الكنيسة ومزمور 81
۲۸ أبريل ۲۰۲۰
ضرورة الإصلاح
۲۱ مايو ۲۰۲۰

عِظْ بالكلمة

كل فترة من فترات الإصلاح وکل ساعة من ساعات النهضات الروحيَّة سبقها انتعاشٌ للوعظ الكتابي. فالعلاقة بين السبب والنتيجة علاقة دائمة ولا يمكن فصلها. كتب مؤرِّخ حركة الإصلاح ميرلي دوبينييه (J.H. Merle D’Aubigné) قائلاً: "إن الإصلاح الحقيقي الوحيد هو ذلك الذي ينبع من كلمة الله". وهذا يعني أنَّ الكنيسةَ تذهبُ حيثُ يذهبُ المنبر.

وهذا ما حدث في الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر. أقام الله مارتن لوثر، وجون كالفن، ومُصلحين آخرين للقيادة ذلك الوقت. وكانت البداية باستعادة الوعظ التفسيري، الأمر الذي ساعد في انطلاق هذه الحركة الدينيَّة التي قلبَت أوروبا، بل والحضارة الغربيَّة، رأسًا على عقب. وكانت صيحة المعركة بالنسبة لهم هي "الكتاب المقدس وحده" (sola Scriptura)، ومع تلك الصيحة أعاد جيلٌ جديدٌ من الوعَّاظ الكتابيِّين المنبرَ إلى مجده السابق، وأعادوا إحياء المسيحيَّة المُؤسَّسة على تعاليم الرسل.

ينطبق الشيء نفسه على العصر الذهبي للبيوريتانيين (التطهُّريين) في القرن السابع عشر. فقد انتشرت صحوة الوعظ الكتابي انتشارًا كبيرًا وسط الإيمان الفاتر الذي كان وسط إسكتلندا وإنجلترا. ومن جديد عادت المسيحيَّة الحقيقيَّة متمثلةً في جيشٍ من مُفسِّري الكتاب المقدس من أمثال جون أوين (John Owen)، وجيريمايا بوروز (Jeremiah Burroughs)، وصموئيل روثرفورد (Samuel Rutherford) وغيرهم، ممن خاضوا المعركة مع إمبراطوريَّة بريطانيا بالكتاب المقدس مفتوحًا وبصوتٍ عالٍ. وعلى أثر ذلك، تزعزعت المملكة، وتحوَّل مجرى التاريخ.

شهد القرن الثامن عشر الأمر نفسه. فكان الوعْظ المشبع بكلمة الله لجوناثان إدواردز (Jonathan Edwards)، وجورج ويتفيلد (George Whitefield)، وتينيتس (Tennents) مُدوِّيًا عبر المستعمرات الأولى. لقد ألهَبَ إعلان بشارة الإنجيل الساحل الأطلسي، واجتاحت عاصفة الإنجيل إقليم نيو إنجلاند (New England). تم الوعظ بالكلمة، وخلصت النفوس، وامتد الملكوت.

الحقيقة هي أن العودة للوعظ الكتابي كانت دائمًا العامل الرئيسي في أيَّة نهضة للمسيحيَّة الحقيقيَّة. كتب فيليب شاف (Philip Schaff) قائلًا: "إن كل تقدُّم حقيقي في تاريخ الكنيسة كان مشروطًا بدراسة جديدة وأكثر عُمقًا للكتاب المقدس". هذا يعني أن كل نهضة عظيمة حدثت في الكنيسة كانت بسبب العودة إلى الوعظ التفسيري.

صرَّح ديفيد مارتن لويد جونز (D. Martyn Lloyd-Jones)، واعظ كنيسة وستمنستر في لندن، قائلًا: "إن الحاجة الأكثر إلحاحًا في الكنيسة المسيحيَّة اليوم هي إلى الوعظ الحقيقي. وبما أنها الحاجة الأكبر والأكثر إلحاحًا في الكنيسة، فهي الحاجة الأكبر للعالم أيضًا". وإذا كان تشخيصه صحيحًا، والكاتب يعتقدُ ذلك، فإن العودة إلى الوعظ الحقيقي — الوعظ الكتابي، الوعظ التفسيري — هي الحاجة الأكبر في هذا الوقت الحرج. فإن كان للإصلاح أن يجد طريقه إلى الكنيسة، فيجب أن يبدأ أولًا من المنبر.

