العيش كمواطنين مزدوجي الجنسية
۱۲ مارس ۲۰۱۹
المشاركة بالإنجيل مع المسلمين
۱۲ مارس ۲۰۱۹

الوعظ عن غضب الله

قال المصلح السويسري جون كالفن، "إن الوعظ هو الشرح العلني للكتاب المقدس من قبل رَجُلٍ مُرسل من الله، وفيه يكون الله نفسه حاضرًا بالدينونة والنعمة". يتطلّب منبر الخدمة الأمينة الإعلان عن كل من دينونة الله ونعمته. فكلمة الله هي سيف حاد ذو حدين تُليّن وتُقّسِي، تُعزي وتؤلم، تُخَلِّصْ وتُدين.

إن الوعظ عن الغضب الإلهي هو بمثابة خلفية رقيقة سوداء تجعل بريق جوهرة رحمة الله أكثر إشعاعًا من إضاءة عشرة آلاف شمس. فبسبب الخلفية الداكنة للغضب الإلهي تسطع روعة نعمته في الخلاص أكثر إشراقًا. يعرض الوعظ عن غضب الله بريق رحمة نعمته ببراعة تجاه الخطاة.

كما كان نافخي الأبواق يقفون على جدران وأبراج القلاع يبوّقون مُحذرّين من كارثة قادمة، هكذا يجب أيضًا على الوعّاظ إعلان مشورة الله الكاملة. يجب على أولئك الذين يقفون على منابر الكنائس أن يعظوا بكل جوانب الحق في الكتاب المقدس، والذي يشمل كل من سلطان غضب الله ومحبته العظيمة. فلا يمكن للوعّاظ أن يختاروا وينتقوا ما يحلوا لهم ليعظوه. إن تناول غضب الله ليس أبدًا خيارًا للواعظ الأمين — بل إلزامًا إلهيًّا.

من المحزن أن الوعظ الذي يتناول موضوع دينونة الله الآتية غائب عن الكثير من المنابر المعاصرة. لقد أصبح الوعّاظ يقدمون اعتذارات بشأن غضب الله، لإن لم يكونوا صامتين تمامًا عن الأمور. يعلن الكثيرون اليوم بأنه يجب على الواعظ أن يقلل من شأن غضب الله لتعظيم محبتِه. ولكن إغفال التحدّث عن غضب الله هو تشويه لمحبته المدهشة. والغريب، أنه من عدم الرحمة الامتناع عن إعلان النقمة الإلهية.

لماذا يُعد الوعظ عن الغضب الالهي ضروريًّا جدًا؟ أولاً، شخصية الله المقدسة تتطلّب ذلك. فكراهية الله للخطية هي جزء أساسي من كمال طبيعته الأخلاقية. يؤكد آرثر بينك: "إن غضب الله هو قداسة الله النشطة ضد الخطية". فالله "نَارٌ آكِلَةٌ" (عبرانيين ١٢: ٢٩) وهو "‎يَسْخَطُ فِي كُلِّ يَوْمٍ" (مزمور ٧: ١١) نحو الأشرار. كما أن الله أبغض الإثم (مزمور ٤٥: ٧) وهو غاضب تجاه كل ما يتناقض مع كمال شخصهِ. ولذلك فهو سيهلك (مزمور ٥: ٦) الخطاة في يوم الدينونة.

يجب على كل واعظ أن يعلن غضب الله وإلا سيهمّش قداسته، ومحبته، وبره. فلأن الله قدّوس، فهو منفصل عن كل خطية، ومعارض تمامًا لكل خاطئ. ولأن الله محبة في ذاته، فهو يُسر بكل ما هو طاهر، ويجب بالضرورة الحتمية أن يكره كل ما هو غير مقدس. ولأن الله بار، فهو يجب أن يعاقب الخطية التي تنتهك قداسته.

