا المجد بين الله والإنسان. فإلهنا الغيور لا يعطي مجده لآخر (إشعياء 42: 8).

يشمل معنى كلمة مجد ("دوكسا" في اللغة اليونانيَّة) "رأي أو حُكم سليم على شخصٍ ما". فهي تحمل في طيَّاتها فكرة الصيت الذي يتمتَّع به أحدهم. ومن كلمة "دوكسا" تأتي كلمة "أرثوذكسي" (orthodox)، التي معناها اعتقاد صحيح بشأن شيء ما. وصارت الكلمة تشير إلى رأي سليم عن شخص بارز يتمتَّع بصيت وشهرة كبيرين. وهي تشير أيضًا إلى الإكرام الذي يستحقه شخص يحظى بمكانةٍ رفيعة. وكلَّما كان الشخص أعظم، وجب تبجيله بدرجة أكبر. وبالمثل، كلَّما درسنا علم اللاهوت، سمت نظرتنا عن الله، وبالتالي، ازداد تسبيحنا وتمجيدنا له.

يتحدَّث الكتاب المُقدَّس عن المجد بطريقتين مختلفتين يلزم التمييز بينهما. الطريقة الأولى هي مجد الله الجوهري. هذا هو مجمل وجوهر طبيعة الله بأكملها. وهذا المجد يمثِّل كينونته الإلهيَّة كاملة، ويشمل كلَّ كمالات صفاته الإلهيَّة. هذا المجد الجوهري يظل دائمًا كما هو، دون أيَّة زيادة أو نقصان. فمن الأزل إلى الأبد، الله كائن – فهو "الَّذِي كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِي يَأْتِي" (رؤيا 4: 8). ولا يمكننا أن نعطي الله مجدًا جوهريًّا. فلا يسعنا أن نضيف إلى طبيعته أو ننتقص منها.

يتحدَّث الكتاب المُقدَّس أيضًا عن مجد الله المنسوب إليه. وهذا هو رد الفعل السليم الوحيد تجاه رؤية مجده الجوهري. وهذا هو المجد الذي يجب أن نعطيه إيَّاه. وكلَّما أدركنا مجد الله الجوهري، نسبنا المجد إليه. وكلَّما ازدادت معرفتنا بالله، ازدادت عبادتنا له. فنظرة سامية عن الله ستحفِّز التمجيد السامي له. والشخص الذي ينمو في معرفة الله بمزيد من العمق سيُسبِّحه ويُمجِّده بأشد حرارة.

هذا المجد يجب أن يُعطَى إلى الله "إلى الأبد"، أو "إلى الدهور". أقرَّ بولس بأنَّه لن تأتي أية لحظة سواء في الزمن أو في الأبديَّة لن يُعطي فيها المجد لله. فهذا هو شغله الشاغل في الوقت الحاضر، وهذا سيكون هو الشغف الذي يقوده عبر الدهور الآتية. هذا هو الغرض الأسمى الذي خُلِق لأجله. وهذا سبب وجودنا. فينبغي أن نُنفَق في الحياة لمجد الله، سواء الآن أو إلى الأبد.

وإنَّنا لن نتوقَّف البتَّة عن تمجيد الله، لأنه لا يُفنى، ولن تكون له نهاية على الإطلاق: "وَمَلِكُ الدُّهُورِ الَّذِي لَا يَفْنَى وَلَا يُرَى، الْإِلَهُ الْحَكِيمُ وَحْدَهُ، لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ" (1 تيموثاوس 1: 17). فإن "المجد" سيُعطَى له "إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ" لأنه سيحكم ملكًا فائقًا عبر الدهور الآتية.

الكلمة الأخيرة في هذه الآية هي تصديق بولس الأخير على اللاهوت الذي علَّمه لتوِّه. فقد ختم قائلًا: "آمين". هذا بمثابة القول "هذا صحيح"، أو بتعبير آخر: "هذا حق"، أو "ليكن هكذا"، أو "أجل". فعلى علم اللاهوت أن ينتزع من داخل قلوبنا رد الفعل الحار هذا. وهذا الحق عن الله يجب أن يُنتِج هذا التوجُّه الحياتي السائد والمركزي. يجب أن يكون هذا هو نبض قلوبنا الأعظم، وشغفنا الأقوى، وحماسنا الأشد، ودافعنا الأسمى. يجب أن نعيش ونموت –ثمَّ نعيش إلى الأبد– لمجد الله.

ليت دراستنا لعلم اللاهوت تكون لمجد الله، وليتها تقودنا إلى أن نعطيه الحمد والتسبيح اللذين ينتميان إليه وحده. آمين.

المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

ستيفن لوسان
ستيفن لوسان
الدكتور ستيفن لوسان هو مؤسس هيئة خدمات وانباشون (OnePassion). وهو عضو هيئة التدريس في خدمات ليجونير، ومدير برنامج الدكتوراه في الخدمة في كلية لاهوت (The Master’s Seminary)، ومدير لمعهد الوعظ التفسيري. وقد كتب أكثر من عشرين كتابًا.