الهدف الأكثر قيمة لعلم الدفاعيات
۲٦ أبريل ۲۰۱۹
المُخطط الليبرالي
۱۳ مايو ۲۰۱۹

سلطان الكتاب المقدس

إنها واحدة من تلك اللحظات التي كنا نتمنى لو عاصرناها. حدثت في الساحة التي أمام باب الماء. مع سطوع شمس الصباح، أتى عزرا بالشريعة. وفتح المخطوطة وبدأ يقرأ. واستمر في القراءة إلى نصف النهار، ومع ذلك، فقد أعطى الجمع الغفير كل تركيزهم له. تم قراءة الشريعة، وتفسيرها، ودراستها. يخبرنا نحميا 8 أيضًا، حيث سجّل هذا الحدث، أن هذه الدراسة الكتابية قادت إلى العبادة. تواضع الشعب ونظروا بوجوههم إلى الأرض. كما سجدوا أمام الله بينما أعلن هو عن نفسه في كلمته المقدسة.

يشكل هذا الحدث في العهد القديم سابقة. اجتمع شعب الله، سمعوا كلمة الله وهي تُقرأ، سمعوا تفسير وتعليم كلمة الله، وعبدوا الله. هكذا يجب أن يتم الأمر. مع مرور السنين، تأتي أجيال وترحل أجيال، وكلمة الله للأسف تتراجع من مكانها في مركز حياة شعبه وتتراجع في أهميتها وسط كنيسته. تحدث أنبياء العهد القديم عن الجوع لكلمة الله. عندما ننظر عبر صفحات الكتاب المقدس، وعبر تاريخ الكنيسة، نجد أوقات الجوع لكلمة الله هذه. أحد أقسى أوقات الجوع هذه أتت في عشية الإصلاح.

أطلق مارتن لوثر احتجاجه في الأساس ضد الكنيسة بشأن موضوع صكوك الغفران. لقد أراد أن يتحاور. وبينما شارك في عدد من الخلافات المتعددة في أعقاب نشره للخمسة وتسعين حجة، إلا أنه حصل في النهاية على حوار حقيقي في مدينة ليبتسيج (Leipzig). على مدار أشهر الصيف، واجه لوثر يوهان إيك (Johann Eck)، وهو اللاهوتي الأول في كنيسة روما. على مدار أشهر الحوار، أعلن لوثر عن شعار الإصلاح الرئيسي سولا سكريبتورا (sola Scriptura)، أي الالتزام الثابت الذي لا يتزعزع للسلطان المطلق للكتاب المقدس. اقنعت كتابات لوثر وتقارير هذه الحوارات البابا ليو العاشر (Leo X) أن هذا الراهب الألماني مهرطق. تم تحديد اليوم والوقت من أجل المواجهة الحاسمة: 17-18 أبريل سنة 1521، في البرلمان الإمبراطوري، أو الاجتماع، في مدينة ورمز (Worms).

ما حدث في ورمز هو لحظة أخرى من تلك اللحظات التي نتمنى لو كنا عاصرناها. وقف لوثر مرتديًّا زيه الرهباني البسيط أمام — وضد — الأمراء والنبلاء، والكرادلة والكهنة، وكانوا جميعًا يرتدون الزخارف التي تدل على مناصبهم. وعلى العرش جلس تشارلز الخامس (Charles V) البالغ من العمر 21 عامًا، إمبراطور روما المقدس. تم نشر كتب لوثر على مائدة أمامه. وأُمر "تراجع!" — أي أن ينكر كتاباته، وينكر آرائه عن سولا فيدي (sola fide) (الإيمان وحده وسيلة التبرير) وعن سولا سكريبتورا (sola Scriptura). كان هذا في 17 أبريل. طلب لوثرًا يومًا للتفكير، وأُعطى له. قضى الليل في الصلاة وأتى في اليوم التالي. ثم ألقى خطابه الشهير:

أنا ملتزم بالنصوص الكتابية التي اقتبستها وضميري أسير لكلمة الله. لا يمكنني أن أنكر أي شيء ولن أفعل ذلك، لأنه ليس من الأمان ولا من الصواب أن يسلك المرء ضد الضمير. لا أستطيع أن أفعل خلاف ذلك. هذا موقفي. فليساعدني الله. آمين.