ثانيًا، خدمة الأنبياء تتطلّب ذلك. أعلن أنبياء العهد القديم باستمرار لمستمعيهم أنه بسبب شرورهم المستمرة كانوا يذخرون لأنفسهم غضب الله (إرميا ٤: ٤). لقد استخدم كتّاب العهد القديم أكثر من عشرين كلمة لوصف غضب الله، واستُخدمت هذه الكلمات بأشكالها مختلفة بمجموع ٥٨٠ مرة. فقد تحدث الأنبياء مرة تلو الأخرى بصور حية في وصفهم لغضب الله ضد الشر. وتحدث أخر نبي، يوحنا المعمدان، عن "الْغَضَب الآتِي" (متى ٣: ٧). فمن موسى إلى الشخص السابق للمسيح كان هناك سلسلة تحذيرات مستمرة من الغضب الالهي الذي ينتظر الإنسان غير التائب.

ثالثًا، وعظ المسيح يتطلّب ذلك. من المدهش أن المسيح تكلم عن الغضب الإلهي أكثر من أي شخص آخر في الكتاب المقدس. تحدث ربنا عن غضب الله أكثر مما تحدث عن محبه الله. فقد حذّر يسوع من "نَارِ جَهَنَّمَ" (متى ٥: ٢٢) و "الْهَلاَكِ" الأبدي (٧: ١٣) حيث هناك "الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ" (٨: ١٢). وببساطة يمكن أن نقول إن المسيح كان واعظًا عن نار جهنم والدينونة. يفعل وعّاظ المنابر حسنًا إن اتّبعوا مثال المسيح في وعظهم.

رابعًا، مجد الصليب يتطلّب ذلك. لقد تألم المسيح من غضب الله لأجل كل من يدعونه. فلو لم يكن هناك غضبًا إلهيًّا لما كان هناك حاجة إلى الصليب، ناهيك عن خلاص النفوس الضالة. مما يجب أن يخلص الخطاة؟ فقط عندما ندرك حقيقة غضب الله ضد أولئك الذين يستحقون الدينونة عندئذٍ نجد بالفعل أن الصليب يحمل لنا بشارة أخباٍر مجيدة. هناك الكثيرون من الذين يقفون على المنابر في هذه الأيام يفتخرون بأن الصليب هو مركز خدمتهم، ولكن قلّما، إن لم يكن أبدًا ما يعظون عن الغضب الإلهي. وهذا تعدي وانتهاك للصليب نفسهُ.

خامسًا، تتطلّب تعاليم الرسل ذلك. فالرسل الذين كُلّفوا مباشرة من المسيح كانوا مُلزمين أن يعلنوا كل ما أمرهم به (متى ٢٨: ٢٠). وهذا يستلزم إعلان نقمة الله العادلة ضد الخطاة. يُحذّر بولس الرسول غير المؤمنين من "اللهَ الَّذِي يَجْلِبُ الْغَضَبَ" (رومية ٣: ٥) ويعلن أن المسيح وحده هو "الَّذِي يُنْقِذُنَا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي" (1 تسالونيكي ١: ١٠). كتب بطرس الرسول أيضًا عن "يَوْمِ الدِّينِ وَهَلاَكِ النَّاسِ الْفُجَّارِ" (1 بطرس ٣: ٧). كما تناول يهوذا "عِقَابَ نَارٍ أَبَدِيَّةٍ" (يهوذا ٧). كذلك وصف يوحنا "غَضَبِ الْخَرُوفِ" (رؤيا ٦: ١٦). من الواضح إذن أن كُتّاب العهد الجديد أدركوا ضرورة الوعظ عن غضب الله.

يجب على الوّعاظ ألا يتراجعوا عن إعلان الغضب الإلهي العادل ضد الخطاة الذين يستحقون الجحيم. فقد عيّن الله يومًا سَيَدينُ فيه المسكونة بالعدل (أعمال الرسل ١٧: ٣١). وهذا اليوم يلوح في الأفق. ومثل الأنبياء والرسل وحتى المسيح نفسهُ، نحن أيضًا يجب أن نحذر غير المؤمنين من هذا اليوم المروّع القادم ونلزمهم على الفرار نحو المسيح، القادر وحدهُ أن يُّخلِّص.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

ستيفن لوسان
ستيفن لوسان
الدكتور ستيفن لوسان هو مؤسس هيئة خدمات وانباشون (OnePassion). وهو عضو هيئة التدريس في خدمات ليجونير، ومدير برنامج الدكتوراه في الخدمة في كلية لاهوت (The Master’s Seminary)، ومدير لمعهد الوعظ التفسيري. وقد كتب أكثر من عشرين كتابًا.