كيف قرأ يسوع الكتب المقدسة
۱ يونيو ۲۰۱۹
إكرام الرب من المنبر
٦ يونيو ۲۰۱۹

للرب الخلاص

إن الحقيقة المحوريّة لنعمة الله المُخلّصة مذكورة ببلاغة في هذه العبارة: "لِلرَّبِّ الْخَلاَصُ". يعني هذا التصريح القوي أن كل جانب من جوانب خلاص الإنسان هو من الله ويعتمد بالكامل على الله. فالإسهام الوحيد الذي نقوم به يكمن في الخطية التي وُضعت على يسوع المسيح على الصليب. أكّد الرسول بولس على هذا الأمر عندما كتب: "مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ" (رومية 11: 36). أي أن الخلاص حدّده الله، واشتراه الله، وطبّقه الله، وضمنه الله. من البداية للنهاية، للرب وحده الخلاص.

تتخلص هذه الحقيقة بأفضل صورة في عقائد النعمة، وهي: الفساد الكلي، الاختيار غير المشروط، الكفارة المحدّدة، الدعوة الفعّالة، والنعمة الحافظة. تقدم هذه الحقائق الإله المثلّث الأقانيم بصفته رئيس خلاصنا من البداية وحتى النهاية. فكل أقنوم من الثالوث — الآب والابن والروح القدس — له دور يلعبه في الفداء، وهم يعملون معًا كإله واحد لينقذوا الهالكين تحت الغضب الإلهي. في وحدة تامة، يعمل الأقانيم الثلاثة ما لا يقدر الخطاة الذين مصيرهم جهنم، غير القادرين نهائيًّا على انقاذ أنفسهم، أن يفعلوه.

الفساد الكلي:

أخطأ آدم، الإنسان الأول، واحتُسب إثمه وذنبه في الحال على كل البشر (باستثناء المسيح). بالمعصية الواحدة هذه، أصبح آدم ملوّثًا أخلاقيًا في كل جزء من كيانه — ذهنه، وعواطفه، وجسده، وإرادته. بهذه الخطية، دخل الموت إلى العالم، وتحطّمت شركة آدم مع الله.

انتقل ذنب آدم وفساده إلى نسله الطبيعي في لحظة الحبل. وبدوره، فإن جميع أطفال أبناءه ورثوا نفس هذه الحالة الساقطة تمامًا. وبالتالي، انتقلت إلى كل جيل حتى يومنا هذا. انتشرت طبيعة آدم الفاسدة إلى كل شخص بأكمله. وبدون النعمة، فإن أذهاننا مظلمة بالخطية، غير قادرة على فهم الحق. وقلوبنا دنسة، غير قادرة على محبة الحق. وأجسادنا مائتة، تتجه نحو الموت الجسدي. إرادتنا ميتة، غير قادرة على اختيار الصلاح. أصابت عدم القدرة الأخلاقيّة على إرضاء الله كل شخص منذ دخوله إلى العالم. في حالته غير المُجددة، ليس مَنْ يطلب الله. لا يقدر أحد أن يصنع الصلاح. فالجميع تحت لعنة الناموس، التي هي الموت الأبدي.

الاختيار غير المشروط:

قبل أن يخطئ آدم بزمن طويل، كان الله قد قضى بالخلاص للخطاة وحدّده. منذ الأزل، اختار الآب شعبًا في المسيح لينال الخلاص. قبل بدء الزمان، اختار الله الكثيرين من بين البشر الذين قصد أن يخلّصهم من غضبه. لم يتأسّس هذا الاختيار على أي إيمان يُرى مسبقًا في هؤلاء الذين اختارهم. ولم يكن كذلك مدفوعًا بصلاحهم المتأصّل فيهم. بدلاً من ذلك، أحب الله مختاريه بحسب محبته غير المحدودة وحكمته التي لا تُستقصى.

أعطى الآب المختارين لابنه ليكونوا عروسه. وكل شخص مختار تم تعينه مُسبقًا من الآب ليشابه صورة ابنه وليتغنّى بتسبيحه للأبد. كلّف الآب ابنه أن يدخل هذا العالم ويضع حياته ليخلّص هؤلاء المختارين. وبالمثل، كلّف الآب الروح القدس أن يقود هؤلاء المختارين إلى الإيمان بالمسيح. وافق الابن والروح طواعيةً على كل هذه القرارات، مما جعل الخلاص العملَ غير المنقسم للإله المُثلّث الأقانيم.

الكفارة المحدّدة:

في ملء الزمان، أرسل الله الآب ابنه ليدخل إلى هذا العالم الساقط في إرساليّة لفداء شعبه. وُلدَ من عذراء، بدون طبيعة الخطية، ليعيش حياة بلا خطية. وُلدَ يسوع تحت الناموس الإلهي حتى يطيعه بالكامل نيابة عن الخطاة العصاة الذين كسروا الناموس بشكل متكرّر. أتمّت هذه طاعة المسيح الفاعلة كل متطلّبات الناموس العادلة. وبحفظ الناموس، اكتسب ابن الله برًا كاملاً، والذي يُحتسب للخطاة المؤمنين بحيث يتم إعلانهم أبرارًا، أو متبرّرين، أمام الله.