حذّر النبي عاموس في عصره من مجاعة قادمة، ومن جفاف مميت سوف يغطي الأرض. لكن لم تكن تلك المجاعة مجرد غياب الطعام أو الماء، لأنها ستكونُ مجاعةً أشدُّ فتكًا. ستكون جوعًا لاستماع كلمة الله (عاموس 8: 11). من المؤكَّد أن الكنيسة تجد نفسها اليوم في موقف مماثل من حيث الجوع لكلمة الله. وبشكل مأساوي، تم استبدال الوعظ التفسيري بالترفيه، والعقيدة بالدراما، واللاهوت بالمسرح، والوعظ بالتمثيل. ما نحن بحاجة ماسة إليه اليوم هو أن يعود القسوس إلى دعوتهم العليا — الدعوة الإلهيَّة للكرازة بالكلمة (2 تيموثاوس 4: 1-2).

ما هو الوعظ التفسيري؟ أوضح جون كالفن مُصلِح جينيف ذلك قائلاً: "إن الوعظ هو التفسير العَلَني للكتاب المقدس بواسطة رجلاً مُرسَلاً من الله للقيام بذلك، وفي الوعظ يكون الله نفسه حاضرًا في قضائه ونعمته". بعبارة أخرى، الله حاضرٌ بشكل غير عادي، بروحه، أثناء الوعظ بكلمته. يبدأ هذا الوعظ من النص الكتابي، ويبقى فيه، ويبيِّن معناه الذي قصده الله بطريقة تغير الحياة.

كان هذا تكليف بولس الأخير لتيموثاوس الشاب: "اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ" (2 تيمثاوس 4: 2). يستلزم مثل هذا الوعظ إعلان مشورة الله الكاملة الموجودة في الكتاب المقدس. يجب شرح الكلمة المكتوبة بالكامل. فلا ينبغي ترك أي حقيقة دون أن تُعلَّم، ولا خطية دون أن تُكشَف، ولا نعمة دون أن تُقدَّم، ولا وعد دون أن يُبلَّغ.

لن تأتي النهضة المُرسلة من السماء إلا عندما يأخذ الكتاب المقدس مكانه مرة أخرى من المنبر. يجب إعلان الكتاب المقدس بوضوح، وذلك بالوعظ الذي يقدم شرحًا واضحًا للنص الكتابي مقترنًا بتطبيقٍ مناسب، ومناشدة مُقنعة، ودعوةٍ قوية.

يجب على كل واعظ أن يقتصر على حقائق الكتاب المقدس. فعندما يتكلَّم الكتاب المقدس، يتكلَّم الله. ليس لرجل الله ما يقوله سوى تعاليم الكتاب المقدس. يجب ألا يستعرض آرائه الشخصيَّة من خلال المنبر. ولا يجوز له أن يشرح الفلسفات الدنيويَّة. فالواعظ يقتصر على مهمة واحدة — الوعظ بكلمة الله.

قال تشارلز سبرجن: "إني أفضِّل أن أنطق بخمس كلمات من هذا الكتاب [الكتاب المقدس] أكثر من 50 ألف كلمة للفلاسفة. إذا أردنا نهضات، يجب علينا إحياء احترامنا لكلمة الله. وإذا أردنا أن يهتدي الناس إلى المسيح، يجب علينا أن نضع المزيد من كلمة الله في عظاتنا". يظل هذا هو الاحتياج الصارخ والضروري في وقتنا الحالي.

ليت جيلاً جديدًا من الرجال الأقوياء يتقدَّمون ليجاهروا بكلمة الله، وليتهم يفعلون ذلك بقوةٍ ووضوح. لأنه حيثما يذهب المنبر تذهبُ الكنيسة.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

ستيفن لوسان
ستيفن لوسان
الدكتور ستيفن لوسان هو مؤسس هيئة خدمات وانباشون (OnePassion). وهو عضو هيئة التدريس في خدمات ليجونير، ومدير برنامج الدكتوراه في الخدمة في كلية لاهوت (The Master’s Seminary)، ومدير لمعهد الوعظ التفسيري. وقد كتب أكثر من عشرين كتابًا.