أدت هذه اللحظة إلى لحظة أخرى كان من الرائع لو كنا عاصرناها. في الحقيقة لم تكن لحظة، بل بضعة أشهر، حيث تم حبس لوثر في قلعة وارتبورج (Wartburg) التي تطل على مدينة ايزنآخ (Eisenach). هناك ترجم العهد الجديد اليوناني إلى اللغة الألمانية، وهناك في دراسته المتواضعة، كتب سلسلة من العظات اسماها: التفاسير الكنسية (Kirchenpostille). إن العهد الجديد هو بالطبع كلمة الله، والتفاسير الكنسية هي سلسلة من العظات التي تشرح كلمة الله. كان هناك احتياج لإعلان الكلمة، ولكن كان هناك احتياج أيضًا لتفسير الكلمة وتعليمها. وضع عزرا السابقة في نحميا 8. لم يكن لوثر يقوم بشيء جديد. بل كان يقوم بشيء قديم جدًا.

يمكن اعتبار سولا سكريبتورا (Sola Scriptura) شعارًا للإصلاح، ولكنه أيضًا بشكل أدق، هو شعار كتابي. إلا أنه من المفيد أن نتناول كيف فكر المصلحون في سولا سكريبتورا. نرى هذا بأفضل صورة في الطريقة التي تجاوب بها لوثر مع نقاده.

واحدة من الانتقادات المستمرة التي تلقاها لوثر كانت هذه: لقد تخلّصت من 1500 عامًا من تاريخ الكنيسة. الانتقاد الثاني كان هذا: لقد تخلّصت من الكنيسة. بادعائك أن ضميرك أسير لكلمة الله، فأنت لا تحتاج التقليد ولا الكنيسة. لا تحتاج أن تهتم بشركة القديسين عبر القرون ولا حتى الآن.

لم يكن لوثر أبدًا مَنْ يتراجع عن المعركة، فواجه هذه الانتقادات وجهًا لوجه. إلا أنه، قبل أن ننظر إلى تلك الانتقادات الموجهة له، فإنه من المهم أن نرى كيف أن بعض الناس الذين يقرون بسولا سكريبتورا يبررون هذه الاعتراضات. إن بعض الإنجيليين المعاصرين يعتبرون أن سولا سكريبتورا تعني أنهم لا يحتاجون إلى معلمين وأنه يستطيعون التخلّص من ألفي عام من التاريخ الكنسي. ولكن تأكيد لوثر والمصلحين الآخرين على سولا سكريبتورا لم يكن دعوة للفردية المتطرفة أو لرفض السلطة الكنسيّة. أحد النصوص المفيدة هنا هي ما كتبه لوثر بعنوان فيما يختص بالمجامع والكنيسة (On the Councils and the Church).

في هذا النص من عام 1539، ردّ لوثر على عقدين من الانتقادات. أحد الأمور التي أشار إليها هو قيمة تاريخ الكنيسة، وقيمة التقليد الصحيح، وقيمة المجامع. من الخطأ الظن أن لوثر اهتم بآرائه بشكل كبير لدرجة أنه تجاهل تمامًا آراء الآخرين. مع أنه لم يرفع التقليد إلى مستوى السلطة النهائية، لكنه رأى أنه ضروري، ومفيد، وتوجيهي. إن التقليد، بالنسبة للمصلحين، هو سلطة غير معصومة من الخطأ، بعكس الكتاب المقدس الذي هو سلطة معصومة من الخطأ.