إن حياة يسوع التي هي بلا خطية هذه أهّلته أيضًا للذهاب إلى الصليب والموت بدلاً من الخطاة المذنبين المستحقين الجحيم. على الصليب، حمل يسوع غضب الآب المطلق على خطايا شعبه. في الموت البدلي، نقل الآب لابنه كل خطايا جميع مَنْ يؤمنون به. وكذبيحة حاملة للخطايا، مات يسوع الموت النيابي في مكان مختاري الله. على الصليب، استرضى غضب الله البار تجاه المختارين. بدم الصليب، صالح يسوع الله القدوس مع الإنسان الخاطئ، صانعًا سلامًا بين الطرفين. في موته الفدائي، اشترى عروسه — شعبه المختار — من عبودية الخطية وأطلقها حرّة.

لم يجعل موت يسوع من الممكن خلاص جميع البشر. ولم يحقق موته ببساطة الفائدة النظرية التي قد تُقبل أو لا تُقبل. ولم يجعل موته كل البشر قابلين للفداء. بدلاً من ذلك، فدى حقًا يسوع شعبًا معيّنًا بموته، مُؤمِّنًا خلاصهم وضامنه. لم تُسفك نقطة واحدة من دم المسيح هدرًا. بل قد خلّص حقًا جميع من مات لأجلهم. تُسمّى عقيدة الكفارة المحدّدة هذه في بعض الأحيان الكفارة المحدودة.

الدعوة الفعّالة:

مع وحدانيّة الهدف، أرسل الآب والابن الروح القدس إلى العالم ليطبّق هذا الخلاص على المختارين والمفديين. أتى الروح القدس ليبكت المختارين على خطية، وعلى بر، وعلى دينونة وليوجّه إلى الابن كل من أعطاهم له الآب. في الميعاد الذي عيّنه الله، ينزع الروح القدس من كل مختار قلبه الحجري غير المؤمن، القاسي والميت بالخطية، ويبدله بقلب لحم مؤمن، متجاوب وحي لله. يزرع الروح القدس الحياة الأبدية في النفس المائتة روحيًا. ويمنح للمختارين من الرجال والنساء عطية التوبة والإيمان ليمكّنهم من الإيمان بأن يسوع المسيح هو ربٌّ.

فجأة، تصبح كل الأشياء جديدة. تُنتِج الحياة الجديدة التي من الروح محبةً جديدةً لله. وتُنتِج الرغبات الجديدة لطاعة كلمة الله سعيًا جديدًا نحو القداسة. هذا توجّه جديد للحياة، نعيشه بشغفٍ جديدٍ لله. يبرهن هؤلاء المولودين ثانية عن اختيارهم بثمر البر.

إن دعوة الروح القدس هذه فعّالة، مما يعني أن المختارين سيتجاوبون بكل تأكيد عندما تُقدّم لهم. لن يقاوموها في النهاية. وبالتالي، فإن عقيدة الدعوة الفعّالة تُسمّى في بعض الأحيان عقيدة النعمة التي لا تُقاوم.

النعمة الحافظة:

بمجرد أن يتغير كل مؤمن، يُحفظ في أمان أبدي بواسطة الأقانيم الثلاثة للثالوث. فكل من سبق فعرفهم الله وسبق فعينهم من الأزل، سيمجدهم في الأبد. لن يسقط أو يرتد أي مؤمن. بل كل مؤمن ممسوك بقوة بأيدي الآب والابن والروح القدس ذات السيادة، ولن يُفقد أبدًا. لن يهلك أيٌّ من خراف يسوع الذين وضع حياته من أجلهم. يختم الروح القدس — بشكل دائم — في المسيح كل من يجذبهم للإيمان. فبمجرد أن يُولدوا ثانية، لا يمكن لأي منهم أن يصبح غير مولود. بمجرد أن يصبح مؤمنًا، لا يمكن لأي منهم أن يصبح غير مؤمن أبدًا. بمجرد أن نال الخلاص، لا يمكن لأي منهم أن يصبح غير مُخلَّص. سيحفظهم الله في الإيمان للأبد، وهم سيثابرون إلى النهاية. وبالتالي، فإن عقيدة النعمة الحافظة تُسمّى في الكثير من الأحيان عقيدة مثابرة القديسين.

من البداية وإلى النهاية، للرب الخلاص. في الواقع، فإن هذه العقائد الخمسة للنعمة تشكّل جسد شامل من الحق المختص بالخلاص. فهم متصلون بشكل لا ينفصل وبالتالي يثبتون أو يسقطون معًا. إن اعتناق أيّ من هؤلاء الخمسة يُلزم اعتناق الخمسة كلهم. وإنكار الواحدة هو إنكار الآخرين وتمزيق للثالوث، بجعل الأقانيم الثلاثة على خلاف مع بعضهم البعض. تتحدّث هذه العقائد معًا بصوتٍ واحدٍ في إعطاء المجد الأعظم لله. يُنتِج مثل هذا اللاهوت السامي تمجيدًا ساميًا. فعندما يُفهم بشكل صحيح أن الله وحده — الآب، والابن، والروح القدس — يخلّص الخطاة، فإن المجد كله يكون له.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

ستيفن لوسان
ستيفن لوسان
الدكتور ستيفن لوسان هو مؤسس هيئة خدمات وانباشون (OnePassion). وهو عضو هيئة التدريس في خدمات ليجونير، ومدير برنامج الدكتوراه في الخدمة في كلية لاهوت (The Master’s Seminary)، ومدير لمعهد الوعظ التفسيري. وقد كتب أكثر من عشرين كتابًا.