يقول بولس لتيموثاوس أن يدرب رجالاً أمناء يستطيعون أن يعلموا آخرين. هؤلاء رجال مكلفين "بوديعة الإيمان"، رجال أهل للثقة. يجب تدريبهم على يد تيموثاوس، الذي تدرب بدوره على يد بولس. وهم بدورهم يدربون آخرين. إن الكلمة التي يستخدمها بولس في 2 تيموثاوس 2: 2، والتي تُترجم "أودعه"، تعني أن يسلّم، وكأنك تنقل ميراثًا. والكلمة المستخدمة في الفولجاتا، أي الترجمة اللاتينية للكتاب المقدس، هي tradidit، والتي تأتي منها الكلمة الإنجليزية التي تعني التقليد.

هناك شيء اسمه تقليد صحي. هناك أيضًا شيء اسمه تقليد غير صحي. أشار لوثر إلى علامة واضحة على التقاليد غير الصحيّة: هي تعظّم المظاهر الخارجية، والأشكال، أكثر من الحقائق الداخلية وفي النهاية أكثر من المسيح نفسه. حدث هذا بين الفريسيين والصدوقيين في القرن الأول، كما حدث في القرن السادس عشر. ويحدث في يومنا. التقليد صحي فقط إلى الحد الذي يدعم مركزية كلمة الله وأهميتها. تقوم قوانين الإيمان بهذا الأمر. وتقوم التعاليم القويمة للمجامع الكنسيّة وللمُصلحين بهذا الأمر. ببساطة، التقليد الصحي يمجّد المسيح، وبشارة الإنجيل، والعقيدة السليمة؛ التقليد غير الصحي لا يقوم بهذا.

كان هناك مكان للتقليد في تعاليم لوثر، كما أنه آمن إيمانًا راسخًا بالمعلمين. يُقر العهد الجديد بوظيفة المعلم. نعم، إن ضمائرنا أسيرة لكلمة الله. ولهذا السبب، أعطانا الله المعلمين لمساعدتنا على فهم كلمته، وعلى محبة كلمته، وأن نطبّق كلمته في حياتنا.

كجزء من شركة القديسين، نحن غير منعزلين عن التقليد أو عن الكنيسة. لخّص كيث ماثيسون (Keith Mathison)، زميلتي، الأمر كالتالي: إنها سولا سكريبتورا (أي الكتاب المقدس هو السلطة النهائية والمعصومة من الخطأ الوحيدة) وليست سولو سكريبتورا (أي الكتاب المقدس هو السلطة الوحيدة). إن التأكيد على سولا سكريبتورا يعني فهم سلطان الكتاب المقدس بشكل جيد وفهمها كما فهمها المصلحين.

الكتاب المقدس هو السلطة الوحيدة لنا غير القابلة للخطأ والمعصومة للإيمان والحياة. فهو كلمة الله، الموحى به بأنفاس الله. لذا، يجب أن نطيعه. يجب أن نسعى حتى لا نراه مُزاحة جانبًا وفي غير مكانه، ولكن أن نراه موضوع في مركز كل ما نقوم به. يمكننا أن ننظر إلى الماضي إلى اللحظات التي فيها أُعطيت للكلمة مكانتها الملائمة. حدث هذا بين المسبيين عند عودتهم من أورشليم كما هو مُسجل في نحميا 8. وحدث هذا في القرن السادس عشر. دعونا لا نرثي أننا لم نعاصر هذه اللحظات. وبدلاً من ذلك، دعونا نصلي من أجل لحظاتنا نحن حين نضع كلمة الله في المركز، وحين نعلن كلمة الله، وحين نراها تقوم بدورها.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

ستيفن نيكيلس
ستيفن نيكيلس
الدكتور ستيفن نيكيلس (@DrSteveNichols) هو مدير "كلية الكتاب المقدس للإصلاح" (Reformation Bible College)، والمسؤول الأكاديمي الرئيسي في خدمات ليجونير، وعضو هيئة التدريس في خدمات ليجونير. وهو مؤلف العديد من الكتب ويقدم برامج إذاعية قصيرة بعنوان"5 دقائق في تاريخ الكنيسة" (5 Minutes in Church History) و"الكتاب المفتوح" (Open Book).